إبراء ساحة غير بريئة إطلاقاً

إبراء ساحة غير بريئة إطلاقاً

خالد نعمة

مرة ثانية يعود اليوم مجرم مجزرة جورة التضامن للإطلالة علينا، وهو يجلس مواجهاً لنا بلباس السجناء المخطط ويداه مقيدتان متحدثاً بهدوء ضمن فيديو تبدو فيه جهود المنتجة واضحة، معلناً رتبته العسكرية الحقيقية، ومدلياً باعتراف مثير كان متوقعاً مسبقاً، وهو أنـَّـه قد أقدم على ارتكاب فعله الجرمي دون أوامر من قيادات عليا سابقة، مخلياً ساحتها من المسؤولية عن أفعاله.
نعم، كان هذا ما قد توقعه عديدون، وحذروا منه، وها هو قد وقع الآن.
إذن، إصبع الاتهام الرسمي ستكون مقصوصة، ولن تتعدى شخص هذا المجرم إلى من كان مسؤولاً عنه، لا مباشرة، ولا بالتعدي.
لكن هل ساحة أولئك كانت فعلاً بريئة من دم يوسف السوري؟
قطعاً لا، ولو حلفوا الأيمان على كل الكتب المقدسة، فهم غارقون في هذا الدم إلى ما فوق أعلى شعرة من رؤوسهم، لكن أموالهم المجموعة والمنهوبة من عرق السوريين تشفع لهم، وتزيح عنهم الغمة، وتوجد لهم أمكنة لائقة في صدارة المشهد السوري الجديد، ما داموا يتشاطرونها مع المتمكنين الحاليين.
سنفترض جدلاً أن مجرم حفرة التضامن قد فعل فعلته من تلقاء ذاته، وبناء على ما تفتقت عنه قريحته وعبقريته، لكن انفضاح أمره بالفيديو الشهير قبل سنوات من الآن عندما كان النظام الأسدي البائد ما يزال حاكماً، قد أعطى خبراً وعلماً للسلطات المختصة آنذاك وبالدليل القاطع صوتاً وصورة. ومع ذلك، فإنَّ أحداً لم يقل له ما أحلى الكحل في عينك، وفي هذا الأمر بالذات تأكيد لا ينال منه باطل بأن قادته ورؤساءه كانوا موافقين ضمنياً أو علنياً على ما قام به، وبالتالي فهم شركاء في هذه الجريمة وغيرهم من جرائم مسكوت عنها.
وأمام هذه المسألة، فنحن هنا أمام واحد من أمرين، إمـَّـا أنَّ المشرف على إعداد فيديو الاعتراف الأخير ممثلاً بوزارة الداخلية ومن يقوم عليها أغبى من أن يلتقط هذه الناحية، أو أنـَّـه أخبث كثيراً مما يتصوَّر كثيرون، لأنـَّـه لا يريد أن يفتح على نفسه بوابة لا مقدرة له على إغلاقها لاحقاً، وهي أنـَّـه من الذي غطى ويغطي على مرتكبي الجرائم في العهدين القديم والجديد، وإن كانوا هم يرتكبونها فعلاً من تلقاء ذواتهم دون الرجوع إلى أحد أو دون صمت مشبوه يعني الموافقة الضمنية عليها.

  • Social Links:

Leave a Reply