اكرم صالحة
عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديموقراطي
مصطلح الديمقراطية ليس مجرد كلمة معزولة، بل هو مرتبط ارتباطًا عمليًا بمفهوم المواطنة؛ أي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ضمن أرض واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات مشتركة داخل حدود معترف بها دوليًا.
لكن يجب الانتباه إلى أن الديمقراطية في جوهرها ليست “قيمة مطلقة” بحد ذاتها، بل هي آلية تنظيم للسلطة، قابلة للتطبيق أو الانحراف بحسب وعي المجتمع وبنية مؤسساته.
فهي ببساطة: طريقة لنقل السلطة بشكل سلمي عبر الانتخابات، وتمثيل الشرائح الاجتماعية عبر الأحزاب والجمعيات، بحيث يُفترض أن تعكس صناديق الاقتراع إرادة المواطنين الذين بلغوا سن المشاركة السياسية.
غير أن اختزال الديمقراطية باعتبارها “نهاية التاريخ السياسي” أو الحل الوحيد هو تبسيط مخلّ. فهي ليست ضمانة للعدالة، بل وسيلة قد تنتج عدالة أو تنتج استبدادًا مقنعًا، بحسب وعي الناخبين، ونزاهة المؤسسات، وتوازن القوى داخل المجتمع.
القانون في هذا الإطار يُفترض أن يكون أعلى سلطة، يُسن عبر البرلمان ليعكس حاجات المجتمع المتغيرة، لكن السؤال الحقيقي ليس في “وجود البرلمان”، بل في: من يملك تأثيره الحقيقي؟ ومن يحدد اتجاه التشريع فعليًا؟
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في المصطلحات، بل في تحويل المفاهيم إلى أدوات تخدم الواقع بدل أن تُستخدم لتجميله نظريًا.
أما فكرة استبدال كلمة “الديمقراطية” بكلمة أخرى مثل “العدالة”، فهي قد تبدو جذابة لغويًا، لكنها لا تحل الإشكال الحقيقي؛ لأن العدالة قيمة أخلاقية معيارية، بينما الديمقراطية آلية سياسية عملية. الخلط بينهما يؤدي إلى التباس خطير في فهم طبيعة الدولة والسلطة.
التاريخ الأوروبي نفسه لا يُقدَّم كنموذج مثالي بقدر ما هو دليل على أن التحولات السياسية الكبرى لم تكن سلمية ولا نظيفة، بل جاءت بعد صراعات وحروب مدمّرة كلفت ملايين الأرواح. وهذا بحد ذاته ليس مبررًا، بل تحذير واضح من إعادة إنتاج نفس المسار الدموي تحت أي شعار.
لذلك، السؤال الجوهري ليس: هل نسميها ديمقراطية أم غير ذلك؟
بل: كيف نمنع احتكار القوة، وكيف نضمن تداولًا سلميًا للسلطة دون اللجوء إلى العنف؟
إذا غاب هذا السؤال، تصبح كل المصطلحات مجرد غطاء لغوي، بينما تبقى الحقيقة أن المجتمعات تدفع الثمن من دمها كل مرة.

Social Links: