المثقف الواعي والمثقف غير الواعي: بين غرامشي الذي دفع حياته ثمناً للحرية، وهيدغر الذي سكت حين طلب منه الصمت
بقلم محمد اللحاف ..

ليس كل من يحمل كتاباً مثقفاً، ولا كل من يُجيد الكلام فيروزياً أو يُظهر معرفةً بفلسفة أو تاريخ، هو حارسٌ للثقافة. فالمثقف الحقيقي ليس خازناً للمعارف، بل نبعاً للوعي.
المثقف غير الواعي هو ذلك الذي يتلقّى الثقافة كمرآة تُزيّنه، لا كمِعوَلٍ يُشكّل به وجدانه ومجتمعه. يكتفي بالتكرار، يُعيد ما سمعه دون أن يُسائله، يُحبّ أن يُشار إليه كـ”صاحب رأي”، لكن رأيه لا ينبع من تأمّلٍ حرّ، بل من انسياقٍ ضمن خطابٍ سائد. ثقافته ساكنة، جامدة، لا تُحرّك شيئاً في العالم ولا في ذاته. هي بحيرةٌ بلا تيار..غنية بالماء، لكن بلا حياة.
أما المثقف الواعي، فهو من يجعل الثقافة مُمارسةً وجودية. لا يكتفي بالفهم، بل يُعي ما يفهم. يرى في المعرفة مسؤولية، وفي التفكير مقاومة. لا يُفكّر ليُبهر، بل ليُحرّر…نفسه أولاً، ثم مجتمعه. هنا نلتقي بأنطونيو غرامشي، ذلك الفيلسوف-المناضل الذي لم يكتفِ بأن يكتب عن الهيمنة الثقافية، بل عاشها، وقاومها، ودفَع ثمن وعيه بالسجن، ثم بالموت.
وُلد غرامشي في 22 يناير 1891، في بلدة صغيرة بجنوب إيطاليا، حيث الفقر والاستبداد كانا قدر الغالبية. لكن عقله لم يُغلَق بباب الضرورة، بل اتّسع ليحتضن رؤيةً تحرّرية شاملة. أسّس الحزب الشيوعي الإيطالي، وناضل ضد الصعود الفاشي، لا بالسلاح فحسب، بل بالكلمة الواعية، بالتعليم، بالرؤية الثقافية العميقة.
اعتقله موسوليني عام 1926، وحُبس في زنزانةٍ قاسية، حيث كتب “دفاتر السجن”….ليست مذكراتٍ عابرة، بل مشروع فلسفيّ-سياسيّ يُعيد تعريف السلطة، والثقافة، والوعي الطبقي. لم يكن يكتب ليُنشر، بل لأن الكتابة كانت آخر ما بقي له من حرية. ومات في 27 أبريل 1937، بعد سنوات من التعذيب البطيء، جسداً منهكاً، لكن فكراً لا يُقهَر.
غرامشي لم يكن “مثقفاً” بالمعنى الزخرفي. كان الثقافة نفسها، حية، نابضة، تُقاتل من أجل أن يُعي الإنسان ذاته، لا أن يُساق كقطيع.
في المقابل، يقف مارتن هيدغر…الفيلسوف العظيم الذي غاص في أعماق الوجود، وسأل: “ما الوجود؟” لكنه، حين طُلب منه أن يُواجه الوجود الهمجي للفاشية النازية، اختار أن يصمت، بل وانحاز إليها لفترة. عبقريته الفلسفية لا تُنكر، لكنها تبقى ناقصة أخلاقياً، لأنها لم تُخرِج صاحبها من برج التأمل إلى ساحة المواجهة.
هنا تكمن المفارقة: هيدغر يُفكّر في “الكائن” بعمقٍ مذهل، وغرامشي يُضحّي بكينونته ليمنح الآخرين حقّ أن يكونوا.
واليوم؟ نعيش زمناً تُوزّع فيه الثقافة كسلعة: تُستهلك عبر شاشات، وتُعلّق كاقتباسات على صور. المثقف غير الواعي يُعيد نشر ما يُرضي أتباعه، لا ما يُحرّج وعيه. أما المثقف الواعي…فهو من يُعيد سؤال غرامشي: “من يُنتج الثقافة؟ ولصالح مَن؟” وهو من يُدرك أن الوعي ليس رفاهية فكرية، بل شرط البقاء الإنساني في زمن تُهندَس فيه العقول بواسطة الخوارزميات.
لذا، حين نقول “ثقافة”، لا نعني كومة الكتب، بل جريان الوعي—مثل الماء الحيّ، مثل الشرارة التي تُنير، لا التي تُطفأ.
من يومياتي التأملية
Social Links: