جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 16 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 16 ــ

 

ثقافة الصوت الواحد ..

ومع توجهها لتوحيد البشر وإلغاء التمايزات الذاتية والسياسية، عملت النازية تدريجيا باتجاه توحيد الثقافة نازياً او (تنسيق الأصوات ضمن لحن موحد). وحتى قبل ان تتحدد امامها ملامح هذه الثقافة، كانت هناك تأكيدات كثيرة على ان النازية تريد ادلجة الثقافة. ففي لقاء مع المخرجين المسرحيين في 8 أيار 1933 قال (غوبلز) ” بمجرد استلام السلطة سيقوم الحزب الاشتراكي بإخضاع الحياة الثقافية للأيديولوجيا السياسية “. ورغم ان النازية تسامحت، لأسباب تكتيكية، مع اشكال فنية لا ترضيها الا ان وسائل اعلامها بدأت بمهاجمة ما أسمته (الليبرالية الثقافية اليهودية لجمهورية فايمار) ودعت الى الصوت الألماني الواحد، واعتبرت كل التيارات الثقافية التي لا ترضيها مدارس غير المانية. وبالتطبيق العملي اتخذ هذا الهجوم طابع معاداة الأدب اليساري والديمقراطي والحداثة عموماً. قال هتلر:” بقدر ما يؤلف الجمهور شعباً متجانساً يكون موقف هذا الشعب من ثقافته متجانساً… ان الدادائية والمستقبلية والانطباعية لا علاقة لها بشعبنا. فليست هذه القيم حديثة ولا قديمة، انما هي ثرثرة مصطنعة لرجال غير موهوبين. وأريد ان أعلن منذ عن قراري بتخليص الحياة الثقافية من هذه الجمل كما فعلت في السياسة”. وقد تواتر في هذا الهجوم على الثقافة الغربية كل من القمع الرسمي والقمع الشعبي. فقد أصبح التحكم النازي في الثقافة سياسة رسمية، وليس مجرد هجوم سجالي، بتأسيس المجلس الثقافي للرايخ في 22 أيلول 1933، باعتباره “حدث لا سابق له في تاريخ الناس” كما قال (روزنبرغ) في حفل افتتاحه، وانيطت به مهمة السيطرة على كل المؤسسات التي ينتمي اليها (شغيلة الفكر) وتنظيم الحياة الثقافية، وأشار القانون التأسيسي:” رغبة في اتباع سياسة ثقافية المانية يصبح من الضروري جمع الفنانين ذوي الطاقات الخلاقة في جميع الميادين داخل منظمة موحدة تعمل تحت قيادة الرايخ. وعلى الرايخ ان لا يكتفي بتقرير خطوط التقدم العقلي، بل يقوم على توجيه المهن وتنظيمها ايضاً”. وقد ضم المجلس الثقافي مجالس فرعية للأدب والصحافة والإذاعة والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والسينما، وكان انتماء كل من يعمل في حقول الثقافة المذكورة في اللجان الفرعية اجبارياً. وتحمل قرارات هذه اللجان قوة القانون وفي وسعها ان تطرد او ترفض قبول أي عضو لا تثق به او لأنه يرفض قبول الأفكار النازية … وبذلك يحرم من ممارسة مهنته ومن العيش على أساسها. وألغى المجلس الثقافي للرايخ الحدود الفاصلة بين الاعلام والثقافة، بل انه فضّل عملياً القيمة الإعلامية الآنية على البعيدة. ولتحقيق عملية الدمج هذه ولتركيز سيطرة وزارة الدعاية على كل جوانب العمل الثقافي ركز (غوبلز) في يده مسؤوليات التحكم في الثقافة والدعاية. فكان رئيساً لغرفة الرايخ الثقافية ومستشار هتلر لشؤون الدعاية ووزير دعايته، وكذلك المسؤول الإعلامي في الحزب ثم رئيساً للمدرسة الصحفية للرايخ التي تأسست عام 1935. وقبل ان تصل النازية الى تحديد (ثقافتها) كانت مهمة المجلس الثقافي تقتصر على القيام بدور الشرطي الثقافي فقط، أي اصدار (القوائم السوداء) التي تتضمن أسماء التيارات والمدارس والكتب والكتاب الذين لا يرضون الغرفة الثقافية. وقد استخدمت في محاربة الكتاب أساليب متدرجة تبدأ من (اعادة التثقيف) التي تعني جلسات تحقيق طويلة يشارك فيها (هملر) أحيانا، عبوراً بالحصار الإعلامي والاقتصادي والعزل عن الحياة، وانتهاء بالقتل في معسكرات الاعتقال.

وقد ترافق مع الحملة الرسمية هيجان (شعبي) صاخب ضد (الثقافة الضارة) اتخذ شكل مهرجانات لحرق الكتب التي ابتدأت في 10 أيار 1933. وكان أساتذة الجامعات وطلابهم الذين يرتدون الصليب المعقوف ينقبون رفوف المكتبات ثم يقيمون (حفلات النار) في الساحات العامة وساحات المدارس والجامعات. وفي ليلة 3 أيار وحدها، أُحْرِق 25 ألف مجلد في باحة جامعة برلين بحضور 40 ألف مشاهد. ولقد حدد عريف الحفل وحملة المشاعل الذين احاطوا به الكتب التي ستحرق بانها (شيوعية، يهودية، ليبرالية، غير علمية … باختصار غير المانية) وعلى لهيب نار الثقافة المحترقة القى الطلبة النازيون بيانا يقول :” ان كل كتاب يعمل على تهديم مستقبلنا او يضرب بمعاوله جذور ثقافتنا الألمانية، وبيتنا الألماني، وقوة شعبنا المحركة ، مصيره الحرق” وبعدها القى وزير الدعاية (غوبلز) كلمة قال فيها:” بوسع الروح الألمانية ان تعبر عن نفسها من جديد. ولا يقتصر عمل هذا اللهيب على اضاءة الخاتمة النهائية لعهد ماضي، بل يضيء ايضاً حقبة مقبلة”. وقد شملت القوائم السوداء والكتب المحروقة اعمال توماس وهاينريش مان، ستيفان زفايغ، اوغست بيبل، برتولد بريخت، ادوارد برنشتاين ، سيجموند فرويد، الفرد دوبلن، شتنتزلر، هوفمانستل، كستنر، هرمان هيسه، اينشتاين، ليبرمان، جاكوب فاسرمان، الفرد كير. وتعود قائمة الممنوعات بعيدا الى الخلف لتشمل هاينه وكافكا وماركس طبعاً.

ورغم ان عملية حرق الكتب اتخذت شكل القمع الثقافي المنفلت الا ان وزارة الدعاية كانت تصدر للطلاب مزيدا من القوائم السوداء لتمويل المحرقة، واختفت تدريجياً كل الكتب الماركسية، والكتب التي تعارض الحرب وحتى تلك الكتب التي تركز على الجوانب الذاتية. وشملت قائمة الممنوعات الفنون الأقل تأثراً بالسياسة. فقد اعتبرت الموسيقى اقل الفنون تأثراً بالهجوم النازي، ومع ذلك منعت اعمال (مندلسون) و(جوستاف مالر) والحان (بول هنديميث) وفي الرسم كان سلوك أصحاب قاعات العرض يقابل تماماً سلوك ناشري الكتب. فقد امتنعوا عن عرض أي عمل لا ينسجم مع الوصفات النازية، فمدرسة (الباوهاوس) اعتبرت من المدارس البلشفية. وبتوجيهات من الرسام الفاشل هتلر نظفت قاعات المانيا من (الفنون المنحلة) ورفعت أكثر من ستة آلاف وخمسمائة لوحة من اعمال فنانين المان مثل (كوكاشكا) و (كروز) و (ماكس بكمان) ولفنانين غير المان مثل (بيكاسو) و (مارك شاغال) و (غوغان) و (فان كوخ) و (سيزان) و(كاندينسكي). وقد كلفت لجنة الفن التشكيلي في الرايخ لجنة برئاسة (ادولف زيغلر) لاختيار لوحات (بيت الفن الألماني) والذي يدّعي هتلر بانه هو الذي صممه. وقد اشتمل المعرض على تسعمائة لوحة اختيرت من بين خمسة عشر ألف لوحة. وعند افتتاح المعرض غضب هتلر غضباً شديداً لعرض بعض اللوحات، ومزّق بعضها بحذائه لأنها (تدنس الشعب الألماني فنيا).

“الثقافة؟ كلما سمعت هذه الكلمة تمتد يدي تلقائياً نحو مسدسي” هذه العبارة التي نسبت الى الكابتن (غورنغ) تعبر عن الصراع بين النازية والثقافة الديمقراطية الجادة، ولا تعني الثقافة اطلاقاً. وهذا الصراع منطقي وحتمي، فالنزعة الارادية لدى النازية تريد من الجميع ان يصرخوا او يغنوا وفق إشارة من المايسترو النازي، هذه النزعة القسرية تصطدم بذات الفنان الحرة ووعيه الذاتي. ولذلك ينشب الصراع بين عقل الفنان الانتقادي وبين لاعقلانية السلطة واللاعقلانية عموماً، بين الحكمة الفردية والجنون اللاشخصي الشامل.

عند سحب الدكتوراه الفخرية منه، قال (توماس مان) لعميد جامعة بون النازي: ” اعرف ما تريده الاشتراكية القومية: تحويل الالمان الى قطيع متعصب ومحروم من أي حس نقدي”. وقد تنامى هذا الصراع كلما حاولت النازية ان تزيد من سطوتها. فبدأ الكتاب الالمان يحسون أكثر فأكثر ان عليهم عبور جسر خطر بين نارين، نار السلطة او نار الفكر، وان الحملة التي بدأت بالشيوعيين لم تتوقف عندهم انما مست كتاباً شغوفين بالوقوف على الحياد. كثيرون واجهوا الهجوم النازي على الثقافة بالاحتماء بصمتهم على أساس ان السياسة تكسر الشعر كما تكسر المطرقة الزجاج، ولكن النازية تعتبر كل من لا يمنحها التأييد (عدواً محتملاً). لذلك اخذت الصحافة النازية تلاحق الادباء والكتاب بالاستفتاء الشهير” لماذا اقدّس المانيا، لماذا أقدس الزعيم؟” لتوريط الكتاب والفنانين المحايدين وتلويث ثيابهم النظيفة بالدم النازي. فالنازية لا تكتفي بعضّ الاصبع، انما تطلب بعده اليد كاملة حتى تصل الى الدماغ، وهي راديكالية في قمعها، لا تتيح للمثقف امان الحياد، انما تدفعه نحو ذلك الخيار الذي لا بد منه: بين ضميره… وبين ارادة الفوهرر. لقد شمل الحصار النازي كتاباً قوميين كانوا يعتبرون أصدقاء للنازيين مثل (راينهارت ووله، ريتشارد بنز، ماكس هيلدبرتبوهم، هامز ناومان، رودلف هيرتسوغ…) وذلك لأنهم لم يتقبلوا الأسلوب العنيف الذي استخدمه هتلر، وعارضوا الهجوم على الثقافة، ولذلك هاجمهم (هملر) باعتبارهم من أنصار اول زعيمين للحزب النازي الصحفيين (هارير) و (دركسلر) واتهمهما هملر بالانتهازية. وفي نهاية الأمر اضطرت السينمائية (ليلى هوفمنستال) التي كانت عشيقة هتلر الخاصة ومصورته الشخصية للهرب الى امريكا لأن غوبلز أصرّ على ان تحذف من فيلمها عن دورة ميونيخ الرياضية لقطة تظهر ملاكماً زنجياً يهزم ملاكماً المانياً. وقد كان الناشر (اوسكار لوريك) يعتبر نفسه محايداً بين الجبهات، بل وأقرب الى النازية من اعدائها، لكنه كتب في مذكراته للفترة 1933-1903 والتي نشرت عام 1955 ” في النتيجة وبعد عشر سنوات من هذه السياسة لن يعود هناك ادب الماني”.
ومع توطد السلطة النازية بدأ مزيد من المثقفين يستشعرون وطأة الكابوس.. أخذت الحواجز المتنقلة والثابتة والدوريات تجوب السفن والقطارات بحثاً عن الذين يريدون الهرب من الكابوس النازي. ومع ذلك فقد شهد ربيع 1934 هروب 65 ألف الماني معظمهم من الكتاب والفنانين وأساتذة جامعات.

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply