دولة المخابرات
حال استلامه السلطة في 30 كانون الثاني 1933 أراد هتلر ان يبرئ نفسه من محاولته الانقلابية عام 1923، فأعلن من الراديو انه سيحترم التقاليد السياسية في البلاد، بما في ذلك البرلمان. وفي أول جلسة برلمان أعقبت الخطاب، دخل نائب برلين الجنرال النازي (غوزيغ) قاعة البرلمان مع سرية مسلحة من (الأس أس) بقمصانهم البنية وصلبانهم المعقوفة يسيرون مشية الأوزة.
وما كان ذلك مجرد استعراض قوة نازي، إنما بداية الانقلاب التدريجي الثاني تحت مظلة الشرعية البرجوازية وقد بدأ الانقلاب النازي الثاني بإحكام القبضة على البوليس.
وكانت النازية منذ ما سماه هتلر (سنوات الصراع) شغوفة بتكوين الأجهزة البوليسية الحزبية:
SS: جهاز الحماية الخاص بهتلر وتطور فيما بعد ليصبح جهاز الحرس والمخابرات السياسية النازية.
SA: (العاصفة) الجهاز الصدامي الخاص بمهاجمة الأعداء واغتيالهم وحماية المهرجانات النازية.
SD: جهاز أمن الحزب والخطوط المائلة في الأحزاب الأخرى.
لكن هذه الأجهزة جمعت تدريجياً بحيث أصبح جهاز (الأس أس) القوة المهيمنة باعتباره تنظيم النخبة الحزبية والعرقية.
وعندما أمسك الحزب النازي لسلطات بيديه، بدأ بإزاحة الأعداء. وما من وسيلة لتحقيق ذلك أفضل من تنسيق مستتر ومكشوف بين القمع المنفلت في الشارع الذي يقوم به (الأس أس) وبين الحرس الرسمي الذي يقوم به جهاز البوليس التقليدي. وقد بدأ (غورنغ) بتصفية الجمهوريين والليبراليين في جهاز الشرطة حال تسلمه منصب قوميسار الداخلية في بوليس بروسيا التي تضم برلين، وعوضاً عن الشرطة الذين اقيلوا، حلت العناصر النازية في هذا الانقلاب التدريجي. وقد شملت عملية التبديل هذه ثلثي عدد أعضاء الجهاز من المخبرين والشرطة والمسلحين. وبتسلل، مكشوف ومستتر، أدخلت أجهزة الأمن التابعة للمخابرات النازية الى جهاز الشرطة التقليدي الذي تحول بدوره الى (الجستابو).
وفي 5 آذار 1933 بدأ أول اختبار للأجهزة الجديدة على المهمات السياسية الجديدة، وذلك بمهاجمة اجتماع للأحزاب اليسارية. وهاجمت الاجتماع مجموعات من ذوي القمصان البنية من حاملي الهراوات ولكنهم نقلوا بشاحنات البوليس الرسمي ثم تبع ذلك غارات على مقرات ومقاهي الشيوعيين في بوخوم، برسلاو، لايبزغ، شتاسفورت، دسدلورف. وتمت حالة الاستنفار المستمرة بذريعة (حماية أمن المواطنين). وفي السادس من الشهر نفسه هوجمت كل فروع التنظيمات الشيوعية ومقراتها وقياداتها وبيوت قادتها، بعد ان تذرع البوليس الرسمي باكتشاف أسلحة وذخائر ووثائق تثبت انهم كانوا يخططون لسلسة تفجيرات وطرائق تشمل عددا من المؤسسات والمصانع. وقد قام أعضاء الجهاز الصدامي النازي بتعذيب المتهمين داخل السجون الرسمية كما ورد في كتاب أبحاث في الفاشية لمجموعة من الكتاب الألمان، من دار اكاديمية النشر*برلين 1980.
وفي العشرين من الشهر نفسه أصدر (غورنغ) امرا باستخدام العنف لتفريق المتظاهرين، بما في ذلك اجتماعات الكاثوليك. ومع قرارات الطوارئ هذه أصبح امن برلين تماماً بأيدي النازيين- 300 ألف شرطي غير رسمي من حملة (السواستيكا) أصبحوا سادة الشارع وقد دفع لهم (غورنغ) ثلاثة ماركات يومياً. كان ذلك مقدمة الفصل الختامي الذي بدأ بحريق (الرايخستاغ).
لا حاجة للعودة الى تفاصيل ذلك الحدث، فقد اثبت الواقع والمحاكمات ان غورنغ نفسه دبر ذلك الحريق من أجل اعلان حالة الطوارئ. فحتى قبل ان يبدأ التحقيق كانت إذاعة الحزب النازي قد أعلنت ان الشيوعيين وراء هذا الحريق.
وفي نفس الليلة أعلنت حالة الطوارئ وأغلقت الصحف الشيوعية والديمقراطية لإبقاء الشارع اسير المعلومات التي تقدمها النازية وللتمهيد للحملة اللاحقة. ففي تلك الليلة ألقى القبض على 4500 شيوعي وديمقراطي. وكان جهازا الأمن والصدامي النازيين قد تقاسما الحرية وقاما بتعبئة شاحنات الشرطة الرسمية (بالمشبوهين) الذين لم يمكثوا سوى ساعات قليلة في معتقلات التحقيق ثم نقلوا الى معسكرات الاعتقال.
استند مرسوم حريق الرايخستاغ وحالة الطوارئ التي أعلنت في 28 شباط 1933 على أساس قانوني يكمن في المادة 48 من دستور (فايمار) وهي المادة التي تسمح للسلطة بإعلان حالة الطوارئ دون الرجوع الى البرلمان وذلك في حالة تعرض امن البلاد للخطر.
ولكن حالة الطوارئ هذه لم تكن حالة مؤقتة ابداً، اذ بقيت سارية طوال عمر الرايخ الثالث ويجري تجديدها اوتوماتيكيا من رئاسة الرايخ. وفي الافتتاح الأول لسياسة القوة والإرهاب غير القانوني استمرت ازدواجية القمع في الدولة النازية الجديدة. فقد صدرت قوانين (نورمبرغ) وجرى تعديلها بتعقيبات من قضاة نازيين من أمثال (شتوكرت) و( غلوبكة) وذلك لايجاد صيغ تبريرية للقمع الشامل. وكان الهدف من صدورها اقناع الألماني المتمسك بشدة بالقوانين بأن صيغة الدولة الدستورية البرجوازية ما زالت موجودة باعتبارها حامية العدالة والقانون، وخدّرت الألمان في مواجهة صعود الوسائل التي لا تقيد السلطة الكلية للقائد. غير ان قوانين الطوارئ اتاحت للنازية فرصة (تثوير الإرهاب) بتجاوز المحاكم وبيروقراطية الدولة، واقامت بدلاً عنها بيروقراطية إرهاب منفصل وقائم بذاته خارج أطر الدولة. وقد تم ذلك بالتوافق مع قيام دولة المخابرات التي تجاوزت المؤسسة الرسمية وانفصلت عن جهاز الدولة التقليدي.
ومن خلال جهاز الدولة غير المقيد تركزت دكتاتورية القائد وقدمت نفسها بصفتها نظام (ثائر) على الأطر التقليدية. وانيطت بماكينة (الأس أس) الرهيبة كل المهمات التي تقع في أولويات جدول اهتمام هتلر: الحفاظ على السلطة كما هي الحال مع (بشار الأسد) الذي يتشبه بالقائد بقدرته على ممارسة القمع والإرهاب في المجتمع، وكذلك قضايا السياسة السكانية وسياسة الاحتلال وتحجيم الخصوم الفعليين والمحتملين. وقد أصبح جهاز (الأس أس) القاعدة التنظيمية للرايخ الثالث.
تشريح (الأس أس)
تعود بدايات هذا الجهاز الى (سنوات الصراع) حيث تم تشكيله كحرس شخصي لهتلر ولكنه لم يرث التقاليد الصافية (للأس 2) . فقد قام الجهاز الأول على الانضباط والفداء والتحرك في وقت الخطر فقط من قبل الجنود المسرحين الذين يقومون بإسكات (المشاغبين) خلال الاجتماعات.
أما الجهاز الثاني فقد تكون كجهاز عدواني جوال من الأشقياء حاملي الهراوات. في عام 1926 توحدت قيادات الجهازين، ولكن لصالح (الأس أس) باعتباره جهاز الفوهرر الذي يضم النخبة العرقية المتفوقة داخل الحزب وشرطته في نفس الوقت.
