مطيع اتاسي
ليست المشكلة أن أمريكا تفاوض إيران، ولا أن إيران تغلق مضيق هرمز، ولا أن إسرائيل تستمر في الحرب، ولا أن الخليج يقف على طرف الخوف منتظراً خبر السفن والنفط والتأمين والأسواق.
المشكلة أن المشهد كله يبدو مألوفاً.
كأننا رأيناه من قبل.
في أوروبا، قيل لأوكرانيا إن الباب مفتوح، وإن الغرب معها، وإن الناتو حلم ممكن، وإن روسيا لن تذهب بعيداً، أو إن ذهبت فالعالم سيوقفها. دخل زيلينسكي، الممثل الذي صار رئيساً، إلى المسرح الكبير، ثم اشتعلت حرب لا أحد يعرف كيف يطفئها. دعمت أمريكا، صرخت أوروبا، دفعت أوروبا ثمن الغاز والتضخم والخوف، ثم بدأت واشنطن تتحدث لاحقاً بلغة أخرى: صفقة، تفاوض، تعب، انتخابات، مصالح.
الآن يتكرر شيء يشبه ذلك في الخليج.
ليس بالضرورة نسخة طبق الأصل، فالتاريخ لا ينسخ نفسه كما هو، لكنه أحياناً يستعمل نفس القالب مع أسماء جديدة.
هناك إيران بدل روسيا.
هناك الخليج بدل أوروبا.
هناك هرمز بدل الغاز الروسي.
وهناك إسرائيل التي ستستمر في الحرب، بينما تستطيع أمريكا أن تقترب أو تبتعد بحسب حاجتها.
هذه ليست نظرية مؤامرة بالمعنى الساذج. ليست قصة رجل في غرفة مظلمة قرر كل شيء. نحن تجاوزنا هذا الزمن. اليوم لا تُدار الحروب فقط بمزاج رئيس أو غضب رئيس وزراء. اليوم توجد أجهزة، بيانات، نماذج، خرائط طاقة، شركات تأمين، ممرات بحرية، ذكاء صناعي، غرف محاكاة، وتقدير مسبق لكلفة كل حركة. وربما هذا ما يجعل الأمر أخطر. لأن الفوضى لم تعد دائماً عكس الخطة؛ أحياناً تكون الفوضى نفسها جزءاً من طريقة الإدارة.
في الظاهر، أمريكا قدمت تنازلات كبيرة لإيران. اتفاق من أربع عشرة نقطة، كلام عن وقف الحرب، إعادة فتح المضيق، مسار تفاوضي، وشيء أعجب من الخيال: حديث عن 300 مليار دولار للاستثمار أو إعادة الإعمار في إيران.
ثلاثمئة مليار دولار.
هذا رقم لا يمر على عقل اليمين المتطرف في إيران كرقم اقتصادي فقط. هذا رقم يتحول فوراً إلى رواية نصر. يستطيع المتشدد أن يقول لجمهوره: صمدنا، فأتى الأمريكي إلينا. أغلقنا المضيق، ففاوضونا. ضربونا، فلم ننكسر. طلبوا منا الهدوء، وفتحوا لنا باب المال. حتى لو كان المال مشروطاً، وحتى لو كان صندوقاً خاصاً، وحتى لو قالت واشنطن إنه ليس تعويضاً وليس أموال دافعي الضرائب، فإن السياسة لا تُقرأ دائماً من النصوص القانونية، بل من الطريقة التي يشرحها كل طرف لجمهوره.
وهنا المشكلة.
النقاط الأربع عشرة، بدل أن تكسر اليمين المتطرف في إيران، قد تعطيه ما يحتاجه بالضبط: إحساساً بأنه فاز. ليس فاز عسكرياً بالضرورة، بل فاز نفسياً وسياسياً. أخذ اعترافاً. أخذ إطاراً. أخذ وعداً اقتصادياً ضخماً. أخذ وقتاً. أخذ فرصة ليقول إن أمريكا هي التي عادت إلى الطاولة.
ثم يأتي السؤال الأهم: هذا الاستسلام الأمريكي، أو ما يشبه الاستسلام في الصورة السياسية، مقابل ماذا؟
مقابل لا شيء واضح حتى الآن.
إذا كانت إيران ستغلق مضيق هرمز بعد كل هذا، فما معنى التنازلات؟
إذا كانت إسرائيل ستستمر في لبنان أو في جبهات أخرى، فما معنى وقف النار؟
إذا كان الخليج سيبقى تحت تهديد المضيق، فما الذي ربحته دول الخليج من هذه المسرحية؟
وإذا كان كل شيء مشروطاً بتحول إيران الكامل، فلماذا يُقدَّم لها منذ البداية إطار يبدو قابلاً للبيع داخلياً كأنه انتصار؟
هنا يبدأ الجزء الذي يهمني أكثر من الخبر نفسه.
إغلاق المضيق اليوم لا يبدو فقط رداً إيرانياً. قد يكون أيضاً الهدية التي تحتاجها واشنطن أمام حلفائها. أمريكا قدمت كل شيء على الورق: اتفاق، تفاوض، 14 نقطة، صندوق استثمار، محاولة تهدئة، فتح طريق للسفن. ثم تغلق إيران المضيق أو تعلن إغلاقه. الآن تستطيع واشنطن أن تقول للخليج وللعالم: رأيتم؟ نحن حاولنا. نحن قدمنا التنازلات. نحن أعطينا الفرصة. إيران هي التي رفضت.
وبهذا المعنى، يصبح إغلاق المضيق مفيداً للطرفين.
إيران تستخدمه لتقول لجمهورها إنها لم تركع.
وأمريكا تستخدمه لتقول لحلفائها إنها ليست هي من أفشل الاتفاق.
