الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(3/2) ــ حسام ميرو

الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(3/2) ــ حسام ميرو

ثانيًا: الأمن القومي الأميركي ومواجهة الإرهاب الإسلامي

إن السؤال الرئيس الذي واجه المؤسسات الأمنية الأميركية بعد أيلول/ سبتمبر 2001 هو: متى يكون الهجوم المقبل على الولايات المتحدة الأميركية؟

أما الجهة التي يمكن أن تقوم بذلك الهجوم المقبل “الافتراضي” فهي منظمات إسلامية إرهابية، ومن ثمّ فإن الأمن القومي الأميركي وضع في أولوياته أن ثمة هجومًا مقبلًا غير محدد المكان والزمان، ومن المفترض أن تكون الولايات المتحدة قادرة على الحد من احتمالات ذلك الهجوم.[3]

إن موقع الولايات المتحدة الريادي في المنظومة الدولية يجعلها، على الدوام، هدفًا لخرق خارجي، لكن الجديد بعد أيلول/ سبتمبر هو أن مصدر هذا الخرق لم يعد دولًا بعينها، كما في أيام الحرب الباردة، بل منظمات إسلامية أممية، يمكن أن توجد وتعمل انطلاقًا من أماكن غير متوقعة، وربما من داخل أميركا نفسها، وهو الأمر الذي كان وراء الإجراءات العديدة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية، وفي مقدّمها إنشاء وزارة شؤون الأمن الداخلي، وتعدّ هذه الوزارة في منزلة وزارة دفاع ثانية.

ومن الناحية القانونية، عززت الولايات المتحدة من قوانينها في مواجهة الإرهاب، حيث أصدر المشرّع الأميركي، في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2001، أي بعد أقل من شهر من حوادث أيلول/ سبتمبر، قانونًا جديدًا تحت اسم “patriot” وهذا القانون ليس أول قانون أميركي يسن ضد الإرهاب، بل يعود أول قانون إلى عام 1948، لكن القانون الجديد أتى تحت شعار “توحيد وتقوية الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الإرهاب”، وأتاح للمؤسسات الأمنية سلطات واسعة تخولها الاعتقال والرقابة على الأجهزة التنفيذية، ومنع المحاكم من الرقابة، والتنصت على الاتصالات، والرقابة على البريد الإلكتروني، وحق الاطلاع على السجلات الطبية والمالية والتجارية والتعليمية، وأجاز للسلطات الأمنية حق الخروج عن مبدأ الإجراءات القانونية الاعتيادية لاعتقال الأفراد لمدة غير محددة من دون توجيه أي اتهام لهم بارتكاب جرائم.

لقد أوضحت الإجراءات الجديدة في مجال الأمن أن الرؤية الأميركية تفترض وجود حرب طويلة ضد الإرهاب، وهو المصطلح الذي استخدمه الجنرال الأميركي جون أبي زيد في عام 2004، ووضعه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عنوانًا لكلمة ألقاها أمام نادي الصحافة الأميركي في العام 2006، كما قال الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه عن حالة الاتحاد في 2006: “إن جيلنا يعيش حربًا طويلة ضد عدو محدّد عاقد العزم”.

إن مفهوم الحرب الطويلة في سياق إطلاقه وما نتج عنه من خطوات عملية هو مفهوم ملازم لمفهوم “الحرب على الإرهاب الإسلامي” الذي حلّ فعليًا مكان مفاهيم أخرى، سادت في فترات ماضية، مثل “الخطر الشيوعي”، و”إمبراطورية الشر”، فالصراع الأميركي الجديد مع الإرهاب الإسلامي من خلال غزو أفغانستان هو صراع مع تنظيمات، وسيستمر منذ ذلك الوقت هذا الصراع، وسيتطور من خلال أدوات وأشكال أخرى[4].

وفعليًا، راح الإنفاق المالي للولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الإرهاب الإسلامي يأخذ منحىً تصاعديًا، وذلك من خلال ما يسمى “دول الخطوط الأمامية”، من مثل باكستان، وأفغانستان، واليمن، وتركيا، والأردن، ولبنان، وإندونيسيا، وغيرها من الدول، وذلك عبر ما يسمى “خطط التنمية”، وقد ارتفعت تكلفة دعم هذه الدول من 10 بلايين دولار أميركي في عام 2000 إلى 28 بليون في عام 2005، وفي تشرين الأول/أكتوبر، خصّص الرئيس أوباما مبلغ 7.5 بليون دولار لباكستان. (ص17).

يُعدّ النظام الأمني الأميركي من أعقد النظم الأمنية في العالم، هذا إن لم يكن هو الأعقد على الإطلاق، وراح هذا النظام يزداد تعقيدًا وغموضًا من خلال الحرب على الإرهاب، فقد شهدت السنوات التي تلت حوادث أيلول/ سبتمبر 2011 إنشاء العشرات من الهيئات الأمنية الجديدة، ففي عام 2002، تم إنشاء 37 هيئة أمنية إضافية من أجل “التقصي عن أسلحة الدمار الشامل، وجمع المعلومات السرية المتعلقة بالإرهاب”، وفي عام 2003 تم إنشاء 36 هيئة إضافية، و26 هيئة في 2004، و31 هيئة في عام 2005، وفي الأعوام 2007 و2008 و2009 أنشئت على التوالي 31، و32، و20، هيئة جديدة[5].

ليس هناك كثير من التفاصيل والمعلومات حول هذه الهيئات التي تعمل على ملف الإرهاب، وقد نشرت في الواشنطن بوست في 2010 سلسلة من المقالات حول هذه الهيئات، وقد رأت الصحيفة أن هذا النظام الأمني أصبح على درجة عالية من السرية، وما من أحد يعرف تكلفته المالية، أو عدد الناس الذين يوظفهم.

لكن هذه المؤشرات والمعطيات حول تعدد الهيئات التي انشغلت بملف الإرهاب تشير فعليًا إلى عدد كبير من المخاوف التي اعترت النظام الأمني الأميركي، والأهم من ذلك هو أن هذا التوسع في عدد الهيئات الأمنية يؤكد على أن مفهوم “الحرب على الإرهاب” أصبح مفهومًا حاكمًا في السياق الأمني الأميركي، ولم يعد ملفًا من الدرجة الثانية، وأن العمل عليه سيطال مستويات عديدة مرتبطة بفكرة الأمن.

لقد نشأت بيئة جديدة في النظر إلى العالم الإسلامي، ويمتلك مفهوم الإرهاب، في تلك البيئة، موقعًا مركزيًا في النظر إلى العالم الإسلامي، وإلى الإسلام كدين، وإلى الإرهاب الإسلامي بصفة أساسية. وسوف تشهد مراكز الأبحاث والجامعات في داخل أميركا وخارجها طفرة هائلة في التوجه لدراسة القضايا المتصلة بالإسلام، وبالإرهاب، وسيتم افتتاح برامج وصفوف جديدة في الجامعات والمعاهد الغربية لدراسة الإرهاب، كما ستزداد أعداد طلاب الدراسات العليا، والمرشحين لنيل درجة الدكتوراه الذين يتخصصون في هذا المجال، وقد شجّع التمويل الهائل من قبل الحكومة الأميركية والحكومات الغربية مثل هذا الميل، خصوصًا التمويل الذي يقدمه مجمع الأمن القومي الأميركي لعدد من المراكز البحثية.

إن الأرضية التي تقوم عليها التوجهات الأميركية في دعم الأبحاث حول الإرهاب تعكس جزءًا مهمًا من التوجهات الاستراتيجية للمواجهة الأميركية مع الإرهاب الإسلامي، حيث نشأ ميل متزايد لفهم الإسلام بشكلٍ عام، ولأسباب نشوء التطرف الإسلامي بشكلٍ خاص، ولجمع قدر كبير من المعلومات حول المنظمات الإسلامية حول العالم، ورصد نشاط دعوي وجهادي، وتحليل الخطاب الديني، بغية الوصول إلى تصورات نظرية وعملية في مكافحة التهديدات المحتملة للمصالح الأميركية والغربية حول العالم.

فعليًا، وضعت الولايات المتحدة الأميركية إمكاناتها على أكثر من جبهة في سياق حربها على الإرهاب، وأصبحت إدارة العمليات ضد الإرهابيين المنظمين في “القاعدة” وسواها من التنظيمات المتطرفة تمتد على مساحات واسعة، وطوّرت أساليبها في تدمير خلايا إرهابية، أو ملاحقة زعماء وأفراد تلك التنظيمات في عديدٍ من البلدان، واستخدمت الطائرات من دون طيار، وفي عام 2010 فقط أطلقت أميركا أكثر من 100 صاروخ من طائرات من دون طيار في باكستان لوحدها، وهو عدد يفوق ما أطلقته في أفغانستان، وهي البلد الذي يعد مسرحًا للمواجهة مع “القاعدة”[6].

وفي الرؤية الأمنية التي تقف وراء هذا النوع من العمليات هناك ميل إلى عدم إنزال قوات أميركية مباشرة في الدول التي تعمل فيها منظمات إرهابية، وهي الرؤية التي تبنتها إدارة الرئيس باراك أوباما، وعلى الرغم من القضاء على بن لادن، فقد استمرّت عملية إطلاق الصواريخ من طائرات من دون طيار في باكستان، مع وجود قناعة كبيرة لدى الإدارة الأميركية بنجاح كبير في هذا الاتجاه لمكافحة “القاعدة” و”طالبان”، في باكستان، أو “تنظيم القاعدة” في اليمن.

لقد واجهت إدارتا جورج دبليو بوش وباراك أوباما معضلة مكافحة التنظيمات الإسلامية في الدول الهشة، وفضلت الإدارتان اتخاذ خطوات لدعم السلطات القائمة، ومساعدتها من الجو، وتقديم خدمات استشارية أمنية، وكل ذلك، تفاديًا لخوض أعمال قتالية مباشرة، خصوصًا مع الصعوبات التي واجهت الأميركيين في أفغانستان والعراق.

وإذا كانت هذه الرؤية في بعض أوجهها مكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية من الناحية المادية، وربما عديمة الجدوى أحيانًا، إلا أنها ستبقى مستمرة، بوصفها خطًا رئيسيًا في مواجهة قوى إسلامية إرهابية، وهو ما سيتضح أكثر بعد “الربيع العربي”، حيث أبقت الولايات المتحدة قضية الإرهاب أولوية في الميدانين العراقي والسوري، وأنشأت تحالفًا واسعًا للحرب على “داعش”، لكن مع التحفظ على عدم خوض أي انخراط مباشر لجنودها للقضاء على “داعش”، أو “جبهة النصرة”، أو سواهما من التنظيمات الإرهابية.

وإذا ما راجعنا عددًا من التصريحات الأميركية بخصوص “داعش” فإننا سنجد أنها افترضت خوض حرب طويلة ضد التنظيم، وعلى الرغم من الانتقادات العديدة التي وجهت للإدارة الأميركية بهذا الخصوص، إلا أن مفهوم الحرب الطويلة نفسه كان قد تأسس فعليًا، وكما ذكرنا، بعد حوادث أيلول/ سبتمبر 2001، ويعكس فهمًا أميركيًا محددًا للإرهاب الإسلامي، يقوم على أن هذا الإرهاب لن ينتهي خلال سنوات، بل وربما خلال عقود، وتدعم هذه الرؤية أعداد كبيرة من الأبحاث، والهيئات الأمنية الأميركية.

ويمكن لنا أن نجمل عددًا من العناصر الحاكمة للرؤية الاستراتيجية الأميركية تجاه الحرب على الإرهاب الإسلامي:

  • إن هذه الحرب هي حرب طويلة، وقد تمتد إلى عقود من الزمن.
  • المساحة الجغرافية للحرب على الإرهاب الإسلامي تمتد على مساحات جغرافية هائلة.
  • المواجهة المباشرة هي أسوأ الطرق لمواجهة الإرهاب الإسلامي.
  • لا يمكن اعتماد آليات واحدة لمحاربة الإرهاب الإسلامي.
  • لا بدّ من التعاون مع بعض الدول، حتى لو كانت هذه الدول فاشلة، أو لا تتمتع بشرعية دولية أو وطنية كافية.

 

  • Social Links:

Leave a Reply