روضة محمد رضوان
الدولة الجديدة لا تحتاج وجوهًا جديدة فقط… بل معايير جديدة ناء دولة مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون لعقود، فلا يكفي أن تتغير الوجوه التي تتولى مواقع المسؤولية؛ بل يجب أن تتغير أيضًا القواعد التي تحدد من يصل إلى هذه المواقع، والمعايير التي يُقاس بها أداؤه بعد الوصول إليها.
بعد سنوات طويلة من الصراع والتضحيات، تدخل سوريا مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تحتاج فقط إلى تجاوز آثار الماضي، وإنما إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة الحاضر وصناعة المستقبل. وهذه مهمة شاقة ومعقدة، ومن الطبيعي أن تحتاج إلى الوقت والتجربة والمراجعة، وأن تواجه تحديات حقيقية في اختيار الأشخاص القادرين على تحمل مسؤوليات المرحلة.
وليس من الإنصاف أن ننظر إلى كل قرار أو تعيين باعتباره اختبارًا نهائيًا للدولة الجديدة، أو أن نحاكم تجربة لم تأخذ وقتها الكافي بعد. فالدول لا تُبنى في يوم، ولا يمكن لأي تجربة ناشئة أن تمتلك منذ بدايتها كل الإجابات والخيارات المثالية.
لكن الرغبة في إنجاح هذه التجربة تفرض علينا، في الوقت نفسه، أن نطرح سؤالًا يتجاوز أسماء الأشخاص:
كيف نختار من يتولى المسؤولية العامة؟ وما المعايير التي يجب أن تحكم هذا الاختيار؟
هذا السؤال لا يعني الوقوف في وجه الدولة أو التشكيك في نيات القائمين عليها، بل يعني أن بناء مؤسسات قوية يحتاج إلى قواعد واضحة، حتى لا تصبح العلاقات الشخصية أو القرب من أصحاب القرار أو الاعتبارات غير المعلنة عوامل حاسمة في تحديد من يتولى مواقع المسؤولية.
فالدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص وحدهم، وإنما على المؤسسات والمعايير.
ولعل أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الماضي أن المشكلة لم تكن دائمًا في الأشخاص وحدهم، وإنما في غياب منظومة واضحة تضمن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتربط الوصول إلى المسؤولية بالكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على خدمة المصلحة العامة.
وحين يصبح المنصب مرتبطًا بالولاء للأشخاص أو بالعلاقات أكثر من ارتباطه بالكفاءة، فإن المؤسسة هي التي تدفع الثمن، مهما تغيرت أسماء المسؤولين.
ما المعايير التي نحتاجها؟
إذا كنا نتحدث عن «معايير جديدة»، فلا بد أن نسأل: ما طبيعة هذه المعايير؟ وما المرجعية التي تجعلها واضحة وعادلة وقابلة للتطبيق على الجميع؟
يمكن الاستفادة من المبادئ التي استقرت عليها تجارب الدول الحديثة والمعايير الدولية في الحكم الرشيد وحقوق الإنسان، مثل الكفاءة والنزاهة، والمساواة أمام القانون، وعدم التمييز، والشفافية، وتجنب تضارب المصالح، والمساءلة، واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
وهذه المبادئ لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاولة لفرض نموذج غريب عن المجتمع السوري أو تجاهل هويته الدينية والثقافية. فسوريا مجتمع ذو غالبية مسلمة، ومن الطبيعي أن تحضر القيم الإسلامية في الحياة العامة، كما أن قيمًا مثل العدل والأمانة والشورى وتحمل المسؤولية تتقاطع في جوهرها مع كثير من مبادئ الحكم الرشيد.
وفي الوقت نفسه، فإن سوريا ليست مجتمعًا أحاديًا، بل تضم مواطنين من ديانات ومذاهب وانتماءات متعددة، ومن حق جميع هؤلاء أن يشعروا بأن الدولة دولتهم، وأن حقوقهم وكرامتهم مصونة على قدم المساواة.
لذلك، فإن الحفاظ على هوية المجتمع الدينية لا ينبغي أن يكون نقيضًا لحماية حقوق الإنسان، كما أن الاستفادة من المعايير الدولية لا تعني التخلي عن هوية المجتمع.