أما الخليج، فيبقى واقفاً في المنتصف، كما وقفت أوروبا من قبل. ليس هو من قرر الحرب، لكنه سيدفع جزءاً كبيراً من كلفتها. ليس هو من يملك قرار إسرائيل، ولا قرار إيران، ولا قرار أمريكا، لكنه سيعيش أثر كل قرار: النفط، الشحن، التأمين، الاستثمار، السفر، السوق، العقار، السيارات، المزاج العام، والثقة.
وهنا بالضبط تظهر السياسة الأمريكية الجميلة بالمعنى البارد لا الأخلاقي.
أن تشعل المنطقة بما يكفي كي تعيد ترتيبها، لكن لا تحترق أنت.
أن تدفع الحلفاء إلى الاعتماد عليك، ثم تبتعد خطوة عندما يبدأ الحريق.
أن تترك الخصوم يبالغون في الرد، كي يظهروا هم كسبب الأزمة.
أن تمنح تنازلات تبدو كبيرة، ثم تجعل الطرف الآخر ينسفها أمام العالم.
أن تقول: لقد حاولنا، لكنهم لا يريدون السلام.
في أوكرانيا، كانت النتيجة أن أوروبا أصبحت أمام روسيا مباشرة.
في الخليج، قد تكون النتيجة أن الخليج يصبح أمام إيران مباشرة.
والأخطر أن إسرائيل ستبقى قادرة على الاستمرار في الحرب، بينما أمريكا تستطيع أن تقول إنها لا تريد التصعيد. هذه لعبة دقيقة جداً. إسرائيل تضرب، أمريكا تفاوض. إسرائيل تستمر، أمريكا تطلب الهدوء. إسرائيل ترفع السقف، أمريكا تعرض الورقة. وفي النهاية، إذا انفجر كل شيء، يقال إن إيران هي التي أغلقت المضيق، لا أن المنطقة دُفعت كلها إلى حافة المضيق.
لذلك لا أقرأ اتفاق النقاط الأربع عشرة كاتفاق سلام. أقرأه كاختبار. وربما كفخ سياسي. ليس بالضرورة فخاً لإيران وحدها، بل فخاً للخليج أيضاً. لأن الخليج إذا صدق أن الورقة تعني استقراراً، فقد يكتشف أن الورقة كانت فقط استراحة قصيرة قبل موجة جديدة من الضغط.
أما قصة الـ300 مليار فهي أغرب ما في المشهد. هي ليست فقط مالاً. هي إغراء. وهي أيضاً إهانة خفية للحلفاء. من سيدفع؟ من سيستثمر؟ من سيضمن؟ ومن سيحصل على الثمن السياسي؟ إذا كانت إيران، بعد كل هذا، تحصل على وعد بإعادة الإعمار والاستثمار، فماذا يحصل الحليف الخليجي الذي عاش تحت تهديد الصواريخ والمضيق؟ هل يحصل على الحماية؟ أم يحصل فقط على فاتورة التأمين والشحن والخوف؟
هنا يصبح السؤال قاسياً:
هل تكافئ أمريكا إيران لأنها أغلقت المضيق؟
أم تعرض عليها المال كي تفتحه؟
أم تعرض المال وهي تعرف أن إيران لن تلتزم، كي تقول لاحقاً إنها فعلت كل ما تستطيع؟
أنا أميل إلى الاحتمال الثالث.
ليس لأنني أملك وثيقة سرية. ولا لأنني أريد أن أرى المؤامرة في كل شيء. بل لأن النمط يتكرر. أمريكا لا تحتاج أن تربح كل حرب بنفسها. يكفي أن تجعل الآخرين يخسرون بطريقة تخدم ترتيبها الأكبر.
روسيا استُنزفت في أوكرانيا.
أوروبا دفعت كلفة الحرب.
الصين تراقب الطاقة والممرات.
إيران تُدفع إلى اختبار قوتها في هرمز.
الخليج ينتظر الخطر.
وإسرائيل تبقى في حالة حرب مفتوحة.
هذا ليس عالماً يتحرك بالصدفة فقط.
لكن يجب أن نكون دقيقين: ليس كل شيء محسوباً بالكامل، وليس كل خطأ جزءاً من خطة. أحياناً البشر يخطئون، والقادة يرتبكون، والدول تتصرف بغباء. لكن في النظام الدولي، حتى الأخطاء يمكن استثمارها. وربما هذا هو الفرق بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة. الدول الصغيرة تقع في الخطأ، والدول الكبيرة تحوّل خطأ غيرها إلى فرصة.
من أوكرانيا إلى إيران، الدرس واحد تقريباً: لا تصدق الحليف الذي يدفعك إلى حافة الحرب ثم يحدثك عن التفاوض. ولا تصدق الخصم الذي يبيع لجمهوره الهزيمة كأنها نصر. ولا تصدق الورقة إذا كان البحر مغلقاً.
المضيق هو الحقيقة، لا البيان.
السفن هي الحقيقة، لا التصريحات.
السوق هو الحقيقة، لا الابتسامات أمام الكاميرات.
اليوم، إغلاق هرمز يقول أكثر مما تقوله النقاط الأربع عشرة. يقول إن إيران فهمت أنها تستطيع رفع السعر. ويقول إن أمريكا قد تكون بحاجة لهذا الرفع كي تبرر خطوتها التالية. ويقول إن الخليج يجب أن يتوقف عن قراءة السياسة من بيانات واشنطن فقط، وأن يبدأ بقراءة ما يحدث في الماء.
لأن الماء لا يكذب.
إذا كان مفتوحاً، فهناك تهدئة.
وإذا كان مغلقاً، فكل ما قيل قبله كان مقدمة فقط.
من أوكرانيا إلى إيران وبعدها…

Social Links: