جوهر العقوبات الامريكية على سوريا

جوهر العقوبات الامريكية على سوريا

جوهر مسعود


سوريا ليست خارجة من العقوبات…بل داخلة إلى مرحلة أخطر🥴 💯 يُعاد تصميمها كاملًا….

المضحك في الشرق الأوسط أن الأمريكي حين يخفف العقوبات نصف درجة… تتحول بعض النخب السياسية والإعلامية إلى فرقة موسيقية تعزف سيمفونية “الانفراج التاريخي”، بينما المواطن ما زال عاجزاً عن سحب حوالته، والتاجر لا يستطيع فتح اعتماد، والمصارف ما تزال خارج النظام المالي العالمي كأنها مصابة بالطاعون.

كل ما يجري ليس “رفع عقوبات”… بل إعادة تدوير للهواء داخل غرفة مغلقة.

الترخيص الأمريكي لا يعني أن سوريا استعادت سيادتها الاقتصادية… بل يعني أن واشنطن أعادت ضبط مستوى الخنق بما يخدم المرحلة القادمة.

في مراكز الأبحاث الغربية لا يوجد أحد يناقش: كيف نعيد بناء سوريا؟

السؤال الحقيقي هناك: كيف نحول سوريا إلى مساحة وظيفية تخدم التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط دون أن تتحول مجدداً إلى دولة مستقلة القرار؟

وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.

هم لا يريدون إسقاط سوريا بالكامل… ولا يريدون إنقاذها بالكامل.

يريدونها في المنطقة الرمادية: منهكة بما يكفي كي لا تتمرد، ومفتوحة بما يكفي كي تدخلها الشركات والنفوذ والخرائط الجديدة.

لهذا ترى “استثناءات إنسانية” هنا… و”تخفيفاً محدوداً” هناك… وخطاباً إعلامياً ضخماً عن “عودة الاستثمارات” و”بداية التعافي”.

بينما الحقيقة التقنية مختلفة تماماً: طالما النظام المصرفي السوري خارج الثقة الدولية، وخارج SWIFT عملياً، وتحت تهديد العقوبات الثانوية، فلن تدخل الشركات الكبرى، ولن يغامر رأس المال الحقيقي.

المستثمر العالمي لا يقرأ تصريحات الوزراء… بل يقرأ شيئاً واحداً: هل البلد قابل للاستقرار والسيطرة والربح طويل الأمد؟

ولهذا كل الحديث عن “الانفتاح الاقتصادي” الآن يشبه افتتاح فندق فاخر فوق أرض تهتز تحتها الزلازل كل ليلة.

لكن الأخطر ليس الاقتصاد نفسه…

الأخطر هو ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة.

هناك لا يتحدثون عن “الشعب السوري”… بل عن: الموانئ، الغاز، الطاقة، المعابر، النفوذ البحري، وطريق التجارة القادم بين آسيا وأوروبا.

الساحل السوري بالنسبة لهم ليس مجرد جغرافيا… بل قلب شرق المتوسط القادم.

الصين تراه بوابة لطريق الحرير. روسيا تعتبره آخر رئة استراتيجية لها في المتوسط. أوروبا تراه ممراً للطاقة. أمريكا تريده تحت سقف السيطرة لا تحت نفوذ خصومها. وإسرائيل تريد محيطاً مفككاً ضعيف السيادة لا يملك قراراً استراتيجياً مستقلاً.

لهذا تُدار الفوضى بدقة.

كلما اقترب المشهد من الانفجار… يفتحون نافذة تنفيس صغيرة. وكلما ظهرت فرصة تعافٍ حقيقي… تعود أدوات الضغط بأسماء جديدة.

العقوبات اليوم ليست مجرد أداة عقاب… بل أداة هندسة كاملة للدول والمجتمعات.

يجوعون الاقتصاد حتى يقبل بالشروط. ينهكون الطبقة الوسطى حتى تختفي أي مقاومة مستقلة. يفتحون نوافذ تنفس مؤقتة… ثم يربطونها بفواتير سياسية طويلة الأمد.

وهنا تقع الكارثة الكبرى: حين تتحول بعض النخب المحلية إلى مجرد سماسرة أوهام، تبيع الناس شعارات “الانفراج القادم”، بينما البلد يُعاد تشكيله بالكامل تحت الطاولة.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون رؤيتها: الدول الكبرى لا تتحرك لإنقاذ سوريا… بل لإعادة دمجها ضمن نظام إقليمي جديد منخفض السيادة، عالي الاعتمادية، مرتبط مالياً وأمنياً بالخارج.

بمعنى أوضح: يريدون سوقاً مفتوحة… لكن دون دولة قوية. يريدون استثمارات… لكن دون قرار سيادي مستقل. يريدون استقراراً أمنياً محدوداً… يكفي لحماية المصالح لا لبناء مشروع وطني حقيقي.

ولهذا فإن أخطر أنواع الاحتلال لم يعد يدخل بالدبابات…

بل يدخل عبر: القروض، والمصارف، والاستثناءات المؤقتة، والمساعدات المشروطة، والشركات العابرة للحدود، و”التفاؤل الإعلامي” المصنع بعناية.

وفي النهاية… سيكتشف كثيرون أن القيود لم تسقط فعلاً…

هم فقط استبدلوا السلاسل الحديدية بسلاسل أكثر نعومة، وأعادوا تسويق الهيمنة بلغة الاقتصاد والاستثمار والانفتاح.

ومن لا يقرأ ما يُكتب في مراكز الأبحاث الدولية… سيبقى يظن أن ما يحدث “انفراج اقتصادي”…

بينما الحقيقة أن المنطقة كلها تُعاد هندستها الآن… وسوريا ليست خارج المشروع، بل في قلبه تماماً.
جوهر سعود

  • Social Links:

Leave a Reply