الوضع في سوريا “ 6 “
الحاجة إلى الاستقرار
في المجتمعات المنهكة، الحاجة إلى الاستقرار قد تدفع قطاعات واسعة إلى التغاضي عن الضمانات الدستورية لشخصية قيادية قوية .
لكن هذا ليس لأن الناس “لا تريد الحرية”، بل لأنهم يعيدون ترتيب الأولويات تحت ضغط الخوف.
كيف يكون ذلك؟.
1) منطق البقاء يسبق منطق الدستور
عندما يكون السؤال اليومي هو:
- هل هناك أمان؟
- هل هناك خبز؟
- هل هناك نهاية للفوضى؟
فإن أي خطاب عن “الضمانات الدستورية” يبدو نظرياً أو مؤجَّلاً.
في هذه اللحظة النفسية، الناس لايقولون:
نريد قيوداً على السلطة.
بل يقولون:
دعونا ننجو أولاً… ثم نتحدث عن القيود.
2) التفويض المؤقت الذي يتحول إلى دائم
التاريخ يُظهر نمطاً متكرراً
جمهورية فإيمار ؛
الأزمة الاقتصادية والانهيار الاجتماعي جعلا قطاعات واسعة تتقبل توسيع صلاحيات الرئاسة في عهد باول فون هيندنبورغ.
التفويض الاستثنائي، في سياق الإنهاك، مهّد الطريق لانزلاقات خطيرة لاحقاً.
النقطة هنا ليست مقارنة تاريخية، بل آلية نفسية:
التعب يخفّض حساسية المجتمع تجاه الضوابط.
3) لماذا يحدث التغاضي؟
هناك ثلاثة دوافع نفسية عميقة:
— الخوف من العودة إلى الفوضى
الناس مستعدة لقبول تركيز السلطة إذا رأت فيه ضماناً لعدم الانهيار مجدداً.
— الثقة الشخصية بدل الثقة المؤسسية
“نثق به” تحلّ محل “نثق بالقانون”.
— وهم السيطرة
الاعتقاد أن التفويض يمكن سحبه لاحقاً بسهولة… بينما التجربة تقول إن سحب السلطة أصعب بكثير من منحها.
4) لكن… هل هذا حتمي؟
لا.
المجتمع قد يتغاضى عن الضمانات إذا طُرحت كعقبة أمام الاستقرار.
لكنه يتمسك بها إذا طُرحت كجزء من الاستقرار.
الفرق في السردية:
” الدستور يقيّد القائد” .
“ الدستور يحمينا جميعاً من العودة إلى الفوضى”.
عندما تُفهم الضمانات كأداة أمان لا كترف سياسي، تتغيّر المعادلة.
5) في الحالة السورية
في مجتمع:
— منهك حربياً ، و قلق من التفكك ، فاقد للثقة المتبادلة .
القبول بتفويض واسع وارد جداً.
لكن في الوقت نفسه،
هناك ذاكرة عميقة من ألم السلطة المطلقة.
وهذا يخلق توتراً داخلياً:
نريد قبضة قوية… لكننا نخاف أن لا نستطيع فكّها.
أخيراً:
الحاجة إلى الاستقرار قد تدفع إلى التغاضي عن الضمانات،
لكنها لا تلغي الرغبة فيها.
المجتمع قد يؤجلها…
لا لأنه يرفضها، بل لأنه يرى الأولوية في النجاة.
والتحدي الحقيقي لأي مشروع وطني هو:
كيف نجعل الضمانات جزءاً من الاستقرار، لا عبئاً عليه؟

Social Links: