سيد القمني

” أهل الدين حرموا كل أمر على الناس
حتى صاروا كالخشب المسندة وخلت بلادنا
من كل أنواع المرح وانتهت كل الكرنفالات!”
د/ #سيد_القمني كاتب وباحث مصري متخصص في فلسفة الأديان والتاريخ الاسلامي وعلم الاجتماع الديني
تحليل الفكرة الأساسية :
▪️يمكن تأطير الظاهرة التي يشير إليها الخطاب النقدي بوصفها “تأميماً أخلاقياً” للمجال العام، حيث تمارس السلطة الدينية دور الوصاية المعيارية الشاملة على أنماط السلوك والوجدان الجمعي. هذا التأميم تجاوز وظيفة الضبط الأخلاقي التقليدية إلى هندسة اجتماعية تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي وفق نموذج زهدي صارم.
إن آلية التحريم الموسع، حين تصبح هي الأصل المنهجي في الفتوى، تنتج ما يمكن تسميته بـ”الإنسان الخشبي” على حد التعبير القرآني $كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ$. وهو نموذج للفرد الذي تم تفريغه من تلقائيته الوجدانية والجمالية، ليتحول إلى كيان منضبط حركياً، لكنه فاقد للقدرة على التعبير العفوي عن الفرح. هذا النموذج هو النتيجة المنطقية لخطاب يتعامل مع “المباح” بوصفه استثناء مشكوكاً فيه، ومع “الأصل في الأشياء الإباحة” بوصفها قاعدة معطلة.
لقد ترتب على هذا النزوع التحريمي إفقار منهجي للرأسمال الرمزي للمجتمع. فتغييب الموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح والاحتفالات الشعبية لا يعني فقط إلغاء أشكال من الترفيه، بل يعني تعطيل روافد أساسية للتنشئة الوجدانية وبناء الذائقة الجمالية وإنتاج الدلالات الجمعية. الكرنفال، بالمفهوم الأنثروبولوجي، ليس لهواً هامشياً، بل هو آلية تفريغ نفسي واجتماعي دوري، يسمح بإعادة إنتاج التوازن داخل الجماعة. حين يتم شيطنته وتجريمه، يتحول المجتمع إلى بنية مكبوتة، وهو ما يفسر انتشار مظاهر التدين الشكلي المصحوب بالعنف الرمزي.
الإشكال المعرفي هنا يكمن في الخلط بين “الورع الشخصي” و”التشريع العام”. فالورع خيار فردي يقوم على ترك بعض المباحات اتقاءً للشبهات، وهو سلوك محمود في سياقه. لكن تحويل الورع الشخصي إلى سياسة عامة وإلزام المجتمع به عبر أدوات التحريم، يفضي إلى مصادرة المساحة التي أتاحها النص القرآني نفسه حين تساءل: $قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ$. هذا السؤال الاستنكاري يؤسس لمبدأ أن الأصل في الطيبات هو الحل، وأن عبء إثبات التحريم يقع على من يدعيه.
وعليه، فإن النتيجة الموضوعية لخطاب التحريم المهيمن هي إنتاج مجتمع يتسم بالجدب الثقافي والتصحر الوجداني. مجتمع تتراجع فيه قدرة الأفراد على ممارسة الفرح التلقائي، وتُختزل فيه مناسباته الجمعية إلى طقوس جنائزية أو وعظية. هذا النموذج يتعارض مع المقصد الشرعي في تحقيق “السكينة” و”الطمأنينة”، لأن السكينة لا تنفصل عن البهجة، والتقوى لا تستلزم الكآبة.
إن استعادة “المرح” بوصفه قيمة اجتماعية لا يعد خروجاً على الدين، بل عودة إلى جوهره الذي كان يحتفي بالحياة. فالنبي كان يمزح ولا يقول إلا حقاً، وكان يقر غناء الجواري في العيد، وكان يسمح للحبشة باللعب في مسجده. إعادة تأهيل هذه المساحة هي شرط استعادة الإنسان لتوازنه النفسي، والمجتمع لحيويته الثقافية.
@أبرز المعجبين سيد القمني -خالد المصري
Social Links: