المحامي ادوار حشوة
منذ نصف قرن تقريباً وبالتحديد منذ انقلاب حسني الزعيم على السلطة في عام 1949 ثم انقلاب الحناوي عليه ثم انقلاب أديب الشيشكلي ثم الإنقلاب على أديب الشيشكلي ومجىء حكم الشراكة بين البرلمان والجيش وانتهاء بانقلاب الوحدة مع مصر التي قررها الضباط العشرة الذين ذهبوا إلى مصر وعقدوا الوحدة من وراء السلطة الشرعية ثم انقلاب الانفصال في عام 1961 ثم الانقلاب على الانفصال عام 1963 ثم انقلاب حزب البعث على الناصريين ثم الانقلابات التي تمت في البيت البعثي عام 1966
ثم في عام 1970 الحركة التصحيحية ثم إنقلاب رفعت الأسد الفاشل في عام 1984 .
كل هذه الانقلابات المتتالية تؤكد حقيقة مطلقة هي أن قوة التغيير كانت تنطلق من القوات المسلحة وأن دور الأحزاب كان معدوماً أو لاحقا لها ولا يوجد تغيير من صنع الأحزاب أو من قوى المجتمع المدني .
الجيش منظمة منضبطة مسلحة ولديها تراتبية في صنع القرار في حين أن أحزاب الساحة تتمحور حول أشخاص وزعامات محلية أو عشائرية أو طائفية وكلها تعمل بردود الفعل وتفتقد التنظيم وتتصارع فيها المصالح الشخصية ويصعب اتفاقها على برنامج عمل موحد .
الأحزاب الدينية كانت تولي اهتمامها لمعاداة الشيوعية وتتحالف من أجل ذلك مع الاقطاع ومع الطبقة الحاكمة التقليدية لمجرد معاداتها للشيوعية إلى درجة أعتقد الكثيرون أنها مصنوعة لهذه الغاية وتتلقى الدعم من مصادر داخلية وعربية وغير عربية لمواجهة التيار العربي الاشتراكي أو الشيوعي .
الاحزاب العقائدية من قومية سورية إلى شيوعية إلى اشتراكية كلها كانت تتلقى تأييد الفقراء والطبقات والعناصر المسحوقة والمضطهدة لأسباب طائفية أو عنصرية أو دينية وتتلقى التأييد من الكتل العسكرية الموالية لها في الجيش.
لذلك كل عملية تغيير في سورية كانت ترتبط بهذه الكتل في الجيش أو بتوازنها أو اتفاقاتها المرحلية أو صراعاتها .
على الصعيد المدني كان التجار الكبار في دمشق وحلب خصوصاً يشكلون قوة الضغط الشعبي بيد التيارات الدينية والاقطاع الحاكم .
من كل هذا يتبين أن قوة التغيير في سورية ترتبط بالجيش الذي فقد تعدديته السياسية وصارت كتلة البعث هي الوحيدة الحاكمة فيه وأي تغيير سيكون في البيت البعثي إذا حدث أما الأحزاب الأخرى فحدود نفوذها في الجيش هي في حدود الصفر الأمر الذي يجعل شعارات التغيير صعبة لأن المجتمع المدني ضعيف بأحزابه وفي أهم التظاهرات لا يستطيع أن يحشد إلا بضع مئات.
هذا الوضع أدى الى نمو وتصاعد التيارات الدينية التي قدمت نفسها بديلا يملك جماهير مشبعة بروح دينية تدعي أن الحل هو في العودة إلى الحكم الديني بعد أن فشلت الأحزاب اليسارية والاشتراكية في تحقيق مجتمع العدل والرفاه وحتى في تحرير الارض .
كل محاولات إعادة بناء الحركة الشعبية فشلت ثم صارت الأحزاب تصنع في الأجهزة وتصنع قياداتها وتحولت كلها إلى قطيع يتلقى ولا يساهم في الحياة السياسية الا كمتلقي فقط ولا سلطة قرار لأحد أبداً.
حتى الحزب الحاكم تحول إلى حزب سلطة منقطعاً عن تاريخه وحول كل صلاحياته إلى قائده الذي بموجب الدستور هو رئيس الجيش ورئيس السلطة القضائية ورئيس السلطة التنفيذية ويملك حق التشريع أيضاً خلال فترة عدم إنعقاد المجلس فمن يصنع التغيير الديمقراطي في سورية والواقع السياسي هو كذلك؟؟
فإما أن يقود النظام التغيير ملبياً لبعض المطالب الشعبية لكي يتفادى أحد أمرين كلاهما مر كما يقول المثل .
الأول هو عودة المتطرفين الذين يمارسون العنف لقيادة التيار الديني وعودة الاغتيالات والاعتقالات إلى ما يشبه حرباً أهلية.
الأمر الثاني هو التدخل الخارجي الذي شهدنا نموذجه في العراق والذي بحجة نشر الديمقراطية فكك الدولة وحل الجيش وأعاد العراق إلى ما قبل الدولة الوطنية ناشراً الأحقاد العنصرية والطائفية والدينية معززا ثقافة القمع والسحل والنسف وعملياً أدى إلى تقسيم العراق .
فهل تختار النخب السياسية الاصطفاف إلى جانب الوطن والحلول السياسية من خلال مصالحة وطنية أم نترك الأمور على احتقانها لكي يتولى الخارج استغلالها فيأخذ لا النظام بل الوطن كله …هذا هو السؤال.

Social Links: