لم نشأ أن نطرح تساؤلنا بصيغة أخرى كأن يكون مثلا : هل يمكن للشعب السوري بعد كل ما واجه من تحديات وما ألم به من محن ومصاعب أن يستعيد تاريخه . ذلك اننا كنا وما زلنا على قناعة راسخة بأن ارادة شعبنا الذي قدم حتى الآن كل هذه التضحيات الجسام لا بد ان تنتصر في النهاية , كيف لا و روح ومقومات هذه الارادة تنغرس في اعماق آلاف السنين من عمر الحضارة الإنسانية من جهة , ولأن تاريخ هذا الشعب البعيد والقريب , بكل دروسه وعبره وبكل مافيه من صفحات ناصعة وايجابية ,أو صفحات قٌاتمة وسلبية انما يعزز ويضاعف في حصيلته . وبصورة موضوعية , ثقته بنفسه ويؤهله لتحقيق طموحاته المشروعة في التحرر والديمقراطية والتقدم , واستعادة دوره المعهود على صعيد قضايا امته المركزية او على الصعيد العالمي من جهة ثانية .
اليوم وبعدانقضاء اكثر من خمس سنوات على ثورة الشعب السوري من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية ,وبعد ان تم حرف هذه الثورة عن مسارها الشعبي السلمي المدني و بعد ان تم اغتيال اهدافها وتشويه هويتها وتحولها الى حرب اهلية وصراع مذهبي مدمر يمتد من طهران الى صنعاء , ونتيجة تواصل هذا المسارالذي تتحكم فيه كل الأطراف والقوى الخارجية وفق مصالحها الحيوية في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم , اليوم يواجه مصير شعبنا في خضم استمرار وتفاقم اخطار المأساة الوجودية التي يعيشها خيارين لا ثالث لهما : فاما وقف هذه الحرب المقتلة التي لا هدف لها الا استكمال تصفية ما تبقى من كياننا الوطني ,واما ان يستعيد الشعب السوري الواحد ذاته ويسترجع تاريخه فينهض بارادة جما عية واعية لوقف هذه الحرب المدمرة وعكس المسار الحالي للاحداث والسير في طريق استعادة لحمته الوطنية وبناء دولته المدنية الديمقراطية المنشودة.
الأن واذ اصبح المجتمع الدولي هو الذي يملك مفاتيح حل المسألة السورية التي ارتبطت كما هو واضح للجميع بأزمات المنطقة الأخرى بل وبقضايا الصراع الساخنة على الصعيد الدولي وبخاصة بين الدولتين الأقدر فعلا وتأثيرا ,ونعني بهما روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية , فان هذا الوضع الذي وصلت اليها قضيتنا الوطنية لا يعفينا نحن السوريين من استرجاع ووعي أبعاد مسؤوليتنا في الحال ,او على الأصح ,المحنة التي تعيشها بلادنا اليوم , هذا من جهة , كما اننا نتحمل ايضا مسؤولية اساسية في تعيين صورة المستقبل التي تلبي حقوق شعبنا ولو مرحليا وذلك في ضوء ما قد تتوافق عليها الإرادات الدولية فيما يخص وطننا وربما المنطقة بصورة عامة . وفي راينا ان تحملنا لمسؤوليتنا الوطنية هذه ,لا يمكن ان يتحقق بما ينسجم مع ارادة شعبنا , اذا لم نكن نحن السوريين موحدي الرؤية والموقف تجاه العوامل والأسباب الرئيسية التي قادت الى الوضع الكارثي الذي تعيشه سوريه الأن .حيث كان مجتمعنا ولا يزال هو الضحية المستهدفة من استمرار هذه الحرب الشرسة بين الطرفين المتقاتلين اي نظام الاستبداد والقهر والفساد من جهة ,والمجموعات الظلامية التكفيرية من جهة اخرى وحيث يتضح للجميع في كل يوم ان لا حصيلة ولا حصاد لاستمرار هذه الحرب الجنونة الا استكمال الإجهاز على ما تبقى من اسس كياننا الوطني , في الوقت الذي يواصل فيه قصيرو النظر , او اولئك الذي استلبت اراداتهم وتخدرت ضمائرهم الحديث عن انتصارات مكاسب او عن هزائم او تراجعات , وعن تحرير هذا الحي اوذاك .. او تد مير هذه القرية اوتلك وحتى ,وبدون اي رادع اخلاقي او اي وازع وجداني , عن ازالتها ومحوها من الوجود.
لاشك ان نظام الاستبداد الشمولي الفئوي هو السب الأساس فيما وصلت اليه اوضاع سورية اليوم ,وذلك نتيجة سياساته ومما رساته منذ قيامه نهاية سبعينات القرن الماضي , وكنت شخصيا ارى على الدوام وفي سياق مسلسل جرائم هذا النظام على الصعيدين القومي والوطني ان هناك من بينها ثلاث جرائم , لها خصوصيتها ,ارتكبها بغية تضليل الرأي العام حول ماهية هويته وطبيعته قبل ان تنكشف صورته الحقيقية للقاصي والداني بعد مرور سنوات معدودات على قيامه . أما تلك الجرائم الثلاث , فان أولها انقلابه على الحزب الذي كان جزءا من قيادته وانحرافه بل وارتداده عن جوهرالخط الفكري والسياسي لهذا الحزب , في الوقت الذي زج به معظم قيادات وكوادر الحزب في السجون والمعتقلات لعشرات السنين حيث استشهد عديدهم في غياهب تلك السجون , بينما كان مصير البعض الآخر التشرد في المنافي وديار الهجرة , وقد ترافقت عملية تصفية الحزب الشاملة هذه وكما هو معروف بان أبقى راس النظام الذي تحول الى نظام الشخص الواحد والفرد المطلق الصلاحيات , على اسم الحزب اسما للتنظيم الذي ركبه كجهاز من اجهزة السلطة الجديدة , ذلك التنظيم الذي لا تتوفر في صلاحياته وفي حياته الداخلية اي من مقومات ومواصفات اي حزب مهما كان خطه السياسي او ايديولوجيته الفكريه , هذا الأمر الذي ادى كما ادى نظيره في العراق آنذاك الى ان تلصق سياسات وممارسات هذين النظامين الشموليين الفرديين بمبادئ وافكار حزب البعث الذين كان في واقع الأمر مستلبا ومختطف الإسم من كليهما . هل نحن اذ نحاول هنا واذ نحاول وضع الحقائق الموضوعية امام اجيال الحاضر والمستقبل في موضعها الصحيح يمكن ان يخطر في بال احد اننا نتقصد الدفاع عن حزب معين او تجارب ماضية في مسار حركة التحرر العربية ؟؟ لا ليس هذا ما نرمي اليه على الإطلاق .فكما نعلم ان تجارب الحزب الواحد قد ادت دورها وانتهت في مواطنها الأصلية , اي فيما كان يعرف ببلدان الكتلة الاشتراكية , حتى ان الثلاث المتبقية منها والتي قاد الحزب الواحد فيها ثورات تحرر وطني ومجتمعي حقيقية ,وهي الصين والفييتنام وكوبا هي الآن ,طال الزمن او قصر ,على عتبة التحول الى مرحلة الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية . ثاني تلك الجرائم التي ارتكبها النظام القائم هي التلاعب ببنية الجيش السوري الوطني وحرفه عن وظيفته الحقيقية ووضعه في مواجهة شعبه . هذا ما لحق بالجيش السوري الذي كان على الدوام في مقدمة الجيوش العربية من حيث كفاءته المهنية العالية وشجاعته وتضحياته المشهودة وروحه القتالية المتميزة والتزامه بقضايا شعبه وامته المصيرية . اما ثالثة الأثافي اي الجريمة التي مارسها النظام بحق شعبنا ومجتمعنا على امتداد العقود الأربعة الماضية ,والتي استكملت فصولها في مناخ التصحر السياسي وانعدام ابسط الحريات الديمقراطية وتسطيح وتشويه برامج ومناهج التربية والتعليم وافتقارها الى كل ما يتصل بحقوق الانسان والمواطن ودور الشعوب في تقرير مصيرها في مقابل التركيز على دور الفرد المستبد –القائد الأوحد الى أبد الأبد , وتصويره بانه صانع تاريخ الامة وباني أمجادها , ثالثة تلك الجرائم هي العمل الممنهج على تمزيق اسس الوحدة الوطنية من خلال الممارسات المتعددة التي كانت تدفع بمكونات شعبنا الى ان تكون في مواقع التشكيك والتخوف من بعضها بعضا ومحاولة نزع الثقة بمصيرها المشترك وايهامها بان وجودها وامنها مرتبط باستمرار هذا النظام وان حقوق المواطنة المتساوية والعدالة والحرية هي امور ثانوية أمام ما يمكن ان يحدق بها أوتتعرض له من تحديات ومخاطر في حال رحيل هذا النظام .
اما العامل الأخر وراء انحراف مسار الثورة السورية ووصولها الى الأوضاع المأساوية التي تعيشها بلادنأ الأن ,العامل الأشد خطورة واجراما واستهدافا لمقومات مجتمنا الوطنية والإنسانية والحضارية , فهو بلا شك الدور الذي تضطلع به المجموعات والتنظيمات الظلامية التكفيرية الإرهابية التكفيرية التي تعود بممارساتها الإجرامية الوحشية الى العصور ما قبل الوسطى. فهذه المجموعات الارهابية لا هدف لها الا العمل على استكمال تدمير اسس الدولة السورية والاجهاز النهائي على مقومات الهوية الوطنية السورية وافقها الطبيعي اي الهوية العربية الانسانية الحضارية مستغلة ومشوهة في كل ما تطرحه وما تمارسه قيم الاسلام ورسالته الانسانية السمحة التي تدعو الى الخير والسلام والتكافل والعدل بين كل الأقوام والشعوب على اختلاف مذاهبها ونحلها . واذ نعيش نحن السوريين اليوم على اختلاف مواقعنا واماكن تواجدنا مرارات واوجاع وبؤس هذه المحنة المصيرية التي تواجه شعبنا ,فان هذا الواقع يبين الى اي مدى فرطت معظم معارضاتنا الخارجية ,التي ما تزال تصر على احتكار تمثيل ارادة شعبها , بواجبها الوطني عندما تسابقت الى الانخراط والتبعية لأجندات الدول الاقليمية من جهة , وعندما عملت وما تزال حتى اليوم على التغطية على هوية وحقيقة قوى الارهاب الأصولي من جهة أخرى . حتى بلغ بها الأمر اليوم الى أن تبارك لجبهة النصرة جهادها وتعتبر تغيير اسمها مكسبا ثوريا !!! ولتعلن رسميا ان مايسمى بجيش الفتح الذي يسابق النظام والقوى المتحالفة معه في مواصلة عملية تدمير حلب التي طال اسرها بأنه هو جيش ثورتها هي , و انه هو نفسه وبمكوناته الحالية ماكانت تطلق عليه تسمية المجموعات المعتدلة ,وذلك في تحد سافر ومناورة مفضوحة لتصنيف الأمم المتحدة بشأن المجموعات الإرهابية والمتطرفة , وهو ما كانت ترى فيه البديل لفصائل الجيش الحر التي تولت تلك التنظيمات الارهابية تصفيتها وانهاءها في معظم محافظات القطر!!! اليوم واذ تتواصل ماساة شعبنا بين تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته في وضع حد لهذه الكارثة الانسانية ,وبين تخلف واستهتاروعبثية مجموعات المعارضة السورية القيام بدورها الوطني المطلوب فما الذي يمكن ان ينتظره شعبنا المغلوب على امره والمستلبة ارادته والمستباحة ارضه , وما ذا بمكانه ان يفعل في مواجهة قوىالاستبداد والارهاب التي اثبتت انها من طبيعة واحدة متلازمة تلازم السبب والنتيجة ,اذ كان امرا طبيعيا ان يتحول نظام الاستبداد الى نظام ارهاب قل نظيره في عالمنا الراهن ,كما كان أمرا طبيعيا ان تتحول قوى الارهاب الى ابشع واقسى سلطات التخلف والاستبداد في الإمارات التي تسيطر عليها الآن فكيف اذا أتاح لها مكر التاريخ ان تتحكم بمصير وطننا ؟؟؟
مهما كان مكر التاريخ قاسيا ومهما كانت بعض احداثه مفاجئة وطارئة اوغير متوقعة و كانت في الكثير من الأحايين مؤلمة وصادمة بالنسبة للعديد من المراقبين ,لكن مسار التاريخ العام في نطاق كل شعب من الشعوب وعلى صعيد الكل الإنساني الأشمل , وبرغم ما قد يعترضه من تراجعات واخفاقات وما يتخلله من محن ونكبات هو في النهاية مسار متقدم نحو الآفاق التي تهدف الى انتصار ارادة تلك الشعوب والى تعزيز حقوق وحريات ورفاه الأفراد والمواطنين , وبالتالي مواصلة علية التطور والتقدم نحو الغاية التي وجدت من اجلها الإنسانية ., فالى اولئك المعارضين المتحمسين الذين عقدوا العزم على السير في طريق منظمات الارهاب ورفع راياتها السوداء بدعوى انها ستجلب الخير والحرية والعدالة والديمقراطية لمجتمعنا وتخلصه من خطر الاستبداد والقهر والاستلاب لهؤلاء جميعا , ومهما كانت نواياهم وكان مستوى وعيهم , لهؤلاء نقول ان شعبنا المصمم على استعادة تاريخه القريب والبعيد الحافل بكل الدروس والعبروبكل التجارب المفيدة لن يقع في مصيدة الخيار بين الرمضاء والنار وسيكون وعيه العقلاني لتاريخه وتاريخ الشعوب المعاصرة خيرملهم وحافزله في تجاوز محنته المصيرية الحالية وتحقيق طموحاته في بناء دولة ديمقراطية حديثة . مثل واحد يخطر على البال هنا وربما ارى من المفيد ان نتذكره , ونحن نسترجع صفحات تاريخنا القريب عندما نعلم ان القائد الوطني الديمقراطي العلماني المتميز الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ,اول وزير خارجية للدولة السورية التي تم الاعلان عنها عام 1920 ,والذي كان كما يتفق على ذلك الجميع العقل المخطط للثورة السورية الكبرى , كان اول ضحايا الارهاب والتطرف الديني في وقت لم يكن يتبنى ويمارس هذا الفكر الا نويات محدودة ومعزولة في جسم المجتمع السوري بحكم سيادة الروح والرابطة الوطنية الجامعة على كل ما عداها من روابط وعصبيات متخلفة والتي اضحت اليوم مع الأسف , خناجر مسمومة ومغروسة في اعماق اجتماعنا الوطني .

Social Links: