زكريا نمر
المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا ليست في العلمانية ولا في الديمقراطية، بل في الطريقة التي جرى تشويههما بها عمدا. فقد صورت العلمانية كعدو للدين، وكانها مشروع لاقتلاع الايمان من صدور الناس، بينما استخدمت الديمقراطية كواجهة انيقة لانظمة لا تؤمن لا بالمشاركة ولا بالمحاسبة. وهكذا اصبح الخوف بديلا عن الفهم، والشعار بديلا عن التفكير.
العلمانية، في معناها السياسي البسيط، ليست حربا على الدين، بل رفض لاستخدامه كسلاح في الصراع على السلطة. لكنها في وعينا الجمعي تحولت الى فزاعة، لان النخب الدينية والسياسية معا تستفيد من هذا الالتباس. الاولى تخشى فقدان سلطتها الرمزية، والثانية تخشى دولة قانون لا تسمح بالاختباء خلف المقدس. لذلك يجري اختزال العلمانية في خطاب عدائي، بدل مناقشتها كحل عملي لمجتمعات متعددة ومنقسمة.
في الواقع، الدولة غير العلمانية ليست اكثر تدينا، بل اكثر نفاقا. فهي تدعي حماية الدين، بينما تفرغه من قيمه، وتحوله الى اداة اقصاء وتبرير للظلم. وحين تقاس المواطنة بالعقيدة، يصبح الاختلاف جريمة، ويفتح الباب امام العنف باسم الهوية. هنا لا يهدد الدين وحده، بل يهدد المجتمع باكمله. اما الديمقراطية، فليست اقل تشويها. ما نعيشه في كثير من الدول ليس ديمقراطية، بل مسرحية سياسية متكررة انتخابات بلا وعي، وبرلمانات بلا سلطة، وحكومات بلا مساءلة. تستدعى الديمقراطية عند الحاجة الى الشرعية، وتدفن فور ان يطالب الناس بحقوقهم. والنتيجة: شعوب تصوت، لكنها لا تحكم، وتشارك شكليا، لكنها تقصى فعليا.
الديمقراطية التشاركية، التي يفترض ان تكون اساس الحكم، غائبة تماما. فالمهمشون لا صوت لهم، والمجتمع المدني مقيد، والاعلام موجه، والقرار يصنع في دوائر مغلقة. في مثل هذا الواقع، تتحول الديمقراطية الى اداة خداع، لا وسيلة تحرر، ويصبح الحديث عنها مجرد ترف لغوي لا علاقة له بالعدالة او الكرامة. الخطا الاكبر هو فصل النقاش بين العلمانية والديمقراطية، او وضعهما في خانة الترف الفكري. فالدولة التي ترفض العلمانية تفتح الباب للتمييز، والدولة التي ترفض الديمقراطية تنتج الاستبداد. وحين يجتمع التمييز مع الاستبداد، لا يعود الوطن وطنا، بل ساحة صراع دائم بين هويات متناحرة وسلطات خائفة.
نحن لا نحتاج الى نماذج مستوردة ولا الى شعارات ثورية فارغة، بل الى مواجهة صادقة مع واقعنا. التعدد ليس مشكلة، بل انكاره هو المشكلة. والدين ليس خطرا، بل توظيفه السياسي هو الخطر. والعلمانية والديمقراطية، اذا فهمتا خارج التشويه المتعمد، ليستا تهديدا للمجتمع، بل اخر فرصة لانقاذه من الانقسام والخراب.

Social Links: