كيف تصنع الجهوية دولة فاشلة.

كيف تصنع الجهوية دولة فاشلة.

زكريا_نمر

عندما تقدم القبيلة على الوطن، والجهوية على المواطنة، والمحاصصة على الكفاءة، فإننا لا نكون أمام خلل عابر في الممارسة السياسية، بل أمام انهيار كامل لفكرة الدولة ذاتها. في هذه اللحظة يتحول الوطن من كيان جامع إلى ساحة اقتسام، وتتحول السلطة من أداة خدمة عامة إلى وسيلة انتقام تاريخي، وتغدو الدولة مجرد اسم يعلو فوق واقع تحكمه العصبيات والولاءات الضيقة. هنا لا تعود الدولة إطارا قانونيا ينظم المصالح، بل تصبح غنيمة تتصارع عليها الجماعات، كل واحدة باسم المظلومية، وكلها في الجوهر تمارس الإقصاء ذاته الذي تدعي مقاومته.

في مثل هذا الواقع، يفقد الانتماء الوطني معناه الحقيقي، ويختزل إلى خطاب مناسباتي فارغ، بينما القرار الفعلي يصنع في دوائر مغلقة تحكمها الروابط القبلية والجهوية. لا يسأل المسؤول عن كفاءته أو برنامجه، بل عن أصله ومن يقف خلفه. وهكذا يتحول الوطن إلى مجموع جزر معزولة، لا يربط بينها عقد اجتماعي، بل توازن هش للقوة، سرعان ما ينهار عند أول صدمة.

الاختلاف، الذي يفترض أن يكون مصدر ثراء حضاري، يتحول في المجتمعات المتخلفة إلى لعنة سياسية. فبدلا من ادارته بالعقل والحوار، يتم توظيفه للتحشيد والتخويف وصناعة الاعداء. الرأي المختلف لا يناقش، بل يخون. والفكرة الجديدة لا تفحص، بل تقمع. ومن هذا المناخ المشحون يولد العنف، لا بوصفه انحرافا، بل كأداة طبيعية لفرض الرأي. ومع تراكم هذا السلوك، يتشكل نظام ديكتاتوري يرى في التعدد تهديدا، وفي الحرية خطرا، وفي النقد جريمة، فيصادر الفكر ويوحد الرأي ويقتل المبادرة الفردية. هذا الاستبداد لا يكتفي بإغلاق المجال السياسي، بل يشل المجتمع بأكمله. فالابداع يموت حين يخاف العقل، والانتاج يتوقف حين تغيب العدالة، والتطور يصبح مستحيلا حين تكافأ الرداءة وتعاقب الكفاءة. وهكذا تدخل الدولة في دائرة مغلقة من التخلف، حيث ينتج الاستبداد فقرا وجهلا، وينتج الفقر والجهل مزيدا من الاستبداد.

إن المجتمع الذي لا يزال أسير قيم ما قبل الدولة، ويقدس القبيلة والجهة أكثر مما يحترم القانون، هو مجتمع يعيد انتاج فساده جيلا بعد جيل. في هذا الواقع، لا يعود الفساد مجرد سلوك منحرف، بل يتحول إلى ثقافة عامة ونظام توزيع غير معلن للمنافع. تصبح الوظيفة العامة مكافأة للولاء، لا تكليفا بالكفاءة، وتتحول المؤسسات إلى واجهات خاوية يديرها غير المؤهلين باسم التوازنات والمحاصصات. أما المصالحات الشكلية التي تروج لها النخب، فهي في حقيقتها هروب من مواجهة جذور الأزمة. فهي لا تعالج الخلل، بل تجمده مؤقتا، ولا تبني سلاما مستداما، بل تؤجل الانفجار القادم. والأسوأ من ذلك، أنها كثيرا ما تطلب من الفكر أن يصمت، ومن النقد أن يتراجع، باسم الاستقرار، وكأن الاستقرار يتحقق بقمع العقل لا بتحريره. والحقيقة أن أي مصالحة تفرض على حساب الانتاج الفكري هي مصالحة زائفة، تؤسس لانهيار مؤجل لا أكثر.

لقد تجاوزت المجتمعات الحديثة هذه المعضلة حين أدركت أن الدولة لا تبنى بالدم ولا بالقرابة، بل بالمشاريع الجامعة. جمعت مواطنيها حول اهداف واضحة، لا حول هويات مغلقة، وربطت الناس بمستقبل مشترك لا بماض متنازع عليه. لم تلغ اختلافاتهم، لكنها نزعتها من ساحة الاحتراب، ووضعتها في ساحة التنافس السلمي. وهنا تحولت المواطنة من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية، تقوم على المساواة امام القانون، وعلى تكافؤ الفرص، وعلى المحاسبة. هذا التحول لا يمكن ان يتحقق بوعظ اخلاقي أو شعارات فضفاضة، بل عبر تنظيم سياسي حديث، يتمثل في احزاب وتيارات تؤمن بالعقل الجماعي لا بالزعيم الملهم، وبالبرنامج لا بالشخص، وبالمؤسسة لا بالقبيلة. في هذه الكيانات تذوب الهويات الجهوية داخل مشروع وطني اوسع، ويصبح الاختلاف داخلها مصدر قوة تنظيمية لا سببا للانقسام.في هذا الإطار، لا يصعد الأفراد لانهم ينتمون، بل لانهم قادرون. ولا تقدم الكفاءة تفضلا، بل ضرورة وجودية، لان فشل الفرد يعني فشل المشروع كله. ومن هنا يصبح التنافس السياسي تنافس مشاريع لا تناحر جماعات، وتغدو صناديق الاقتراع ساحة الصراع الوحيدة المشروعة، لا البنادق ولا الشوارع.

عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يستعيد المواطن قيمته الحقيقية. لا بوصفه تابعا أو رقما في حشد، بل باعتباره مصدر الشرعية وصاحب القرار. يصبح صوته فعلا سياديا، لا إجراء شكليا، وتستعاد كرامته لانها مرتبطة بقدرته على المحاسبة والاختيار. عندها فقط يمكن الحديث عن ازدهار حقيقي، لا لأنهاء الخلاف، بل لان الدولة تعلمت كيف تديره، وكيف تحوله من لعنة مدمرة إلى قوة بناء، في ظل وطن واحد، يحكمه القانون، وتحميه المواطنة، لا العصبية ولا المحاصصة.

  • Social Links:

Leave a Reply