خالد نعمة
أتاحت لي ظروف شديدة التعقيد أن أكون على تماس مباشر أياماً طويلة مع عناصر جبهة النصرة في بداياتها، وتحديداً في حقل الجفرا خلال شهر أيلول من عام 2012 أثناء سيطرتها على حقول شركة دير الزور للنفط، التي كنت مسؤولاً عن قسم الاتصالات فيها آنذاك.
وقد سمح لي هذا التماس بملاحظة أشياء كثيرة تخص ناسها وجماعتها وأساليب نشاطهم وطريقة تفكيرهم من خلال نقاشات حامية المواضيع باردة الرؤوس خضتها مع بعض كبار مسؤوليهم هناك.
هنا سأتوقف عند أمور تخصهم لفتت انتباهي كثيراً آنذاك، وأثارت تساؤلات لديَّ لم تتوقف حتى الآن.
رغم أنَّ بعض زملاء عملي القليلي العدد من أبناء الدير وريفها تحديداً، الذين كانوا ما يزالون يواظبون على العمل بعد اجتياح الحقل بداية من مجموعات مسلحين ناهبين ثـُـمَّ بعد احتلاله من الجبهة بزعم تحريره منهم، كانوا يرتاحون وينامون في مواقع العمل أو في بعض المكاتب التي استخدمت طاولاتها لتصير أسرة، فإنني كنت أصر على الذهاب إلى كامب الإقامة القريب لأنام هناك في غرفة بديلة عوض غرفتي فيه التي جرى احتلالها من أحد قادة المجموعة النصراوية، وكذلك لأتناول طعامي في مطعمه، الذي كان يأكل فيه كل عناصر جبهة النصرة البالغ عددهم نحو ثمانين عنصراً بعد أن أوعزت وزارة النفط آنذاك لمتعهد إطعام عناصر الشركة بأن يقدِّم لتلك العناصر احتياجاتها من الطعام والغذاء.
لفت انتباهي خلال وجودي في ذلك المكان أنَّ كل تلك العناصر تقريباً هي في حيطان العشرينيات من أعمارهم، وأنـَّـهم بمعظمهم ومن خلال لهجاتهم هم من أرياف سورية مهملة، وأنَّ القاسم المشترك بينهم جميعهم كان آنذاك الاستعداد للتضحية بالنفس دون نقاش، إن طلب منهم أمراؤهم ذلك.
في تلك الآونة طرحت على نفسي أسئلة ما أزال أراها راهنة حتى الآن، وهي:
- ما الذي دفع هؤلاء الشباب إلى الانتساب لجبهة النصرة دون غيرها من الفصائل؟
- لماذا لم تجد الفصائل الشيوعية السورية طريقها إلى هؤلاء الشباب؟
- لماذا بحث هؤلاء على حلول لمحنهم الحياتية في الفكر الديني دون غيره من الإيديولوجيات؟
- وهل كنا نحن الجماعة المحسوبة على الفكر اليساري عموماً نعير هذه الفئات الشبابية أي اهتمام، أو نشعر بوجودها أصلاً؟
- وكيف كان أثر موقفنا من الدين المسيـَّـس على نظرة المتدينين الشباب إلينا؟
- وأصلاً لماذا استنكفنا عن العمل في الأوساط الدينية على مدى عقود؟
طبعاً، لن أقتحم دوامة الإجابة على هذه الأسئلة في هذه العجالة، وسأترك الأمر إلى وقت لاحق للمعالجة بما يلزم من التفصيل، أمـَّـا هذا المقتطف من ذكريات غير منشورة لـ(دانيال نعمة)، فسيكون مدخلاً أولـِّـياً لنقاش هذه الأسئلة لاحقاً.
سجـَّـل (دانيال نعمة) الآتي في الثالث من كانون الثاني لعام 2003:
(نصيحة ماو والموقف من الدين ورجاله
في سنة 1982 سافرت إلى فيتنام، وحضرت المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي الفيتنامي، ولدى استقبالهم لي ذكروا لي أشياء هامة، ومنها أن هوشيه مينه لم يناضل طوال حياته خارج فيتنام، بل عاد إلى البلاد كي يستطيع إكمال النضال في الهند الصينية، وقد تستر بهيئة راهب بوذي، ولبس ثياب الرهبان.
ولو سألنا وصال فرحة عمَّا كان يفعله خالد بكداش خارج البلاد خلال فترات طويلة، لأجابت أنـَّـه كان يخطب مدافعاً عن قضايا الشعب السوري.
عال! لا أحد ينكر أنَّ الميدان الخارجي ميدان مهم، ويمكن للمرء أن يناضل فيه، لكن شتـَّـان ما بين النضال والمرء في الخارج، وبين نضاله داخل البلاد وسط الشعب الذي يدافع عنه.
وعندما يتذكر المرء تاريخ بعض مناضلينا، سيرى أنَّ نضالهم في قسم كبير منه كان يجري في الميدان الخارجي، بينما كان رفاقهم يناضلون في الميدان الداخلي.
الفرق كبير، لذا لا يمكن التشبيه من هذه الناحية.
والقصة التي سأرويها الآن للرفيق خالد نقلاً عنه، وأنا أرى أنـَّـه كان يتكلم صادقاً.
خلال فترة وجود الرفيق خالد في الصين، وكان الرفيق موريس صليبي رحمه الله معه، قابله ماوتسي تونغ، ونصحه بإقامة علاقات مع المتدينين وبالذهاب إلى الجامع، فردَّ عليه الرفيق خالد بأنـَّـه حتى لو ذهب إلى الجامع، فإنـَّـهم سيتهمونه بالنفاق، وأصرَّ على هذا الموقف.
أنا أرى أنـَّـنا ما زلنا كلنا حتى الآن متأثرين بمدرسة خالد بكداش، فنحن نتحدث عن الانفتاح على المؤمنين والمتدينين، وهذا يعني أن نقيم علاقات مع الناس البسطاء ومع رجال الدين الذين يمثلونهم.
لا أريد القول إنـَّـه ينبغي إقامة علاقة مع البوطي، لكن ينبغي أن نقيمها مع كفتارو على الأقل. ولا أريد المطالبة بعلاقة مع البطريرك هزيم، لكن العلاقة ضرورية مع بعض مطارنته على الأقل. ولو أردت الحديث عن مطارنة حلب، لقلت إنَّ مواقفهم إيجابية.
في إحدى المرات، قال لي كفتارو إنَّ السوفييت مخطئون عندما يقولون عن أنفسهم إنـَّـهم ملاحدة، فالأفكار والقيم التي يمثـِّـلونها هي أقرب الأفكار إلى جوهر الدين، وتساءل عن سبب تورطهم في هذه القضية، وتمنى لو أنـَّـهم لم يعلنوا إلحادهم.
كان كفتارو وخالد بكداش صديقين، وكان كفتارو إلى جانب السلطة، وكانت علاقته بالرئيس حافظ الأسد ودية كثيراً، وعلاقته بالدولة ليست علاقة رجل دين بالسلطة. وأنا أرى أنـَّـه ذكي سياسياً، وقد ذهب مرات عديدة إلى الولايات المتحدة، وكانت مواقفه هناك جيِّدة، ولم ينافق الأمريكان، وبقي متمسكاً بالقيم.
ومع أنَّ رجال الدين كانوا سيقولون عن تصرف من هذا النوع إنـَّـه نفاق، وسيستشهدون بأقوال لماركس، وسيدفعون المرء إلى معركة، إلا أنَّ تبيان الشيوعيين لحقيقة القيم التي يدافعون عنها، وإظهارهم لعدم تعارضها مع جوهر القيم الإنسانية الموجودة في الأديان كان مفيداً بالنسبة إليهم ولا يزال.
وأنا أرى أنَّ ماوتسي تونغ عندما تحدَّث، لم يكن غرضه دفع الحزب باتجاه النفاق، بل باتجاه مد جسور واسعة مع الناس البسطاء المؤمنين بحق. فهناك على سبيل المثال كثير من بسطاء الناس بين الفلاحين أو في الميدان، ممن خـُـلـِـقت لديهم أفكار مسبقة ضد الشيوعية.
ولو أردت ذكر أمثلة عن علاقة الحزب الشيوعي السوري برجال الدين، فإنـَّـني سأذكر علاقته بالشيخ صلاح الزعيم، وهو أحد كبار مشايخ الأكراد، وأخو حسني الزعيم. وهنا المفارقة، فحسني الزعيم هو الديكتاتور المجنون الذي قام بانقلاب عسكري، بينما صلاح الزعيم شخصية دينية كبيرة كان لها علاقات ودية مع الحزب الشيوعي السوري ممثلاً بمصطفى أمين وغيره من قادة حركة أنصار السلم في سورية، وقد وقـَّـع على نداء ستوكهولم لتحريم القنبلة الذرية. كما أقام الحزب وخالد بكداش علاقات مع الشيخ محمد الأشمر، وقد حسـَّـن هذان الأمران علاقات الحزب بجمهور واسع في الميدان.
إذن، قضية إقامة العلاقات مع جمهور المؤمنين تكون أحياناً بإقامة علاقات مع الناس الذين يمثلونهم، أو الذين يـُـعدهم الجمهور رموزاً له في المجال الديني.
ومن هذه الناحية لم يكن ماو مخطئاً برأيي، لكنَّ الرفيق خالد لم ينتبه إلى عمق هذه القضية، بينما أعلنت أم عمار أنها متديـِّـنة رغم علمانيتها).

Social Links: