سوريا توقفت عن الوجود كدولة فاعلة

سوريا توقفت عن الوجود كدولة فاعلة

مقالة ل –جوناثان سباير- في مجلة –Foreign Policy، السياسة الخارجية

دمشق، سوريا

في آخر ليلة قضيتها في دمشق قرر الأعضاء الشبان ضمن وفد وزارة الاعلام السورية، والذي كنت أشارك فيه حينها بصفتي مراسل أجنبي، قرر أولئك الأعضاء أن يحتسوا شراباً ما، كان ذلك في أواخر نيسان حيث نسيم الامسيات يساعد على تنشيط حركة الوافدين إلى البارات والمطاعم. وكان هناك صحافي روسي مخمور يرافقه جندي روسي يرتدي بزته العسكرية يدخلان البار الواقع مقابل الفندق الذي كنت أنزل فيه والكائن في المدينة القديمة حيث كان زملاء لي يجلسون هناك. سمعنا تبادل كلمات، تبعها شجار إلى أن وصل الأمر بالصحافي الروسي إلى سحب مسدس صوبه نحو جبهة أحد أعضاء الوفد المشارك. وبعد ذلك دخل إلى الفندق وهدد أحد الموظفين وهو ما زال برفقة صاحب البزة العسكرية. أما كيف انتهى الحادث فيدل بوضوح نحو الطرف الذي يمسك بزمام السلطة في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا. إذ بعد مغادرة العنصران الروسيان رأى أعضاء الوفد المشارك أن عليهم الاتصال بالمسؤولين لإبلاغهم بالحادث. وحين سأل ممثل القوى الأمنية السورية عما إذا كان المسلحان روسيان وجاء الرد بالإيجاب قال رجل الأمن أن السلطات السورية لا تستطيع أن تفعل أي شيء.

بعد ستة أعوام من الحرب أصبح بقاء نظام بشار الأسد شبه مضمون، وإن كان قد تحول إلى مجرد واجهة تفتقد إلى استراتيجية لتوحيد البلاد. ففي أغلب الأحيان أصبحت المصالح المتضاربة لروسيا وإيران في الأعلى وشبكات المليشيات في الأسفل تشكل بمجموعها العامل الحاسم في مجال تقرير مصير وحدة البلاد وليس قرار حكام البلاد، ويؤثر ذلك على الحسابات التي يجريها النظام لتحديد دوره في الحرب.

إن نظرة نحو الكيفية التي تطورت فيها الحرب خلال العام الماضي حين بدت الأمور وكأنها تتجه لصالح النظام بعد إخراج قوى الثورة من شرق حلب وتمهيد الطريق لإلحاق الهزيمة بالمسلحين. غير أنه وبعد مرور خمسة أشهر ورغم أن الحرب تسير ضد الثوار بشكل عام إلا أنهم ليسوا على وشك الانهيار، فهم مازالوا يسيطرون على محافظة ادلب، وبعض مناطق من اللاذقية، وحماة، ومناطق حلب الشمالية، بالإضافة إلى مساحات واسعة في الجنوب.

وتلقى الثوار في الجنوب دفعة قوية مؤخراً حين قام طيران التحالف بتنفيذ ضربات جوية استهدفت قوات موالية للأسد كانت تتقدم باتجاه قاعدة عسكرية تستخدمها الولايات المتحدة إلى جانب القوات الخاصة البريطانية وإذا صمم هؤلاء على حماية القوات الحليفة في تلك المنطقة فسيكون من الصعب تصور كيف يمكن للنظام أن يستعيد سلطته هناك. وفي المنطقة الشرقية تقوم قوات سوريا الديمقراطية وبدعم أمريكي بشنّ هجمات ضد الدولة الاسلامية والانتقال بعدها إلى الرقة آخر معقل للدولة الاسلامية في سوريا. أي أن اثارة الشائعات عن هزيمة الثورة أمر مبالغ به كثيراً. والسؤال هو هل لدى نظام الأسد الآن استراتيجية لتوحيد البلاد، أم أن تقسيم البلاد صار أمراً واقعاً؟

خلال عشرة أيام من اللقاءات مع مسؤولين من نظام الأسد ومن مستويات عليا ومتوسطة حاولت أن أحصل على الإجابة عن ذلك السؤال وما وجدته أن هناك هوة كبيرة تفصل بين نوايا النظام وبين الامكانيات العملية لتحقيق تلك الرغبات.

إن وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، علي حيدر، هو ممثل الحزب القومي السوري كما أنه يلعب دوراً محورياً في حكومة النظام لتوسيع رقعة المناطق الواقعة تحت سيطرته. والمصالحة هي عملية يعرض فيها النظام وحلفائه على الثوار ممرات آمنة للانتقال إلى إدلب أو جرابلس مقابل تخليهم عن المناطق المحاصرة إلى القوات الحكومية. وفي بعض المناطق قد يبقى الثوار وأنصارهم إذا قبلوا سلطة النظام. ومن المصالحات الأخيرة تلك التي تم ترحيل الثوار وحلفائهم من بلدات الزبداني ومضايا الواقعة في ضواحي دمشق الغربية إلى إدلب.

يقول علي حيدر أن وزارة الدولة لشؤون المصالحة بإمكانها أن تقود حلاً سياسياً شاملاً للنزاع في سوريا. وتابع موجهاً حديثه للوفد الإعلامي أن هناك أكثر من مئة بلدة وقرية تمكنت من إنجاز المصالحة الوطنية وإن هناك 3 ملايين سوري مشمولين بعملية المصالحة من بين 40 ٪ من السوريين الذين تأثروا بالحرب ومصطلح المصالحة الوطنية بالمعنى الذي ذكره الوزير ليس سوى إجبار المحاصرين الذين يفتقدون إلى أدنى مقومات الحياة بعد أن تم تدمير حتى المستشفيات لفرض حالة استسلام ثم تهجير قسري نحو مناطق أخرى مقابل جان يحل محلها جماعات دينية أو عقائدية موالية كالايرانيين من أجل فرض تغيير ديمغرافي للسكان وهي جريمة يرتكبها بشار الأسد بصفته دكتاتور يسعى إلى تحقيق حلمه الشخصي والطائفي بإنجاز ما يسميه (سورية المفيدة). غير أن (حيدر) نسي أن يذكر أن هذه الاتفاقية الأخيرة تحققت بوساطة (قطر) وهي أحد الداعمين الرئيسيين للثوار.

إن معظم هذه الاتفاقيات حتى الآن كان الغرض منها هو ترسيم حدود المناطق بين النظام والثوار وخلق جيوب متماسكة أكثر من كونها محاولة لتوسيع المناطق التي يسيطر عليها النظام. إن إطلاق كلمة (مصالحة) هو خطأ مقصود طبعاً، فالنظام لا يهمه سوى استسلام الثوار، ولكن نظراً إلى وضع القوى الحالي على الأرض وتوازنها بالإضافة إلى بطء العملية أدى إلى خلق هوة بين الأهداف والوسائل، مما يدعو المرء إلى طرح السؤال التالي على الوزير حيدر: ما هي استراتيجية النظام لتحقيق الانتصار وتوحيد البلاد؟ وما يقترحه الوزير بهذا الخصوص هو إيقاف التدخل الأجنبي:” إننا نطالب القوى الأجنبية بإيقاف دعمها للمنظمات الإرهابية” و “الإرهابية” هذا هو التعبير الذي يفضله النظام لوصف قوات الثورة. ولكن إذا رفضت الأطراف الخارجية أن تسحب دعمها للثوار، كما هي الحال الآن، كيف يستطيع النظام أن يجبرها على فعل ذلك؟ طبعاً، السيد حيدر لا يملك جوابا على ذلك. أما حنكة وزير الأعلام محمد رامز ترجمان فقد توصلت إلى ما يلي: “هناك خطة لتقسيم سوريا إلى كانتونات، لكي نبقى ضعفاء ولكي يستفيد الكيان الصهيوني”. إذا كانت هذه هي الخطة، فهي إذن في مرحلة متقدمة من التنفيذ. فسوريا اليوم مقسمة فعلاً إلى سبع جيوب على الأقل: هناك المنطقة التي يسيطر عليها النظام، ثلاث مناطق منفصلة تحت سيطرة الثوار، منطقتان تحت سيطرة الأكراد، ثم هناك المنطقة التي تسيطر عليها الدولة الاسلامية. والسؤال الآن ما هي استراتيجية السلطة لعكس هذا التشظّي، وكان رد الوزير (ترجمان):” لدينا إيمان مطلق أن هذا الوضع مؤقت، والسبب الرئيسي لهذا الأيمان هو أن الشعب السوري بدأ يدرك وجود مؤامرة ضده”. أي بعبارة أخرى لا يوجد لدى السلطة أية استراتيجية، ولا يوجد سوى (نظرية مؤامرة) لا يخلو منها فكر أي بعثي أو قومي. والحقيقة أنه لا يوجد أي دليل على خطة شاملة لتقسيم سوريا، كما أنه لا توجد أية قوة رئيسية تساند فكرة تقسيم سوريا.

إن حصول التقسيم كأمر واقع في سوريا سيكون نتيجة عجز أي من القوى الموجودة على الساحة من فرض هيمنته وبالتالي التقسيم ليس نتيجة تصميم تم تخطيطه من قبل طرف ما.

أثناء حديث ادلى به ضابط برتبة فريق في القوات المسلحة السورية قال وهو ينفث دخان (سيكار) كبير الحجم:” إن أي قرار لإنهاء الحرب لا يمكن اتخاذه دون المشاركة الرسمية لسوريا”، أي مشاركة النظام. إن هذا الموقف المدروس جيداً يتضمن وصفاً دقيقاً للوضع، فهو يقول أنه لا يمكن هزيمة النظام عسكريا الآن، ويعتبر ذلك من ناحية ما نجاحاً للجهود الدبلوماسية والعسكرية ولكنه يفتقر إلى الرؤية التي ستقوده إلى النصر. عند توجيه سؤال إلى أحد المسؤولين في وزارة الاعلام عن مستقبل المناطق في شرق سوريا حيث تزداد عزيمة (قوات سورية الديمقراطية) التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، جاءت إجابته:” نحن لا نعرف شيئاً عن ذلك” وهذه الاجابة تختصر الموقف الحالي للنظام، ويرجع سبب هذا الجهل إلى أن القرارات التي يتخذها الأسد أو المجموعة الضيقة من حوله لا تشكل بحد ذاتها الاطراف التي ستقرر مستقبل سوريا. وكما تبين من معارك حلب الشرقية، فإن أي تقدم تحققه السلطة يتوقف على مدى تصميم الروس في تحقيق ذلك النصر.

إذن السؤال يتعلق بالنوايا الروسية وليس السورية. لقد حققت موسكو كل ما أرادت إنجازه في سوريا، لقد نجحت في تأمين سلامة قواعدها في محافظة اللاذقية وضمان بقاء حليفها المتمثل في النظام، كما أظهرت فعالية السلاح الروسي، وأنه لا يمكن قيام عملية سياسية لوضع نهاية للحرب دون مشاركة موسكو. وينشأ عن هذه التطورات أن محاولة روسيا لإنهاء الثورة في المستقبل ستؤدي إلى عواقب وخيمة حيث ستجد روسيا نفسها، وهي تزداد افتقاراً إلى مصادر التمويل المالي، في وضع المسؤول عن إعادة بناء سوريا المدمرة.

كما يبدو من الدبلوماسية الراهنة التي تدور نشاطاتها في الأستانا، في كازاخستان، أن موسكو تهدف إلى تجميد النزاع الدائر في سوريا والاستمرار في العملية السياسية. إن تشكيل المناطق الأربعة لتخفيض التصعيد تترك للثوار السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد في نفس الوقت الذي تتهيأ فيه قوات سوريا الديمقراطية للهجوم على الرقة بمساعدة أمريكية بحيث تفسح المجال أمام ظهور كيان جديد تدعمه الولايات لمتحدة شرقي نهر الفرات.

والآن ومع إنحسار وضع النظام من جهة والثوار من جهة ثانية إلى مجرد وكلاء أو عملاء لقوى خارجية لا رغبة لها لحسم الصراع بين من يتحاربون بالوكالة، مما يدفع باتجاه ترتيبات تأخذ بعين الاعتبار تقسيم البلاد إلى مقاطعات، وهذه الترتيبات المبنية على الأمر الواقع الحالي ستحافظ على نفسها حتى بعد تدمير الدولة الاسلامية في شرق سوريا، وهذا يعني تقسيم سوريا الى مناطق تشمل الجيب الذي يسيطر عليه النظام في الغرب، والمنطقة التي يسيطر عليها الثوار في الشمال والجنوب الغربي، والجيب الذي يقع تحت سيطرة الثوار الذين تدعمهم تركيا، ثم المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي، بالإضافة إلى بعض الترتيبات المتعلقة بقوات سوريا الديمقراطية مع الثوار العرب في المناطق الشرقية.

إن الوضع الحالي يبين أن الروس سيستمرون في فعل ما يشاؤون ليلا ونهاراً في دمشق، والهوة تزداد اتساعاً بين التصريحات البلاغية للنظام وبين الواقع الحقيقي، فالثوار والأكراد سيتابعون ملاحقة أهدافهم بالتناغم مع أولياء امرهم. الحقيقة المرّة والقاسية التي بقيت تحت الغطاء هي أن سوريا التي عرفناها لم تعد موجودة!

  • Social Links:

Leave a Reply