راغدة ابراهيم
عضو المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي السوري
قد يبدو الثوب مجرد قطعة قماش، لكن تاريخ الملابس يقول شيئًا آخر. فاللباس كان دائمًا لغة اجتماعية تعكس البيئة والثقافة والمكانة والهوية، وأحيانًا السلطة والدين.
ولهذا فإن تاريخ لباس المرأة في بلاد الشام لا يمكن اختزاله في سؤال: متى بدأ الحجاب؟ أو متى ظهر النقاب؟ فغطاء الرأس والوجه عرفته مجتمعات مختلفة قبل الإسلام وبعده، وتغيرت وظيفته ومعناه بتغير الزمن والمكان.
البيئة: عندما يكون الغطاء حاجة قبل أن يصبح رمزًا
لا يمكن تجاهل المناخ في هذه الحكاية. فالإنسان في البيئات الحارة والجافة، حيث الشمس والغبار والرياح والرمال، احتاج إلى حماية رأسه ووجهه. ولذلك عرف الرجال والنساء على السواء أشكالًا مختلفة من تغطية الرأس والوجه.
وحتى اليوم قد تغطي المرأة غير المنقبة وجهها بوشاح في البرد القارس أو أثناء الغبار.
لكن الحاجة العملية لا تفسر وحدها استمرار اللباس. فقد تبدأ قطعة ما بوظيفة عملية، ثم تتحول إلى عادة، ثم إلى علامة اجتماعية أو ثقافية، وربما إلى رمز ديني.
وهنا يصبح السؤال: كيف يتحول اللباس من حاجة إلى رمز؟
آشور: عندما أصبح الغطاء علامة على المكانة
في قوانين آشورية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، نجد من أقدم الأدلة على تنظيم غطاء المرأة قانونيًا. فقد ارتبط ارتداء الغطاء في الفضاء العام بمكانة المرأة، بينما مُنعت فئات من النساء، كالإماء والبغايا، من ارتدائه.
لا يعني ذلك أن «الحجاب اختُرع في آشور»، فهذا تبسيط للتاريخ، لكنه يبين أن غطاء المرأة كان يمكن أن يتحول من وسيلة حماية أو لباس إلى علامة على المكانة الاجتماعية والتمييز الطبقي.
فالرمز لا يكمن دائمًا في الثوب نفسه، بل في المعنى الذي يمنحه المجتمع له.
تدمر ودمشق: وجه آخر للحكاية
لا يصح الانتقال من آشور مباشرة إلى العصور الإسلامية. فالمنطقة التي نعرفها اليوم بسورية وبلاد الشام مرت عليها حضارات وإمبراطوريات متعددة، ولم تكن سورية بحدودها الحالية موجودة آنذاك.
وفي تدمر، خلال القرون الأولى للميلاد، تكشف المنحوتات الجنائزية عن نساء يرتدين أثوابًا طويلة وعباءات وأغطية للرأس وأوشحة وحليًا غنية، في مزيج من التأثيرات السورية والشرقية والرومانية واليونانية.
واللافت أن وجود غطاء للرأس أو وشاح لا يعني بالضرورة إخفاء الوجه. فهناك صور لنساء تدمرية بغطاء الرأس والكتفين مع وجه ظاهر بوضوح.
أما زنوبيا فتنتمي إلى هذا العالم التدْمري في القرن الثالث الميلادي، في الوقت الذي كانت فيه دمشق مدينة مهمة ضمن العالم الروماني. ثم دخلت دمشق لاحقًا في العصر البيزنطي، واستمرت أنماط الأثواب الطويلة والعباءات والأوشحة وأغطية الرأس بأشكال مختلفة.
وهذا يخبرنا شيئًا أساسيًا: تغطية الرأس وكشف الوجه يمكن أن يجتمعا في اللباس نفسه.
الإسلام: حين يتغير معنى اللباس
عندما ظهر الإسلام لم يبدأ تاريخ اللباس من الصفر؛ فقد كانت المنطقة تملك تقاليد لباس أقدم بكثير. لكن الدين دخل في تفاعل مع هذه العادات، ومنح بعض أشكال اللباس معاني دينية وأخلاقية جديدة.
والقرآن لا يخاطب النساء وحدهن في مسألة العفة؛ بل يبدأ في سورة النور بالرجال:
«قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم»
ثم يأتي خطاب النساء:
«وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن…»
أي أن المسؤولية الأخلاقية في النص موجهة إلى الطرفين.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: كيف انتقلنا في بعض المجتمعات من مسؤولية الفرد عن نظره وسلوكه إلى تنظيم جسد المرأة ولباسها باعتبارهما وسيلة لضبط سلوك الرجل والمجتمع؟
فإذا كان الرجل مطالبًا بغض بصره وضبط سلوكه، فلماذا يصبح جسد المرأة وملابسها في بعض البيئات القضية الأساسية التي يجب مراقبتها؟
من المسؤولية الفردية إلى الوصاية
هنا لا يعود النقاش متعلقًا بقطعة قماش فقط.
ففي مجتمعات أبوية قديمة، كان جسد المرأة مرتبطًا بشرف الأسرة وسمعتها، وأصبحت عذريتها وعلاقاتها وملابسها شؤونًا تتجاوز حدودها الفردية.
ثم تداخلت هذه البنية الاجتماعية مع التفسيرات الدينية والفقهية، فتطورت مفاهيم القوامة والولاية والوصاية، وأصبح لباس المرأة في بعض البيئات جزءًا من منظومة أخلاقية واجتماعية أوسع.
لكن من المهم ألا نخلط بين النص الديني نفسه وبين كل ما أنتجته المجتمعات والتفسيرات التاريخية باسمه.
فالمشكلة ليست أن النص يخاطب المرأة بالرغبة في تنظيم لباسها، بل أن الاختيار الشخصي يمكن أن يتحول إلى إلزام اجتماعي، وأن جسد المرأة يمكن أن يصبح شأنًا عامًا يحق للآخرين إدارته نيابة عنها.
وهنا يظهر الفرق بين الدين بوصفه قناعة شخصية، وبين السلطة التي تستخدم الدين لتنظيم حياة الأفراد.
العثمانيون والحداثة
خلال العهد العثماني لم يكن لباس المرأة ثابتًا ولا موحدًا، بل تغير بحسب المنطقة والطبقة والزمن والموضة. ثم جاءت تحولات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع التعليم والعمل والصحافة والجامعة والاحتكاك بالعالم الخارجي، فتغيرت أزياء النساء وتراجع بعضها وظهرت أنماط حديثة.
ولم يكن التغير مجرد تغيير في الثوب؛ بل كان انعكاسًا لخروج المرأة تدريجيًا إلى المجال العام بوصفها متعلمة وعاملة ومواطنة.
وهنا بدأ اللباس يتحول أكثر فأكثر من علامة تفرضها الجماعة إلى مساحة للاختيار الفردي.
من يملك الجسد؟
ربما لا يكون السؤال الأهم: هل الحجاب قديم أم حديث؟ وهل النقاب ديني أم ثقافي؟
السؤال الأهم هو:
من يملك حق اتخاذ القرار بشأن جسد المرأة وملابسها؟
إذا اختارت امرأة الحجاب أو النقاب عن قناعة، فهذا اختيارها ويجب احترامه.
وإذا اختارت عدم ارتدائه، فهذا أيضًا اختيارها ويجب احترامه.
فالحرية الشخصية لا تعني أن نقرر للمرأة ما نراه مناسبًا لها، وإنما أن نترك لها حق القرار.
ولا ينبغي أن تتحول حماية المرأة إلى وصاية عليها، ولا أن يتحول الرجل إلى شخص يُفترض أنه عاجز عن ضبط نظره وسلوكه، فتُحمّل المرأة مسؤولية سلوكه من خلال لباسها.
لقد تغير الثوب عبر آلاف السنين بتغير المناخ والثقافة والطبقة والدين والسلطة والموضة.
لكن ما ينبغي أن يتغير اليوم هو شيء أعمق:
أن ينتقل الإنسان من أن يكون موضوعًا للوصاية إلى أن يصبح صاحبًا لقراره.
فالمشكلة ليست في الثوب.
المشكلة تبدأ عندما لا تعود المرأة هي صاحبة القرار فيه.

Social Links: