د شهد صالحة
مصادمة المنهج النّقديّ للأديان؛
أنا هنا سأعتني بالإسلام بحكم معرفتي بنصوصه وليس انحيازا له كدين، ففي الوقت الّذي يدعو فيه النّصّ القرآنيّ إلى التّفكير النّقديّ والتّحرّر من التّبعيّة العمياء للأنماط التّاريخيّة الجامدة، تأتي الأصوليّة السّياسيّة لترسّخ «العقل الأحاديّ». هي تستغلّ جهل العامّة بمقاصد النّصوص لتنتزعها من سياقها الرّحب، وتحوّلها إلى فلسفة تفرقة تخدم مراكز القوى والمال السّياسيّ، ممّا ينتج مشهدا من الانحسار الأخلاقيّ يمارس فيه حاملو النّصّ «التّقزيم» ضدّ مخالفيهم باسم المقدّس.
إنّ الأصوليّة السّياسيّة هي الوجه الآخر لـ «تلوّث الذّات»؛ فهي تسلب النّصّ روحه التّحرّريّة، وتسلب الإنسان عقله النّقديّ، وتحوّل الدّين من قوّة دافعة للإعمار والحرّيّة إلى أداة لتعزيز الشّلليّة والارتهان، لتصبح في نهاية المطاف مجرّد «براغمتيّة» ميكافيليّة تتغطّى بعباءة القداسة لتبرير القبح السّياسيّ.
إنّ هذا العقم البنيويّ يجعلهم يلدون «مسوخا مأفونة»؛ وهي أفكار مشوّهة تقتات على لغة الكراهية وتتخفّى وراء أقنعة التّزييف، لتعيد إنتاج معارف عقيمة لا تبني وطنا ولا تصون كرامة، بل تكرّس ديمومة الاستعباد.
تتجلّى سيكولوجيّة العجز الإبداعيّ لدى «المسلوب فكريّا ومعرفيّا» في فقدانه المطلق للقدرة على الإنتاج أو المبادرة بمجرّد خروجه من فلك سيّده؛ فعقله مبرمج بيولوجيّا وسلوكيّا ليعمل فقط كصدى لصوت السّلطة، أو كترس في آلة التّبرير السّلطويّة.
وفي «حضرة الاستعباد»، يختفي الفارق الجوهريّ بين من تلوّث بعفن المجتمعات المادّيّ وبين من استسلم للنّكاح المعرفيّ؛ كلاهما يشتركان في ذات العجز البنيويّ، وفي ذات السّقوط الأخلاقيّ الّذي يرى في العبوديّة سقفا للطّموح، وفي التّبعيّة المهينة بديلا عن الهويّة الأصيلة. إنّ تساوي العفن في هذه المرحلة يفرز مشهدا تتماهى فيه الضّحيّة مع الجلّاد، حيث يصبح «المسخ المعرفيّ» هو المدافع الأوّل عن قيوده، والمروّج الأكبر لثقافة «الارتزاق على أنقاض الذّات».
إنّ هذا التّلوّث لا يكتفي بإفساد الحاضر، بل يمتدّ لتسميم المستقبل عبر تجريم «الفلسفة والوعي النّقديّ»، لضمان بقاء الرّحم الفكريّ عقيما إلّا من سلالات التّبعيّة. إنّ مواجهة هؤلاء «المسوخ» لا تكون إلّا بالعودة إلى «المعرفة النّقيّة» وبناء مخطّطات ذهنيّة ترفض التّدنيس المعرفيّ وتستردّ سيادة العقل وحرّيّته الوجوديّة.
المشيخة الماسونيّة… وهدم أفقيّة التّوحيد لصالح الهرميّة السّلطويّة
في المقابل تأتي المشيخة الماسونيّة لتعزّز الهرميّة في الأديان، فعلى سبيل المثال لم يكن الإسلام دينا لاهوتيّا هرميّا؛ كان «محمّد النّبيّ» ﷺ يجلس بين أصحابه كأحدهم، حتّى إنّ الغريب يدخل المجلس فلا يعرفه من بينهم.
كانت العلاقة «أفقيّة» أساسها التّوحيد الّذي يحرّر الإنسان من عبوديّة الإنسان.
إلّا أنّ انحرافا فلسفيّا خطيرا طرأ على بنية العمل الدّينيّ (إسلاميّا وغير إسلاميّ)، حيث استعيرت «الفلسفة الماسونيّة» لبناء نظام تسلّطيّ يقوم على «المشيخة» الممنهجة.
إنّ هذه «المشيخة الماسونيّة» تقوم على ركيزتين تتصادمان مع جوهر الإيمان:
- احتراف «الكهنوت» وادّعاء التّفوّق المعرفيّ:
تبنّى «رجل الدّين» – وهو المصطلح الّذي أرفضه لكونه دخيلا على الفلسفة التّوحيديّة – دور الحاكم بأمره، والنّاطق الرّسميّ باسم السّماء.
لقد اقتبست هذه السّلطة من الفكر الماسونيّ مبدأ «الأسرار» و «الدّرجات المعرفيّة»، حيث يحتكر الرّؤوس التّنظير ويدّعون امتلاك الحقيقة المطلقة، محوّلين الدّين من رسالة عامّة إلى «نظام نخبويّ» مغلق. - تحويل العوامّ إلى «مجترّين» للمعرفة:
الهدف من هذه الهيكليّة الماسونيّة هو تحويل «المريد» أو «التّابع» إلى مجرّد متلقّ سلبيّ، مجترّ للمعارف، منقاد بمشاعره وعواطفه الجمعيّة، دون إعطائه فرصة للتّفكير النّقديّ. إنّ سياسة «السّمع والطّاعة العمياء» هي في جوهرها تقزيم للعقل البشريّ، وإلغاء لسيادة الفرد المعرفيّة، لتصبح العلاقة بين «الشّيخ» و «المريد» نسخة مكرّرة من علاقة «الأستاذ الأعظم» بـ «المنتسب» في المحافل السّرّيّة. - تزييف قضيّة التّوحيد:
لقد غاب عن هؤلاء أنّ الإيمان بالله قضيّة توحيديّة بحتة تدعو لها كلّ الأديان السّماويّة، تقوم على الصّلة المباشرة بين العبد وربّه.
إنّ فلسفة بناء التّسلّط الدّينيّ تضع «وسيطا» بشريّا يملك مفاتيح الجنّة والنّار، وهو ما يمثّل ذروة الاستلاب والتّبعيّة المعرفيّة الّتي جاء التّوحيد ليحطّم أصفادها.
إنّ ما نشهده اليوم في الكثير من الطّرق الدّينيّة هو «تلوّث» للفكرة التّوحيديّة بأدوات تنظيميّة ماسونيّة؛ حيث يتمّ استغلال النّصّ الدّينيّ لصناعة «أصنام بشريّة» تعبد من دون الله تحت مسمّيات المشيخة والولاية، ممّا يعيد إنتاج الرّأسماليّة في صورتها «الرّوحيّة» القائمة على احتكار المصادر وتقزيم الإنسان.
«الاقتباسيّات» وهلاميّة الاستبداد: أونطولوجيا الرّقص فوق أنقاض «العنفوان»
في سياق دراسة ظواهر «تلوّث الإنسان»، تبرز فئة استمرأت العبوديّة حتّى تشرّبتها في بنية وعيها العميق، لا بوصفها قدرا مفروضا فحسب، بل كآليّة للبحث عن «ذات» مفقودة ضمن قطيع آمن.
إنّنا هنا أمام ظاهرة «الاقتباسيّة»؛ تلك النّسوة اللّواتي وجدن في «التّعليم الدّينيّ المقولب» ملاذا لهويّة هشّة، لم تجد تحقّقها إلّا في «جوقة التّبعيّة المطلقة»، حيث يتمّ استبدال الصّوت الفرديّ الحرّ بالاقتباس الأعمى من خطاب الاستبداد، فتغدو المعرفة لديهنّ صدى لا فكرا.
لقد تحوّل هذا النّموذج النّسويّ إلى كائنات «هلاميّة»، تملك قدرة مرعبة على التّماهي مع القبح وتجميله؛ فهنّ يحملن «الدّفوف» ويصنعن الأغاني ويغنّين في «المسرّات» المفتعلة، في انفصال سيكولوجيّ تامّ عن واقع ينزف وجعا.
إنّ هذه العمليّة ليست مجرّد طقس دينيّ، بل هي «هندسة تخدير جمعيّ» تحوّل كلّ فاجعة إلى «سرور ربّانيّ» متوهّم، ممّا يؤدّي إلى بتر الصّلة باللّحمة الوطنيّة وهموم المجتمع.
لقد استبدل الولاء للقيم والوطن بولاء مطلق لـ «أيقونة أنثويّة» نصّبت نفسها وسيطا بينهنّ وبين الحقيقة، فضلّت بهنّ السّبيل بعيدا عن كرامة «ابن الكار» وعزّة دمشق الأصيلة.
لقد قاد هذا المسار في زمن «الوحش الأكبر» إلى نوع من «الطّاعون الفكريّ» الّذي نهش روح المدينة وعنفوانها التّاريخيّ؛ حيث غذّيت عقليّة «الانسحاب الأخلاقيّ» تحت ستار التّقوى المزيّفة.
وتجلّى هذا الانكسار في عبارات باردة مثل «الله يطفئها بناره»؛ وهي جملة تبدو في ظاهرها تسليما قدريّا، لكنّها في جوهرها السّوسيولوجيّ تخلّ مطلق عن المسؤوليّة الإنسانيّة والوجدانيّة تجاه الجريمة.
هذا الانكسار في العنفوان لم يكن صدفة، بل كان الثّمرة المرّة لسنوات من التّعليم الّذي يقدّس الخنوع ويجرّم التّساؤل الفلسفيّ.
واستمرّ هذا المشهد المسرحيّ في زمن «الحمد»؛ حيث حمدن الله على «حسن نعمته» بينما كانت النّيران تلتهم ما تبقّى من كرامة البلاد، وطبّلن مع الرّعيّة بذات الحماس الّذي يغطّي عار الصّمت.
إنّ هذا التّلوّث القيميّ قد أزاح الدّين عن كونه محرّكا للعدل والنّدّيّة والكرامة، ليحوّله إلى أداة تبريريّة تشرعن الرّقص فوق الأنقاض.
إنّ «الاقتباسيّة» هنا ليست مجرّد جماعة دينيّة، بل هي مختبر لإنتاج «المسوخ المعرفيّة» الّتي تعيد إنتاج الاستبداد بلمسة ناعمة، وتضمن بقاء المجتمع في حالة «السّمّيّة المعرفيّ» الّتي تمنع أيّ ولادة لحرّيّة حقيقيّة.
سرياليّة الرّايات حين يصبح «الطّهر المزيّف» وسيلة لإبادة الأمّة
لم يكن هدم الأديان من الدّاخل مجرّد معركة سياسيّة، بل كان «هندسة بصريّة ونفسيّة» تهدف لترسيخ صورة إرهابيّة مشبوهة يحمل وزرها الإسلام – باعتباره النّهج المعرفيّ الّذي ينادي بالنّقديّة – بالرّايات السّوداء.
أقدّم هنا مثالا كونه الأكثر تسويقا وشائكيّة لكونه مدعوما بمنظّمة عالميّة لتشويه منهجه المعرفيّ والفكريّ.
هذا اللّون القاتم لم يختر عبثا؛ فهو يحمل رهابا نفسيّا مزدوجا: يزرع الخوف في قلب «الآخر» المناهض، ويمنح «قوّة واهمة» للمنتمي إليه.
وعندما تكتب كلمات الشّهادة بالبياض فوق هذا السّواد، تكتمل اللّوحة السّرياليّة المخيفة الّتي تحرّر عقد الخوف المتراكمة في المجتمعات الأصوليّة، ليتحوّل «الله» في مخيّلتهم – وحاشاه – إلى كيان يقتل ويدمّر ويحرق، بدلا من كونه ربّا للرّحمة والمعرفة.
إنّ هذه الصّورة السّوداويّة القاتمة يرى فيها «أخوياء الأرواح» وعاطلو العقول ملاذا لأمّة أنهكها الباطل، فيهرعون نحو «طهر مزيّف» لا وجود له إلّا في أوهامهم.
هؤلاء الحاملون للرّايات هم صنيعة أحد أمرين:
إمّا معامل المخابرات الدّوليّة الّتي جنّدتهم، أو آلات الاستلاب المعرفيّ الّتي استخدمت «طهر النّضال» وسيلة لتدمير الأمّة من وريدها.
تتجسّد بشاعة هذه «البراغمتيّة» في ملامح واضحة:
• سرياليّة القتل والجنس: تلك الرّايات لا ترفرف إلّا فوق رؤوس القتلة الّذين وجدوا في الذّبح غاية، وفي الخلود المرسوم بصبغة سرياليّة جنسيّة دافعا؛ حيث يختزل الإيمان في حور عين ينتظرنهم بعد قتل الأبرياء، أو في استلاب كرامات النّساء تحت مسمّى «الغزوات».
• عقدة الانتقام والفوقيّة: يتحرّك هؤلاء بضمائر ملوّثة بشعور مرضيّ بالفوقيّة الدّينيّة، مدفوعين برغبة دفينة في الانتقام من الحياة نفسها.
• وحدة التّطرّف العالميّ: إنّ هذا التّوحّش ليس حكرا على «داعش»، بل هو وجه يتشابه تماما مع التّطرّف الصّهيونيّ اليهوديّ والتّطرّف المسيحيّ المتصهين. داعش ليست وجها وحيدا، بل هي قناع قرّر القتلة أن يرتديه الإسلام ليسقطوه به.
لقد أرادوا بهذا المكر إعدام روح الدّين، وغاب عنهم أنّ مكر الله أكبر؛ فالحقيقة الّتي حاولوا طمرها بالسّواد ستظلّ تشرق ببيضاء ناصعة لا يراها المستلبون.

Social Links: