بسام شريف

في الحالة السورية، لا يمكن فهم تقديس السلطة والحاكم بوصفه خللاً ثقافياً ، بل نتيجة مشروع سلطوي متكامل بُني عمداً على مدى عقود، وترك آثاره العميقة في الدولة والمجتمع معاً.
كيف صُنِع تقديس السلطة في سوريا؟
- من الدولة إلى “دولة القائد”
منذ استيلاء السلطة الشمولية على الحكم:
— جرى تفكيك مفهوم الدولة لصالح شخص الحاكم.
— أُعيد تعريف الوطن بوصفه “القائد” ورؤيته وخياراته.
— أُلغيت الحدود بين الدولة والحزب والأجهزة الأمنية والعائلة الحاكمة.
النتيجة:
لم يعد السوري يتعامل مع مؤسسات، بل مع “مركز واحد مطلق”. - صناعة الخوف كأداة حكم
— القمع لم يكن وسيلة طارئة بل بنية حكم.
— الاعتقال، الإخفاء القسري، والمجازر تحولت إلى ذاكرة جمعية.
— الخوف الطويل أنتج ما يمكن تسميته: الطاعة الوقائية.
في الوعي الشعبي:
“السياسة خطر… الصمت أمان”. - تديين السلطة وتقديسها رمزياً
— لم تُقدَّم السلطة كخيار سياسي بل كـ“ضامن للوجود”.
— رُبط الحاكم بالاستقرار، وبمنع الفوضى، وبحماية الأقليات.
— تحولت معارضته إلى “تهديد للوطن” لا إلى موقف سياسي.
هنا جرى استبدال الشرعية الشعبية بشرعية الخوف. - التعليم والإعلام كأدوات إعادة إنتاج الطاعة
— مناهج تمجّد القائد وتُفرغ التاريخ من أي معنى نقدي.
— إعلام يختزل الوطن في صورة الزعيم.
— تغييب كامل لمفهوم المواطن وحقوقه.
نشأت أجيال تعرف اسم الحاكم قبل أن تعرف معنى الدستور. - تفكيك المجتمع ومنع السياسة
— حُطِّمت الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.
— أُفرغ المجال العام من أي نقاش حقيقي.
— السياسة تحولت إلى تهمة.
النتيجة:
مجتمع بلا أدوات تمثيل، يبحث عن “من يحكمه” لا “كيف يُحكم”.
كيف انفجر الوهم بعد 2011؟
- سقوط هيبة القداسة
— مع أول كسر للخوف، سقطت صورة “القائد المعصوم”.
— انكشف أن الدولة لا تحمي المجتمع بل تحمي السلطة.
لكن:
— سقوط القداسة لم يترافق مع بناء وعي مؤسساتي بديل. - الفراغ السياسي وإعادة إنتاج التقديس
— ضعف المعارضة السياسية وتنظيمها .
— تحوّل الناس إلى البحث عن:- زعيم جديد،
- فصيل قوي،
- أو سلطة أمر واقع.
انتقل التقديس من “الحاكم الواحد” إلى “الزعيم/الفصيل/المرجعية”.
- عسكرة الثورة وتديينها
— السلاح أعاد منطق الطاعة.
— الخطاب الديني المسلّح أعاد مفهوم “البيعة” بدل المواطنة.
— تراجع سؤال الدولة لصالح سؤال الغلبة.
تبعات تقديس السلطة على المأساة السورية
- إطالة عمر الاستبداد
— جزء من المجتمع بقي متمسكاً بالسلطة خوفاً من البديل.
— استُخدم هذا الخوف لتبرير القتل والتدمير. - إضعاف المشروع الوطني الجامع
— تقديس السلطة دمّر الثقة بين السوريين.
— قسّم المجتمع إلى “موالٍ/خائن” لا “مختلفين سياسياً”. - فشل بناء بديل وطني ديمقراطي
— لم تتجذر فكرة:
الدولة قبل السلطة، والمؤسسات قبل الأشخاص.
— حتى في مناطق خارج سيطرة النظام، أعيد إنتاج أنماط حكم استبدادية مصغّرة. - هشاشة أي مرحلة انتقالية
— مجتمع لم يتعلّم محاسبة الحاكم سيخشى إسقاطه،
أو سيستبدله بحاكم أقوى.
— الخطر ليس فقط عودة الاستبداد، بل عودة تقديسه اجتماعياً.
الدرس السوري المركزي
المشكلة في سوريا لم تكن فقط “نظاماً مستبداً”،
بل ثقافة سياسية صُنعت بالقوة،
ترى في الحاكم ملاذاً، وفي الحرية مخاطرة.
ولهذا:
— إسقاط الاستبداد لا يكفي.
— المطلوب تفكيك تقديس السلطة بوصفه شرطاً لبناء الدولة الجديدة.
مدخل للخروج من الحلقة
يتطلب ذلك:
- إعادة تعريف الوطنية:
الوطن : يعني حقوق و قانون و مواطنة، لا أشخاص. - تربية سياسية جديدة تقوم على السؤال لا الطاعة.
- خطاب وطني جامع ينزع القداسة عن السياسة دون تفكيك المجتمع.
- مرحلة انتقالية تُدار بعقل مؤسساتي لا بعقل “المنقذ”.
Social Links: