المتقاعد بين اغتراب القيمة ومنطق المصلحة

المتقاعد بين اغتراب القيمة ومنطق المصلحة

الأستاذ : موخر لخضر

:المتقاعد بين اغتراب القيمة ومنطق المصلحة حين تُقصى الخبرة ويُختزل الإنسان..

مقدمة :
في لحظة التقاعد، لا يفقد الإنسان عمله فقط، بل يواجه في كثير من المجتمعات هشاشة مكانته الرمزية والاجتماعية. فالمجتمعات التي تُبنى على منطق المصلحة الضيقة تختزل الفرد في إنتاجيته، فإذا انقطعت، بدا وكأنه فقد مبرر وجوده. وهنا تظهر مفارقة قاسية : سنوات من العطاء تُمحى أمام ميزان نفعي سريع التقلب، بل وقد يمتد الإلغاء إلى الدائرة الأضيق، أي الأسرة، حيث يُفترض أن يكون التكريم لا التهميش.
أولًا : منطق المصلحة ونزع القيمة الإنسانية:
يرى كارل ماركس أن الإنسان في الأنظمة النفعية يتحول إلى “وسيلة” داخل شبكة الإنتاج، فإذا خرج منها، انقطع الاعتراف به. هذه الرؤية تجد صداها في واقع المتقاعد الذي يُقاس بما يقدمه لا بما هو عليه.
أما إيمانويل كانط فقد حذر من هذا الانزلاق حين قال :
“عامل الإنسان دائمًا كغاية في ذاته، لا كوسيلة”.
لكن في المجتمعات المصلحية، يُنتهك هذا المبدأ، فيُصبح التقاعد بداية “التشييء” بدل أن يكون بداية مرحلة حكمة.
ثانيًا : الاغتراب داخل الأسرة :
المفارقة الأكثر قسوة هي انتقال هذا المنطق إلى الأسرة.
فالأسرة، التي يفترض أن تكون مجال الاعتراف والاحتواء، قد تتحول إلى فضاء يعيد إنتاج نفس القيم النفعية.
يُذكر فريدريك نيتشه أن القيم ليست ثابتة بل تُعاد صياغتها وفق إرادة القوة؛ وعندما تهيمن المصلحة، تصبح الروابط العائلية نفسها خاضعة لمعادلة العطاء المادي.
وفي هذا السياق، يبرز شعور “اللاجدوى” الذي تحدث عنه جان بول سارتر، حيث يُلقى بالإنسان في عالم لا يعترف به إلا بقدر ما ينتج، فيجد المتقاعد نفسه منفيًا داخل بيته.
ثالثًا : فقدان المعنى وتهديد الهوية :
التقاعد في ذاته ليس مشكلة، بل المشكلة في غياب إعادة تعريف الذات.
يرى فيكتور فرانكل أن الإنسان يمكنه تحمل أقسى الظروف إذا وجد معنى لحياته. لكن حين يُجرد المتقاعد من دوره دون بديل، يتحول الفراغ إلى أزمة وجودية.
كما أن إميل دوركايم تحدث عن “الأنومي” (فقدان المعايير)، وهي حالة يعيشها الفرد حين تتفكك الروابط والقيم التي كانت تؤطر حياته، وهو ما ينطبق على كثير من المتقاعدين.
رابعًا : مقارنة بالمجتمعات المتقدمة :
في المقابل، تسعى المجتمعات المتقدمة إلى إعادة دمج المتقاعد بوصفه “رأسمالًا رمزيًا”. فبدل إقصائه، يُعاد توظيف خبرته في مجالات الاستشارة، والعمل التطوعي، والتأطير.
هذه المجتمعات تستلهم، ولو ضمنيًا، فكرة أرسطو عن أن الفضيلة تتحقق بالممارسة المستمرة، وأن الإنسان كائن اجتماعي لا تكتمل إنسانيته إلا داخل الجماعة.
خامسًا : حلول ناجعة ومثيرة :
إعادة تعريف التقاعد ثقافيًا
يجب تحويل صورة المتقاعد من “عالة” إلى “خزان خبرة”. عبر الإعلام والتعليم، يُعاد بناء الوعي بأن القيمة لا تُختزل في الإنتاج الاقتصادي.
_ مأسسة دور المتقاعد
_ إنشاء مجالس استشارية محلية تضم متقاعدين، للاستفادة من تجاربهم في صنع القرار، على غرار ما يحدث في بعض الدول المتقدمة.
_ اقتصاد الخبرة بدل اقتصاد الربح فقط
_ إدماج المتقاعدين في مشاريع صغيرة، أو منصات استشارية، بحيث يصبحون جزءًا من دورة اقتصادية جديدة قائمة على المعرفة.
_ إصلاح المنظومة الأسرية
نشر ثقافة الاعتراف داخل الأسرة، عبر برامج توعوية تُعيد الاعتبار لكبار السن، مستلهمة قول كونفوشيوس: “احترام الكبار هو أساس النظام الأخلاقي”. تمكين نفسي وروحي
_ تشجيع المتقاعدين على الانخراط في أنشطة ثقافية وروحية، لأن المعنى كما يرى فرانكل لا يُعطى بل يُبنى.
_ تشريعات تحمي الكرامة.
_ سنّ قوانين تضمن حماية المتقاعد من الإهمال الأسري أو المجتمعي، مع توفير فضاءات لائقة للعيش والمشاركة.
خاتمة :
إن معاناة المتقاعد ليست قدرًا حتميًا، بل نتيجة رؤية اختزلت الإنسان في وظيفته. وبينما يُقصى في مجتمعات المصلحة، يُعاد الاعتبار له في مجتمعات الوعي. والحل لا يكمن فقط في تحسين ظروفه المادية، بل في إعادة بناء منظومة القيم التي تُقرّ بأن الإنسان يظل قيمة في ذاته، سواء كان منتجًا أو متقاعدًا.
وكما يقول ألبير كامو: “قيمة الإنسان فيما يضيفه إلى الحياة لا فيما يأخذه منها” — فهل نعيد للمتقاعد حقه في الإضافة، أم نتركه ضحية ميزان لا يعترف إلا بالمصلحة؟
●التشييء : هو فقدان البعد الإنساني في التعامل، حيث تتحول القيم مثل الكرامة والاحترام إلى أشياء ثانوية، ويُختزل الإنسان في وظيفة أو منفعة.
●المأسسة هي تنظيم الفعل الإنساني داخل إطار رسمي مستقر، بحيث لا يعتمد على المزاج أو الظروف، بل على قواعد واضحة تضمن الاستمرار والفعالية.

الأستاذ : موخر لخضر

  • Social Links:

Leave a Reply