أسئلة الدم والتاريخ: كيف تقرأ كندا وزان الخريطة الجينية للسوريين؟

أسئلة الدم والتاريخ: كيف تقرأ كندا وزان الخريطة الجينية للسوريين؟


تركي المصطفى

عن كندا وزان


في خضمّ السجال المحتدم حول الهوية والتاريخ في سوريا، تبرز أسماء قليلة تحاول أن تحفر في طبقات المكان والسكان بعيداً عن الخطابات الأيديولوجية المسبقة. الدكتورة كندا وزان، أستاذة الجغرافيا البشرية في جامعات وطنية وأجنبية، هي واحدة من هذه الأسماء التي تقدم مادة بحثية ثرية، وإن كانت محفوفة بأسئلة منهجية كبيرة، خاصة عندما تحفر في حقول التاريخ الوراثي والهويات المعقدة.
من خلال تتبع منشوراتها الأكاديمية المعتمدة، والمحتوى الذي تذيعه عبر قناتها على اليوتيوب، تتبدى معالم ظاهرة تستحق التأمل؛ فهنا تواجه الباحثة معركة مختلفة تماما، تدور رحاها في ساحة التواصل العام المفتوحة، حيث تُطرح قضايا شائكة وعرة، كالتي تتعلق بالهوية والتركيبة المجتمعية والتطور الحضري.
وفي هذه الساحة، يصبح الرصيد العلمي – وحده – أشبه ببوصلة في عاصفة؛ فكل كلمة تُقال تحتمل تفسيرات متعددة، وكل فكرة تُطرح قد تتحول إلى حقل ألغام إن لم تُحاط بسياج من الدقة والتحفظ والحذر الاستثنائي. إنها مغامرة معرفية في منطقة قد لا تحتمل الخطأ، لأن الثمن فيها ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل قد يكون تماسك النسيج الاجتماعي نفسه.
واللافت أن الباحثة، في هذا المسار، تقف على حافة هاوية ضبابية: فبين سَطوة الشعبوية وجاذبية الانتشار السريع من ناحية، وصرامة المنهج العلمي وبطء خطواته من ناحية أخرى، يظهر التحدي الحقيقي. إنه اختبار للضمير المعرفي قبل أن يكون اختبارا للكفاءة، حيث تُوزن الكلمات ليس بمقدار ما تجلبه من متابعين، بل بما تحمله من مسؤولية تاريخية وأمانة فكرية تجاه جمهور قد يفتقر إلى أدوات التمييز التي يتمتع بها أقرانها في الأوساط الأكاديمية.
هكذا، تصبح قناتها على اليوتيوب ليس مجرد منصة للتبسيط، بل ساحة للاختبار الأصعب: كيف تُترجم المعرفة العميقة إلى لغة يفهمها الجميع، دون أن تفقد جوهرها؟ سؤالٌ تلخص إجابته المعضلة الكبرى لعصرنا: معضلة التواصل مع العامة في قضايا خاصة، تتطلب دقة الجراح، وحكمة الحكماء.. هنا، تبرز عدة محاور يمكن الوقوف عند أهنها:
المحور التواصلي العام: الولوج إلى حقل الأصول الوراثية والهوية – مغامرة علمية محفوفة بالمزالق
على قناتها الشخصية على اليوتيوب، تنتقل الدكتورة وزان إلى حقل مختلف تماما، وهو مجال علم الوراثة التاريخي (Historical Genetics) والهويات العرقية والدينية. هنا تتناول الموضوعات حول الأصول المشتركة للسوريين، مستندة إلى خرائط جينية ودراسات سلالات الحمض النووي (DNA).
ــ الفرضية المركزية: تبنى خطابها على فكرة رئيسية، وهي أن التركيبة الجينية للسوريين المعاصرين، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية (سنة، علويون، مسيحيون، دروز)، متقاربة إلى حد كبير، وتعود بجذورها إلى سكان البلاد القدماء (الكنعانيين، الآراميين، إلخ)، مع وجود تأثيرات خارجية محدودة عبر التاريخ. وتستدل، على سبيل المثال، على تقارب جيني ملحوظ بين الدروز والموارنة واليهود المشرقيين.
ــ أسلوب الطرح: تقدم هذه المضامين بلغة مبسطة وجاذبة، مع استخدام الرسوم البيانية والخرائط، مما يجعل مادة معقدة قابلة للفهم من قبل جمهور واسع. وهي تدعو، ضمنا أو صراحة، إلى اعتبار هذا القرب البيولوجي أساسا لمصالحة وطنية وتجاوز الخطابات الطائفية.
ـ تحليل نقدي لهذا المحور:

هنا، تخرج الدكتورة وزان من منطقة تخصصها الأكاديمي المؤكد (الجغرافيا البشرية) إلى حقل علمي منفصل تماما يتطلب أدوات وخبرات مختلفة (علم الوراثة، الأنثروبولوجيا البيولوجية، التاريخ القديم). وفي حين أن الفرضية التي تطرحها مثيرة للاهتمام وتستحق البحث، إلا أن الطرح عبر اليوتيوب يطرح إشكاليات منهجية جادة:

  1. مشكلة التعميم والتبسيط: يعتمد علم الوراثة التاريخي على عينات محددة وقراءات إحصائية معقدة. تحويل استنتاجات دراسات جزئية إلى “حقيقة” عن هوية شعب بأكمله هو قفزة قد لا تكون علمية. فالتاريخ البشري ليس تاريخ جينات فقط، بل هو تفاعل معقد بين البيولوجيا والثقافة واللغة والدين.
  2. الاستخدام الأيديولوجي المحتمل للعلم: يمكن أن تُفسر هذه المادة، رغم نواياها التوفيقية، بطريقتين متعارضتين: كأساس للوحدة الوطنية (وهو ما ترجحه)، أو كأداة لصراع هوياتي جديد حول “الأصل والنقاء والتمثيل” (من يحق له الادعاء بأنه الأقرب إلى الكنعانيين؟). وهي نفس الإشكالية في السؤال السابق.
  3. اشكالية التخصص: يبقى السؤال مطروحا عن مدى قدرة باحث في الجغرافيا البشرية على تقديم قراءة دقيقة وشاملة لدراسات الجينات السكانية دون تعاون مع فرق متعددة التخصصات تضم عالم وراثة ومؤرخا لعصور ما قبل التاريخ وأنثروبولوجيا.
    والآن من أين نبدأ؟ وهل يمكن أن تكون الإجابة عن سؤال الهوية السورية، التي عُصِفت وتمزقت لعقدٍ من الزمان، مكتوبةً في دماء أبنائها؟ هذا ليس سؤالا بلاغيا، بل هو استفهام يفرض نفسه بقوة بعد ما تكشفه علوم الجينات اليوم. أقدمت الدكتورة كندا وزان على قراءة علمية باردة للخريطة السورية، فخرجت بنتائج تبعث على الدهشة، وتقلب الكثير من اليقينيات الرائجة حول “الأصول النقية” و”الطوائف المنعزلة”.
    البداية من النهاية: اليهود السوريون.. الغائب الحاضر
    دائما ما تُختَتم الحكايات بذكر اليهود السوريين، وكأنهم الهامش أو اللاحق. لكن العلم يبدأ بهم كمدخل رئيسي. لنتأمل: “المزراحيون”، يهود المشرق، هم الأقدم وجودا في سوريا، وهم – بحسب تحليل وزان – الأقرب جينيا إلى النسيج المحلي العام. حتى أولئك الذين قدموا لاحقا، مثل “السفارديم” الذين رافقوا الأمير عبد القادر الجزائري، أو “الأشكناز” الفارين من أوروبا، اندمجوا نسبيا، وإن تفاوتت درجة الاندماج. المفاجأة الكبرى: اليهود أنفسهم ليسوا كتلة واحدة نقية، بل مزيج من 13 سلالة رئيسية، تسيطر فيها السلالة الأناضولية (47%) والسورية المحلية (30%). فإذا كان هذا هو حال من يُصوَّر غالبا ككيان منفصل، فماذا يقول هذا عن بقية “الكتل” المقدسة في الخطاب الطائفي؟
    المفارقة الكبرى: الدروز والموارنة.. أقرب الجيران جينيا لليهود!
    ها هي المفارقة تصل ذروتها. تُظهر الدراسة أن أقرب المجموعات المشرقية إلى اليهود جينيا هم الدروز، ويليهم الموارنة من المسيحيين. والدروز أنفسهم، الذين يحيط بهم الكثير من الغموض والحديث عن الانغلاق، هم لوحة فسيفسائية جينية تختصر تاريخ المنطقة: فهم خليط من سبع سلالات؛ عربية (12-15%)، وشمال أفريقية، وفارسية، وأناضولية، وقوقازية، وسورية قديمة، وهندوأوروبية. هم، في جوهرهم البيولوجي، ليست مجموعة “نقية” منعزلة، بل هم سجل حي لجميع الموجات البشرية التي مرت على هذه الأرض واختلطت.
    السقوط المدوي لأسطورة “الأصل النقي”

    وهنا ينهار أحد أعظم الأوهام التي بُنيت عليها خطابات التفرقة. إن الادعاء بأن مجموعة ما – سواء أكانت تُعرِّف نفسها كـ “سوريين أصليين” أو كـ “عرب أصيلين” – تمثل “النقاء” بينما جاء الآخرون من الخارج، هو ادعاء يفتقد لأي سند علمي. “المسلمون السنة”، في غالبيتهم الساحقة، هم أحفاد السكان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام، ولم يأتِ بهم الفتح العربي كاستبدال سكاني، بل كان تحولا دينيا وثقافيا. والمسيحيون هم الامتداد الحي المباشر للكنعانيين والآراميين والسريان. والعلويون جزء لا يتجزأ من هذا الامتزاج التاريخي الطويل. الجميع، ببساطة، يشتركون في أصول بيولوجية متداخلة بشكل معقد وعميق.
    السؤال الكبير: لماذا طغت الذاكرة القصيرة على الذاكرة الطويلة؟
    هذا يقودنا إلى السؤال المحوري، سؤال من طراز الدكتورة وزان: إذا كانت حقائق الدم والجينات بهذه الوضوح، وتشير إلى قرابة وتمازج هائلين، فكيف استطاعت “الذاكرة القصيرة” – ذاكرة القرون الإسلامية المتأخرة وما تلاها من صراعات مذهبية وطائفية – أن تطغى وتلغي “الذاكرة الطويلة” التي تمتد لآلاف السنين من التعايش والتداخل؟ كيف سمح السوريون لأنفسهم بأن يُحاصَروا في تعريفات ضيقة كـ “أكثرية” و”أقليات”، بينما يروي تركيبهم الجيني قصة مغايرة تماما، قصة الوحدة في التنوع؟
    اللعبة الخطيرة: من يستفيد من “نسيان” الدماء المشتركة؟

    لا يمكن فهم هذا التناقض الصارخ بين حقيقة الجسد ووعي الذهن إلا في إطار سياسي أوسع. هل كان ذلك فشلا تاريخيا متراكما للنخب السورية، التي لم تستطع – أو لم ترد – صياغة وعي وطني جامع يستند إلى هذا العمق الحضاري المشترك؟ أم هو نتاج سياسات محلية، اتبعها النظام السابق وغيره، قامت على “رعاية الطائفية ضمنيا وإنكارها علنا”، فخلقت مظالم وهُوّيات منكفئة؟ وبالتأكيد، لا يمكن تجاهل دور “الأجندات الخارجية” التي وجدت في لعبة “فرق تسد” أداةً مثالية لتحقيق نفوذها، راهنة على أن يتحول السوريون أنفسهم إلى حراس غير واعين لتفتيت نسيجهم الوطني، يدار صراعهم بأيديهم لصالح حسابات إقليمية ودولية.
    الخلاصة: التحدي بين ماضي الجينات ومستقبل الإرادة
    في النهاية، تضعنا وقائع د. وزان أمام حقيقة مركبة: سوريا ليست هويةً أحادية. هي ليست “عربية” خالصة، وليست “سريانية” خالصة. السريانية كانت – ولا تزال – لغة وثقافة وحضارة متطورة عن الآرامية، وهي إرث مشترك. والعرب كانوا حاضرين في هذه الجغرافيا قبل الإسلام، ثم أصبحت لغتهم وثقافتهم الطبقة الحضارية الأحدث التي التحمت مع ما سبقها.
    اليوم، بعد العاصفة التي كشفت عن هشاشة الخطابات الهووياتية الضيقة، قد تكون هذه القرابة البيولوجية والتاريخية العميقة هي المفتاح الأقوى لمصالحة السوريين مع أنفسهم. لكنها تبقى مجرد إمكانية. فالهوية، في آخر المطاف، ليست نتاج الماضي وحده، بل هي اختيار للمستقبل. تحتاج إلى إرادة سياسية واجتماعية تتحول فيها حقائق الدم والتاريخ إلى مشروع وطني جامع، يعترف بالتنوع كثراء، ويبني مواطنة متساوية على أساس أن الجميع أبناء هذه الأرض المتشابكة الجذور. والسؤال المصيري الذي ينتظر إجابة من السوريين: هل سيسمحون لتاريخهم الطويل المشترك أن يكون جسراً للوحدة والبناء، أم سيظلون سجناء ذاكرتهم القصيرة، المليئة بالجراح والخوف؟ الجواب، هذه المرة، لن يكون في الجينات، بل في الإرادة.
    الخلاصة والتقييم: الباحثة بين الرصانة الأكاديمية والمغامرة الفكرية
    يمكن اختصار مسار الدكتورة كندا وزان بأنه تجسيد لثنائية مميزة:
    ـ في حقل تخصصها (الجغرافيا الحضرية والسكانية)، تظهر كباحثة منهجية، تساهم في توثيق تحولات مجتمعها بموضوعية ودقة، وتقدم مادة علمية محكمة يمكن الاعتماد عليها.
    وفي انتقالها إلى حقل التواصل العام والخطاب حول الهوية، تتحول إلى مثقفة تحاول استخدام العلم (الوراثة) كأداة لمعالجة جراح مجتمعية وسياسية عميقة. وهي في هذه المغامرة، تقدم رؤية ملهمة ومحفزة للتفكير، لكنها تقدمها كمسلمات أو حقائق قاطعة في أحيان كثيرة، فيما هي في أحسن الأحوال فرضيات أو قراءات جزئية تحتاج إلى حوار مع تخصصات أخرى.
    الخاتمة: الدكتورة كندا وزان تطرح من خلال قناتها سؤالا مهما وجريئا: ماذا لو كانت حروبنا الحالية تناقض تاريخنا البيولوجي المشترك؟ لكن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تأتي من علم الوراثة وحده، ولا من الجغرافيا وحدها. إنها دعوة، في نهاية المطاف، إلى بناء مشروع بحثي جامع ومتعدد التخصصات، يكون أكثر تواضعا وتعقيدا، لقراءة تاريخ سوريا البشري. خطابها، رغم مكامن القوة فيه، يبقى تحديا لفكرة التخصص الضيق، ومغامرة فكرية تثير الإعجاب والحذر في آن واحد، وتضعها في قلب الجدل المعاصر حول الهوية السورية من بوابة علم لم يعتد عليه الخطاب العام في المنطقة.

  • Social Links:

Leave a Reply