المطلوب هو بناء دولة تحترم ثقافة المجتمع وقيمه، وتحترم في الوقت نفسه حقوق جميع مواطنيها، وتتعامل معهم على أساس المواطنة والمساواة أمام القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن انتقاد قرار حكومي، أو الاعتراض على طريقة اختيار مسؤول، أو المطالبة بمزيد من الشفافية والمساءلة، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره اعتراضًا على الدين أو على هوية الدولة.
فالدين شيء، والممارسة السياسية والإدارية شيء آخر.
وإذا كانت الدولة الجديدة تريد أن تبني ثقة حقيقية بينها وبين المجتمع، فمن المهم أن تملك القدرة على التمييز بين من ينتقد من أجل التصحيح، ومن يهاجم من أجل الهدم. فالنقد المسؤول لا يضعف الدولة، بل يمكن أن يساعدها على اكتشاف أخطائها قبل أن تتحول إلى مشكلات يصعب إصلاحها.
من هو الشخص المناسب للمسؤولية؟
إذا كانت هذه هي المبادئ التي نريد أن تحكم بناء المؤسسات، فإن تطبيقها يبدأ من سؤال جوهري: ماذا نريد أن نعرف عن الشخص قبل أن نمنحه مسؤولية عامة؟
أول هذه المعايير هو الكفاءة. فالموقع العام ليس مكافأة، ولا مساحة للتجربة على حساب مؤسسة أو قطاع كامل. يجب أن يمتلك من يتولى المسؤولية المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة الموارد والتعامل مع الأزمات، وأن يكون قادرًا على أداء المهمة التي اختير لها.
ويأتي بعد الكفاءة النزاهة والسجل العام. فالشخص الذي يتولى مسؤولية تتعلق بمصالح الناس وأموالهم وحقوقهم يجب أن يكون سجله واضحًا قدر الإمكان، وأن تكون هناك آليات للتحقق من عدم وجود تضارب مصالح أو استغلال للمنصب أو ارتباطات يمكن أن تؤثر في استقلالية قراراته.
ثم تأتي الخبرة في العمل العام، وهي لا تعني بالضرورة أن يكون الشخص قد شغل منصبًا حكوميًا سابقًا. فقد تكون الخبرة قد تراكمت في الإدارة، أو العمل المدني، أو المجال الإنساني، أو التعليم، أو الطب، أو الاقتصاد، أو غيرها من المجالات التي اكتسب فيها السوريون خلال السنوات الماضية تجارب واسعة في تحمل المسؤولية والعمل تحت الضغط.
لكن الخبرة وحدها لا تكفي. فالمسؤول العام يحتاج أيضًا إلى القدرة على العمل ضمن مؤسسة، واحترام القانون والإجراءات، والاستماع إلى المختصين، والعمل بروح الفريق، وتقبل الاختلاف والنقد. فالشخص الكفء الذي لا يستطيع العمل إلا وفق رؤيته الخاصة قد يتحول، مهما كانت قدراته، إلى مشكلة داخل المؤسسة التي يديرها.
ومن المعايير المهمة كذلك التمثيل العادل للمجتمع. وليس المقصود بذلك توزيع المناصب وفق المحاصصة أو الانتماءات، وإنما التأكد من أن الدولة لا تغلق أبوابها أمام فئات أو مناطق أو مكونات اجتماعية لمجرد اختلافها، وأن الوصول إلى المسؤولية يبقى مفتوحًا أمام كل كفاءة سورية تستوفي الشروط.
وهنا تظهر أهمية الشفافية في الاختيار.
ليس المطلوب أن تتحول كل عملية تعيين إلى مسابقة علنية، أو أن تُنشر كل التفاصيل المتعلقة بالأشخاص، لكن من حق المجتمع أن يعرف، بالقدر المعقول، ما المعايير التي بُني عليها الاختيار، وما المؤهلات التي جعلت شخصًا ما هو الأنسب لموقع معين.
فالشفافية لا تعني كشف كل شيء، وإنما تعني أن يكون هناك تفسير منطقي ومفهوم للقرارات التي تمس الشأن العام.
كما أن اختيار المسؤول لا ينبغي أن يكون نهاية التقييم، بل بدايته. فالمسؤولية العامة تحتاج إلى مراجعة ومساءلة مستمرة، وإلى مؤشرات يمكن من خلالها تقييم الأداء ومعرفة ما إذا كان المسؤول يحقق الأهداف المطلوبة منه، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تصحيح أو تغيير.
وهذا أمر مهم خصوصًا في المرحلة الانتقالية؛ لأن الدولة الجديدة لا تحتاج فقط إلى اختيار الأشخاص المناسبين، بل تحتاج إلى بناء نظام يستطيع اكتشاف الخطأ وتصحيحه.
فحتى أفضل عملية اختيار يمكن أن تخطئ، وأفضل الأشخاص يمكن أن يخطئوا. والفرق الحقيقي بين مؤسسة ضعيفة ومؤسسة قوية ليس في أنها لا تخطئ، وإنما في قدرتها على اكتشاف الخطأ والاعتراف به وتصحيحه قبل أن يتحول إلى قاعدة.
ومن هنا، فإن المعايير التي نحتاجها ليست فقط معايير لاختيار المسؤول، وإنما منظومة كاملة تبدأ من الاختيار، وتمر بالتقييم والمساءلة، وتنتهي بإمكانية التصحيح والتغيير عندما يثبت أن الشخص أو القرار لم يعد مناسبًا للمصلحة العامة.
بهذه الطريقة فقط، تتحول الدولة من منظومة تعتمد على الأشخاص إلى مؤسسة تستطيع أن تستمر حتى عندما يتغير الأشخاص.
الكفاءات السورية… ثروة لا ينبغي أن نخسرها
وعندما نتحدث عن الكفاءة، لا يمكن أن نتجاهل ما راكمه السوريون خلال السنوات الماضية من خبرات وتجارب في ظروف لم تكن طبيعية.
فقد اضطر كثير من السوريين إلى تعلم الإدارة والعمل المؤسسي، وإدارة المنظمات والمشاريع، والتعامل مع الأزمات، وتقديم الخدمات في ظروف شديدة الصعوبة. وظهرت خلال سنوات الصراع طاقات في مجالات التعليم والطب والهندسة والإدارة والعمل الإنساني والمدني والاقتصاد وغيرها، بعضها لم يكن ليظهر بهذه الصورة لولا الظروف الاستثنائية التي مر بها البلد.
هذه الخبرات ليست ملكًا لجهة سياسية أو لفئة اجتماعية، وليست مرتبطة بمنطقة دون أخرى. إنها جزء من الثروة البشرية السورية التي ينبغي أن تستفيد منها الدولة في مرحلة إعادة البناء.
لكن الاستفادة من هذه الطاقات لا تعني أن كل من شارك في الثورة أو عمل في مؤسساتها يجب أن يحصل على منصب، كما لا تعني أن من لم يشارك فيها لا مكان له في الدولة الجديدة.
فالانتماء السياسي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الكفاءة، كما أن الاختلاف في المواقف السياسية لا ينبغي أن يكون سببًا لإقصاء شخص يمتلك الخبرة والنزاهة والقدرة على خدمة المصلحة العامة.
المطلوب ببساطة هو أن تُفتح الأبواب أمام الجميع وفق معايير واضحة، وأن يكون معيار الاختيار هو ما يستطيع الشخص أن يقدمه للدولة، لا الجهة التي كان يعمل معها، ولا الأشخاص الذين يعرفهم، ولا مدى قربه من أصحاب القرار.
وهنا يمكن للدولة الجديدة أن تقوم بخطوة مهمة تتمثل في إنشاء آليات واضحة لحصر الكفاءات السورية والاستفادة منها، سواء داخل البلاد أو بين السوريين الذين اضطروا إلى الهجرة أو اللجوء.
فخلال سنوات الاغتراب، لم يتوقف السوريون عن التعلم والعمل. بعضهم اكتسب خبرات أكاديمية ومهنية وإدارية واسعة، وبعضهم أسس مشاريع ومؤسسات، وعمل في بيئات مختلفة، وتعلم أنظمة إدارية وقانونية جديدة. وكل هذه الخبرات يمكن أن تكون موردًا مهمًا في عملية إعادة بناء الدولة.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى من عاش خارج سوريا باعتباره بعيدًا عنها، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى من بقي داخلها باعتباره أقل خبرة. كلاهما يحمل جزءًا من التجربة السورية، وكلاهما يمكن أن يساهم في بناء المستقبل.
إن إعادة بناء سوريا لن تحتاج فقط إلى الأموال والمباني والمؤسسات، بل ستحتاج قبل كل شيء إلى الإنسان القادر على إدارة هذه المؤسسات وتشغيلها وتطويرها.
ولهذا فإن خسارة الكفاءات بسبب الإقصاء أو التهميش أو غياب آليات واضحة للوصول إلى مواقع المسؤولية ليست خسارة لأشخاص فقط، وإنما خسارة للدولة نفسها.
قد نختلف سياسيًا، وقد نختلف في رؤيتنا للمستقبل، وقد نأتي من خلفيات اجتماعية ودينية ومناطقية مختلفة، لكن يمكننا أن نتفق على قاعدة واحدة:
من يملك الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس، يجب أن يجد طريقًا مفتوحًا للمساهمة في بناء بلده.
فالدولة القوية لا تخشى تعدد الخبرات، ولا تخشى النقد، ولا تخشى أن تكتشف أن خارج دوائرها أشخاصًا أكثر قدرة على أداء بعض المهام.
بل إن قوة الدولة تظهر عندما تعرف كيف تبحث عن أفضل ما لدى مواطنيها، وتضعه في المكان الذي يخدم المصلحة العامة.
دولة تستطيع أن تراجع نفسها
في النهاية، لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية قديمة، حتى لو تغيرت الأسماء وتبدلت الوجوه.
الدولة التي نريدها لسوريا ليست دولة لا تخطئ، فهذا غير واقعي، وإنما دولة تمتلك القدرة على مراجعة نفسها، والاستماع إلى النقد المسؤول، وتصحيح الأخطاء، ومحاسبة من يثبت تقصيره أو إساءته للمسؤولية العامة.
ولا ينبغي أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة مؤقتة بلا نهاية، ولا أن تتحول القرارات التي تُتخذ في بدايات التأسيس إلى قواعد ثابتة يصعب مراجعتها لاحقًا. فالمرحلة الانتقالية يجب أن تكون فرصة للتعلم والتجربة والتصحيح، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بعيدًا عن الأشخاص.
إن نجاح الدولة الجديدة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، ولا مسؤولية فئة سياسية أو اجتماعية بعينها، بل هو مسؤولية مجتمع كامل. ومن حق هذا المجتمع أن يسأل، وأن يناقش، وأن ينتقد، ما دام النقد موجّهًا إلى القرار والأداء والسياسات، لا إلى هدم الدولة أو النيل من هوية المجتمع وقيمه.
وفي المقابل، فإن من مسؤولية الدولة أن تميز بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين محاولات الهدم والتشويه، وأن تدرك أن المجتمع الذي يُسمح له بالسؤال والمشاركة والنقد هو مجتمع أكثر قدرة على بناء دولة مستقرة.
لقد خرج السوريون، في أصل حلمهم، من أجل دولة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وتحقق العدالة، ومن الطبيعي أن يكون اختيار من يدير هذه الدولة جزءًا من هذا الحلم.
لذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط: من هم الأشخاص الذين سيتولون المسؤولية؟
بل السؤال الأهم:
ما المعايير التي سنضعها حتى نضمن أن يصل إلى المسؤولية من هو الأقدر والأكثر نزاهة واستعدادًا لخدمة الناس؟
فإذا كنا نريد لسوريا أن تكون مختلفة عن الماضي، فلا يكفي أن تتغير الوجوه.
علينا أن نغيّر أيضًا الطريقة التي نختار بها من يديرونها، وأن نبني مؤسسات تستطيع أن تختار الأفضل، وتراقب أداءه، وتحاسبه عند الخطأ، وتفتح الطريق أمام غيره عندما تثبت الحاجة إلى التغيير.
فالوجوه قد تتغير، لكن الدولة لن تتغير حقًا إلا عندما تتغير المعايير التي تُبنى عليها.
وهنا يبدأ الطريق الحقيقي إلى سوريا الجديدة.

Social Links: