جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 11 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 11 ــ

 

صناعة الجلادين ..

تتم صناعة الجلاد اولاً في الشارع المشتعل بالتعصب والكراهية، ففي المهرجانات يسمع كلمة (الأعداء) وهي تتكرر بصوت صاخب، وكلما احيط الانسان ببيئة معادية أصبح من السهل اشتغاله بالتعصب والكراهية، ولا تتيح النازية لمواطنها فرصة يمكن ان يسمع فيها صوت عدوه. بل هي تحجب الصورة الواقعية للأعداء بطوفان من القمع والديماغوجية ولذلك لا يسمى الأعداء الا بأسماء الحيوانات وينعتون بأسوأ الصفات. والنازية التي تتعامل دائماً مع الكتل البشرية المستثارة، تهمل شكوك الأفراد ولا تجيب عنها، ويفضل الفرد الاندماج مع المشاعر العامة والشائعة حتى لا يبقى وحيداً. ولا يعود يسمع الا صوت الفوهرر ويصبح مستعداً لتنفيذ أكثر الشرور هولاً ما دام الفوهرر يريد ذلك. ومن داخل هذا الوسط يجري اختيار الجلاد المحترف  وفق   شرطين   أساسيين:

النقاوة العرقية -واللياقة البدنية

وللتأكد من السلامة العرقية تجري مراجعة سجلات المتقدم لمدة 150 عاماً للتأكد من عدم وجود دم دخيل في سلالته. وبعد دخوله الجهاز يخضع لرقابة متشددة للحفاظ على نقاوته، حيث يجري التحكم بعلاقاته الجنسية بحجة الحفاظ عليه من الأمراض السارية التي قد تؤثر على صحة الأبناء فيما بعد. وفي داخل المعسكرات تتم عمليات الزواج بين أعضاء وعضوات الجهاز لتحسين النسل على طريقة الخنازير المدجنة.

ويخضع الأعضاء لنظام خلقي صارم على الطريقة الفروسية البروسية لتنمية الانضباط والطاعة لدى الأعضاء ويخضعون لنظام غذائي ورياضي ثابت للحفاظ على اللياقة البدنية. وتدور حياتهم في معسكرات ونواد وأحياء سكنية مغلقة خاصة بهم. وتجري تنمية روح تضامنية منغلقة بينهم. اذ ان لائحة (الأوامر السوداء) الصادرة بتوقيع (هملر) تعلمهم: “أن أكون شريفاً مخلصاً فقط لرفاق الدم الواحد”.

أغلب الجلادين الذين استفتاهم المحقق الأمريكي (تيلفور تايلر) لا يعرفون متى وكيف تغيروا من مواطنين من عامة الشعب الألماني الى جلادين محترفين. لأن الفاصل بين المواطن المتعصب المشتعل بكراهية أعداء لا يعرفهم وبين الجلاد المحترف هو فاصل هلامي وزمني فقط. كما ان كراهية العدو لا تبدأ من الجهل انما من الإصرار على الجهل.. فالمواطن الذي تتسلط عليه الكراهية والتعصب ينبذ أي تحليل منطقي ويرفض فكرة خصمه بكل احتقار حتى قبل ان يسمع بها، اذ تم تلقينه ان عدوه كائن لا علاقة له بالبشر، او على الأقل كائن لا حقوق له. وكلما ضاق افق المواطن تتوسع إمكانية تعميم الكراهية، خاصة إذا كان المكروه مجهولاً. وفي هذه الحالة يرتفع معدل التأثر بالغرائز الحيوانية والدنيا. وقد ركزت النازية كثيراً على تهويل الفظائع التي يفعلها الأعداء لتولد ما يقابلها من مشاعر الثأر. وقد أجاب 92 ٪ من الجلادين عن سبب ارتكابهم تلك الجرائم بانه: ” قيل لهم بأنه دفاع عن النفس او أداء واجب يصعب رفضه”.

يبدأ الجلاد خطوته الاولى بسبب الخوف من السلطة، ولكنه يتوغل في المهنة عندما يصبح خائفاً على السلطة بعد ان ارتبط بها بوشيجة الدم والمصير، فينفذ الجلاد مهمته في البداية اذعاناً لمبادئ الطاعة العمياء التي تسود الجهاز القمعي النازي. فالقسَم الذي يؤديه المنتسب لجهاز الأس أس يقول:” سأنفذ أيضاً أي مهمة توكل الي من قبل المسؤولين دون اعتراض او تردد”. ما دامت هذه الأوامر هي امتداد لإرادة الفوهرر المقدسة. وفي بداية المهمة يعاني الجلاد الجديد من حالات عصاب ودمار ذاتي، فخلال محاكمته قال الكومندان (أر. هوس) الذي كان يصدر أوامر إطلاق النار على المحكومين بالإعدام في منسك: “في أواخر صيف 1941 كنا ننفذ عملية اعدام جماعية بعدد من الروس، وكان هناك عدد من القناصين الجدد يمارسون اول تمرين عملي في الإعدام، بعد إطلاق النار وسقوط الضحايا أغمي على عدد منهم، وبعضهم أصيب بصدمة، او دمار ذاتي، فظلوا يصرخون في نومهم. وكنا نعرف ان شيئاً من هذا سيحصل لهم في بداية الأمر، ولكنهم سيجتازون هذه الحالة فيما بعد”. ففي البداية يشعر الجلاد وهو يضغط على الزناد انه سيقتل شيئاً في داخله، ويحاول ان يطلق النار بسرعة ليحسم تردداً في داخله “ولذلك غالباً ما تخطئ الرصاصات الأولى” كما توصلت الى ذلك خبرة الكومندان (هوس).

ويصبح العدو الخارجي ضحية للعدو الداخلي الذي يقلق الجلاد ويعاقبه في أحلامه او في ردود فعله النفسية وتتجلى هذه العلاقة بين الجلاد وضحيته بوضوح اشد خلال عملية التعذيب لتبديل عقيدة الضحية أو اجبارها على الخيانة. فخلال عملية التعذيب يتعرض المحقق الجديد لتبدل في عقيدته. وقد تحدث الطبيب السويدي (جوست ام. ميرلو) مع جلاده في المعتقل النازي (كان شابا جميلاً وذكياً) كما وصفه، وكان يعترف بتردي إنسانية الألمان وبالفظائع التي يمارسونها، ورغم مظاهر الحزن البادية على وجهه، فهو يفلسف عمله بالاستناد الى الفظائع التي يقوم بها الحلفاء بالمقابل وكان يردد المقولات التي لقنوها له:” الشر والقسوة كامنان في الانسان منذ بدايات الخليقة، وإننا نستخدمه لصالح الوطن والفوهرر” ثم يلتقط المشرط ثانية ليواصل التعذيب بوحشية أشد وليقطع الصلة بفكره وانسانيته. ويتذرع الجلاد باحتقار عدوه وكراهيته اعتماداً على الصفات التي تلقاها، خائفاً من معرفة ذلك العدو ومنطقه، وهو يردد مخاوف الجلاد (اولندروف):”انه دفاع عن النفس، سيقتلني إذا لم أقتله!” وإذا نجح في تدمير عدوه على كرسي التعذيب فانه بالمقابل يدمر شيئاً في نفسه، فيصبح مثقلاً بالاثم والكراهية الذاتية. وحين تتجسد هذه الكراهية تتحول الى خطر على المحقق-الجلاد، ويتأكد انه ملاق نفس الدمار الذي أصاب ضحيته. وبدلاً من احساسه بالرضى ينشأ في داخله فراغ مؤلم يلتهم مزيداً من طاقته، ويتطلب ضحية جديدة وتمادياً في الجريمة ليقطع الخوف الذي يقلقه.

وكلما استمر الجلاد في ممارسة حرفته هذه، يصبح أكثر طلاقة وتصبح القسوة تعويضاً عن التوتر الذي فرضه على نفسه خلال حياة السلم. وتدريجياً سيسترجع وجدان الوحوش الكاسرة. وكما يقول (نيتشه) في (إرادة القوة):” وبعد سلسلة من عمليات القتل والحرق والاغتصاب والتعذيب، سيصيرون وحوشاً فرحة نشيطة.. سيذهبون خفيفين وقد حلّ عليهم سلام عجيب وكأنهم عادوا من مزحة طلابية طيبة، مقتنعين بأنهم وفّروا لأمد بعيد مادة للأغاني ولقصائد الشعراء”.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply