لماذا أخفى إخوان الصفا هوياتهم الحقيقية في التاريخ الإسلامي؟

لماذا أخفى إخوان الصفا هوياتهم الحقيقية في التاريخ الإسلامي؟

سالم يفوت

في تاريخ الأفكار الكبرى، غالباً ما تقترن الموسوعات الفكرية بأسماء مؤلفيها، إلا أن التراث الفلسفي الإسلامي يقدّم مفارقة تاريخية لافتة؛ فواحدة من أهم الموسوعات العلمية والفلسفية التي أُنتجت في القرن الرابع الهجري، نُسجت عبر شبكة من المفكرين الذين فضّلوا عدم الكشف عن هوياتهم. كيف يمكن لجماعة أن تكتب موسوعة شاملة تجمع بين الرياضيات والفلك والفلسفة والدين، ثم تختار طواعية التواري خلف ستار الكتمان؟ إن تفكيك لغز سرّية إخوان الصفا يتطلب الغوص في البنية الاجتماعية والسياسية للعصر العباسي، وفهم العوامل التي دفعت هذا المشروع الفكري إلى العمل في الظل.

تنبع الجذور التاريخية لقرار التخفي من طبيعة السياق الزمني الذي ظهرت فيه جماعة إخوان الصفا. ففي القرن الرابع الهجري، كان الفضاء العام يمر بحالة من التوتر، نتيجة تصاعد الصراعات الداخلية، العقائدية، والسياسية التي مزقت أوصال المجتمع. في هذا المناخ، رأت الجماعة أن الإعلان عن مشروع يدمج الفلسفة اليونانية بالشريعة الإسلامية، وينبذ التعصب المذهبي لصالح أفق عقلاني أكثر انفتاحاً، قد يُقابل بمواجهة مع السلطات السياسية وبعض المؤسسات الدينية التقليدية. ولعل ما يدعم وجاهة هذا التوجس هو المصير الذي آلت إليه أفكارهم لاحقاً، حيث تعرضت نسخ عديدة من رسائلهم لعمليات إحراق وتدمير متكررة في عصور سادت فيها نظم محافظة.

ولفهم الهيكل التنظيمي لهذه الجماعة، يُعد النص التاريخي الذي أورده الفيلسوف أبو حيان التوحيدي في كتابه “الإمتاع والمؤانسة” من أهم الوثائق التي تطرّقت إلى هذا الموضوع. يُشير التوحيدي إلى أن هذه الجماعة الفكرية نشأت في مدينة البصرة، وامتدت فروعها لتشمل أقاليم متعددة، وتألفت من مفكرين أمثال زيد بن رفاعة، وأبو سليمان البستي (المقدسي)، وأبو الحسن الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، والعوفي. وقد تعاهد هؤلاء الأفراد على القصد والطهارة، وأنتجوا واحداً وخمسين (أو اثنين وخمسين) رسالة تغطي مختلف صنوف المعرفة.

لم تكن السرية مجرد تكتيك للهروب من الملاحقة، بل ارتبطت كذلك برؤيتهم لمنهج التغيير. فقد تبنى إخوان الصفا مساراً للإصلاح الاجتماعي يرتكز على التغيير الذهني والفكري التدريجي للناس، مفضّلين هذا المسار على أسلوب الثورة العنيفة🚫 أو استخدام القوة. هذا الإصلاح الهادئ والبطيء تطلّب نوعاً من “التحفظ الفكري” يتيح تسريب المعرفة العقلانية إلى المجتمع دون اصطدام مباشر بالحكومات، انطلاقاً من قناعتهم بأن الآراء المتعصبة هي ما يبعث البغض والعداوة بين الحكومات والمحكومين.

يمكن مقارنة هذه الاستراتيجية تاريخياً، من باب التقريب لا المطابقة، بنشأة بعض الجمعيات الفلسفية والعلمية التي عملت في سرية نسبية في أوروبا خلال مراحل مبكرة من عصر التنوير. فحين تحتكر سلطة ما الحقيقة وتملك أدوات العقاب، قد يجد بعض المفكرين أنفسهم مضطرين إلى العمل ضمن أطر مغلقة لضمان تداول أفكارهم بعيداً عن الرقابة المباشرة، وهو نمط يحمل بعض القرابة مع ما مارسه إخوان الصفا لحماية مشروعهم، مع الانتباه إلى اختلاف السياقات التاريخية والثقافية بين التجربتين.

ينكشف في هذا السياق تباين معرفي وتاريخي بين اتجاهين متمايزين في العصر العباسي. من جهة، تستمد بعض المؤسسات التقليدية شرعيتها من الالتزام بالنص الديني والوقوف عند حدوده، وتنظر بتحفظ إلى تسرّب الأفكار الوافدة. ومن جهة أخرى، يقف إخوان الصفا عبر شبكتهم، مقدّمين رؤية أكثر انفتاحًا تتجاوز الحصرية النصية الصارمة، حيث ذهبوا إلى أن الإسلام، رغم اعتباره في نظرهم الطريق الأفضل إلى الله، يمثل واحدًا من عدة طرق يمكن أن تقود إليه. وقد استندوا في ذلك إلى التراث اليوناني (كالفلسفة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة)، والفكر الفارسي، وبعض الديانات الأخرى. هذا التباين بين موقف يميل إلى أحادية المصدر المعرفي وموقف يميل إلى تعددية المصادر هو ما دفع الجماعة، في تقديرها الخاص، إلى ضرورة البقاء في الظل؛ إذ بدا لهم أن مشروعهم لا يقتصر على مراجعة بعض الأطروحات المذهبية، بل يطرح أيضاً تصوراً مغايراً لمصادر المعرفة الدينية والفلسفية.

في المحصلة، يلاحظ المتتبعون لتاريخ الفكر أن أعضاء إخوان الصفا اختاروا تغليب “الفكرة” الجماعية على الحضور الفردي والمجد الشخصي. فرغم إحراق كتبهم ومحاولات طمس هوياتهم، نجحت رسائلهم في التسلل عبر الزمن، تاركة أثراً معرفياً وموسوعياً لافتاً، يشير إلى أن بعض المشاريع الفكرية يمكن أن تستمر في التأثير حتى عند كتابتها في ظروف من التكتم، وإن بقي تقييم فعاليتها مقارنة بالعمل العلني الصريح مسألة قابلة للنظر والمناقشة.

  • Social Links:

Leave a Reply