وكان (هايدرشي) الذي تجمعه مع (هملر) صداقة قديمة قد بنى جهاز امن الحزب (أس دي) عام 1931 كجهاز رقابة لضمان سرية العمل الحزبي. وعند استلام السلطة تصرفت مجموعات الكوماندوس التابعة لجهاز (الأس أس) كحراس شخصيين ومجموعات امن شبه بوليسية. وبعد اندماجه بالشرطة السياسية اكتسب صفة أيديولوجية إضافة لدوره القمعي وأصبح الجهاز التنفيذي للفوهرر.
وفي بداية الأمر نشأ صراع بين الأجهزة الحزبية ومعها (الأس أس) وبين أجهزة القضاء التقليدية. ورغم ان النازية اعادت تركيب واختيار القضاة وفق ارادتها، إلا ان هذه الأجهزة صارت فيما بعد تعيق حرية وسرعة القمع. وكان هملر قد ابدى امتعاضه من تردد المحاكم في قضية حرية الرايخستاغ. فقد برأت الشيوعيين لنقص الأدلة، واكتفت بإدانة الهولندي نصف المجنون (ديرلوبيه).. لذلك أصدر عندها مرسوماً بإحالة قضايا (الخيانات الكبرى) الى المحاكم الخاصة والشعبية التي تقودها عناصر (الأس أس) والحزب والجيش.
وفي عام 1935 أصدرت المحكمة البروسية العليا قراراً باعتبار أوامر (الغستابو) و (الأس أس) غير خاضعة للاستئناف القضائي.
وامتلك هذا الجهاز فيما بعد حق التدخل في الجيش والإدارة وأجهزة الدولة الايديولوجية من خلال صلاحيات سرية وخاصة. وتتوج هذا التطور بدمج الرايخ فوهرر (أس أس) مع دائرة استحدثت مؤخراً (دائرة البوليس الألماني)، وجرت عملية الدمج بموجب مرسوم وقعه هتلر في حزيران 1936. وبذلك تمركز كل البوليس بعد ان كان تحت سيطرة الولايات ومن وزارة الداخلية الى (الأس أس) مباشرة، فتحققت بذلك استقلالية ماكينة الإرهاب عن الدولة. ووجد ذلك تعبيره في الألقاب الرسمية ل (هملر): رئيس البوليس الألماني وقائد (الأس أس).
وكن خضوع هملر لوزير الداخلية شكلي وتلبية للإطار القانوني، لأنه منح لقب عضو في رئاسة الحكومة واستحوذ نتيجة لذلك على بعض صلاحيات وزير الداخلية.
وفي بداية السلطة النازية بدأ الصراع بين وزير الداخلية (فريك) ورئيس المخابرات (هملر)، فقد أراد (فريك) التخفيف من راديكالية القمع وأصدر مراسيم تفرض قيوداً على الاعتقال الاحترازي في معسكرات الاعتقال. وكان هملر يرى على خلاف على خلاف وزير الداخلية البيروقراطي، ان معسكرات الاعتقال تختلف عن السجون التقليدية لأنها لا تهدف فقط الى معاقبة الأعداء، انما بث الفزع والحيلولة دون أي تفكير في مقاومة الحكم النازي.
تم تشكيل (إدارة سياسية) توازي الإدارة الحكومية وتعلوها. وفي خلفية الأمر يكمن هدف ثلاثي:
ان تكون هناك دائرة (أس أس) في كل مجال سياسي.
الدمج الكامل لأجهزة الشرطة في الأس أس.
تحويل الأس أس الى جيش.
وبذلك تصبح المخابرات نظام حكم له بيروقراطية خاصة وأداة قمع قادرة على التحكم بأي نشاط حياتي.
ولغرض تنفيذ مهمة الجهاز الأيديولوجية انيطت بالأرستقراطية قيادة هذا الجهاز. ويتكون كادر الجهاز الأساسي من المثقفين. فمن مجموع عدد الأعضاء البالغ 210 آلاف كان 32 ٪ من المسؤولين المتقدمين من خريجي الجامعات والمثقفين الشباب الذين أخفقوا في الحصول على المناصب التي كانوا يطمحون اليها. وهناك 25 ٪ من أساتذة الجامعات. ومن هذا الوسط نشأت (الجريمة العلمية) التي تتجلى بإقامة مراكز بحوث داخل معسكرات الاعتقال لدراسة الآثار (التيوتونية) في أجساد المعتقلين وجماجم الشعوب المنحطة وتناسليات العنصر المهيمن.
أما القاعدة المسلحة لجهاز الأس أس (SS. Waffen) وكذلك مجموعات (الجمجمة) التي تشرف على حراسة معسكرات الاعتقال فتتكون من الرعاع والبروليتاريا الريفية.
لقد تحدد الدور الأيديولوجي لجهاز الأس أس بتحوله الى بوليس سياسي وأداة أساسية لتنفيذ إرادة الفوهرر. وقد أراد (هملر) تحويل هذا الجهاز القمعي الأيديولوجي الى رابط داخلي بين البوليس الذي يفترض فيه حماية الشعب وبين الحزب باعتباره (حاملاً للإرادة الوطنية). ولكن في حقيقة الأمر لم تكن مهمة الجهاز حماية النظام، انما اعادة خلقه. ففي النظام البيروقراطي النازي يفترض في عضو الجهاز الإداري طاعة رئيسه الإداري طاعة عمياء. لكن هذا التسلسل التراتبي من الطاعة ينقطع من قبل عضو أدنى مرتبة إذا كان مرتبطاً بالأس أس. ولم تكن تدخلات الأس أس في شؤون الجهاز الإداري لأغراض أمنية فقط، بل كان يأخذ على عاتقه مهمات الرقابة الحزبية على هذا الجهاز، وكان له ممثل في اية لجنة قيادية او هيئة أيديولوجية في كافة مرافق جهاز الدولة (التربية، الجامعة، القضاء، الرقابة على النشر، التخطيط والرقابة الاقتصادية، الاذاعة، النقابات، منظمات الشباب…الخ) وبتكون الدولة المستقرة يصبح هذا الجهاز فوق الحزب ايضاً فيستخدم الحزب كأداة في يده. ويعتمد الأس أس على الإرث السابق لجهاز (الأمن السري – أس. دي) الذي انشأه (هايدريش) كجهاز رقابة على الحزب ومن داخله.
يتكون الهيكل الرسمي للبوليس السري من 100 ألف مخبر رسمي يقدمون المعلومات لثلاثة الاف موظف يقومون بتصنيف المعلومات وتحليلها. ولكن الرقابة على الشعب لا تتم عبر الموظفين، انما من خلال حوالي المليوني مخبر حزبي وشعبي يقومون برفع التقارير لجهاز الأس أس، ويرفعون التقارير عن أي نشاط مشبوه. وقد حددت عملية التجسس هذه، حتى على افراد العائلة نفسها، جزئاً اساسياً من واجبات العنصر الحزبي تجاه الدولة والقائد.
ومن خلال السطو على مهمات الدولة والحزب تصبح مهمة الأس أس قمعية وايديولوجية، وقد حددها (هملر) بنقطتين:
1التكوين الشامل والدائم لكل فرد في الأمة ..
2تأمين رقابة دائمة على وضع كل فرد في المجتمع ..
وبتوسيع قاعدة الجهاز من الحزبيين والموظفين تكتسب هذه الهيئة الطفيلية، من جراء المركزية المشددة، وجوداً ثقيلاً ومنتشراً وقدرة على المعرفة والحركة المرنة بحيث تثبت وطأتها في كل مكان. وانتقل الشرطي، من جراء الرقابة والخوف، ليعيش داخل كل فرد حتى أصبحت المانيا كما وصفها (بريشت) في (كتابات في المنفى) :”شعب من المذنبين … فالذي يقوله الأب لابنه يقوله لكي يتجنب الاعتقال، والراهب يبحث في انجيله عن وقائع يستطيع تلاوتها دون ان يتعرض للاعتقال، والمدرس يبحث عن سبب يفسر به إجراءات (كارل الكبير) لا تعرضه للاعتقال، والطبيب يختار لدى توقيعه شهادة الوفاة عن سبب لا يؤدي الى الاعتقال، والشاعر يفتش في ادق زوايا دماغه عن ابيات لن يقتل بسببها”.
يتبع ..

Social Links: