د سمير منصري


التعليم والهيمنة الثقافية في فكر أنطونيو غرامشي: نحو بناء وعي طبقي ثقافي

– د. سمير منصري:_باحث في علم الاجتماع/حزب العمال الشيوعي التونسي ®


يُعدّ الرفيق العظيم المفكر اللامع:

أنطونيو_غرامشي…. (1891–1937) أحد أبرز المنظّرين الماركسيين الذين أعادوا التفكير في آليات السيطرة الطبقية داخل المجتمعات الحديثة. فقد تجاوز التحليل الاقتصادي الصرف، مؤكدًا أن الهيمنة لا تُمارَس فقط عبر أجهزة الدولة القسرية، بل أساسًا عبر البُنى الثقافية والتربوية داخل المجتمع المدني. في هذا السياق، يحتلّ التعليم موقعًا محوريًا في إنتاج الهيمنة الثقافية أو في تفكيكها وبناء وعي طبقي قادر على إحداث تغيير ثوري راديكالي.

يرى الرفيق غرامشي أن الطبقة السائدة تفرض سيطرتها عبر خلق توافق اجتماعي يجعل قيمها ورؤيتها للعالم تبدو طبيعية وعقلانية. وتُعدّ المدرسة والجامعة من أهم مؤسسات هذا التوافق، إذ تساهم في إعادة إنتاج الأيديولوجيا السائدة من خلال مناهج تبدو محايدة، لكنها في جوهرها تُكرّس الانقسام الطبقي وتعيد إنتاج علاقات السلطة. فالتعليم البرجوازي، وفق هذا التصور، لا يهدف إلى تحرير الفرد معرفيًا، بل إلى تكييفه مع متطلبات النظام الرأسمالي القائم.

ينتقد الرفيق ،*غرامشي *النموذج التعليمي السائد لأنه يفصل بين الفكر والعمل، ويُنتج مثقفين تقليديين يدّعون الحياد بينما يؤدون وظيفة أيديولوجية تخدم الهيمنة الطبقية. كما يُسهم هذا النموذج في ترسيخ تراتبية تعليمية تمنح المعرفة النظرية للنخب، في حين تُوجَّه الطبقات الشعبية نحو تعليم تقني محدود الأفق، مما يحول دون تطور وعي نقدي جماعي.

في مقابل ذلك، يطرح الرفيق *غرامشي *مفهوم :

المثقف_العضوي المرتبط عضويًا بطبقته الاجتماعية، والذي ينبثق من داخل الممارسة الاجتماعية والنضال اليومي. ويؤدي التعليم، في هذا الإطار، دورًا أساسيًا في تحويل التجربة المعيشية للطبقات المضطهدة إلى وعي نظري منظم، قادر على تفكيك الخطاب السائد وبناء رؤية بديلة للعالم. فالمثقف العضوي ليس ناقل معرفة مجردة، بل فاعل تاريخي يسهم في تنظيم الوعي الطبقي وتوجيهه سياسيًا.

التعليم والوعي الطبقي والصراع من أجل الهيمنة المضادة حين
يؤكد الرفيق غرامشي أن الوعي الطبقي لا يتشكل تلقائيًا، بل هو نتاج عملية تربوية وثقافية طويلة. ومن هنا، يصبح التعليم ساحة مركزية للصراع الأيديولوجي، حيث تُبنى هيمنة مضادة قادرة على تحدي الهيمنة البرجوازية. ويُعدّ هذا الصراع التربوي جزءًا من «حرب المواقع» التي تسبق أي تحول ثوري جذري داخل المجتمعات الحديثة.

يخلص الرفيق غرامشي إلى أن أي مشروع تغييري راديكالي يظلّ ناقصًا دون ثورة ثقافية وتربوية مرافقة. فالتعليم، بوصفه أداة لصناعة المثقف العضوي وبناء الوعي الطبقي، يشكّل شرطًا بنيويًا لإحداث تغيير اجتماعي ثوري مستدام، يتجاوز الاستيلاء على السلطة السياسية نحو إعادة تشكيل الوعي الجماعي نفسه.


  • Social Links:

Leave a Reply