من الانفلات إلى التجريف: عن معمار المدينة العربية ومعيار الربيع العربي (مقترب انثربولوجي) (2/2)

من الانفلات إلى التجريف: عن معمار المدينة العربية ومعيار الربيع العربي (مقترب انثربولوجي) (2/2)

 

في الحال التونسية، التي كانت في شرارة الحراك، لا يمكن تغييب نمط التمدين السائد داخل المقاربة التي تسعى إلى التعاطي مع المجتمع التونسي في “مجموعه” أو في “كليته” (Totalité). ولقد أسهم التمدين في ما يمكن نعته بـ “النمط المجتمعي التونسي الكلي” الذي ظل، في سياق الخوف من كل ما بإمكانه تهديد النمط المجتمعي التونسي الذي بني على “مبادئ الحداثة والحريّات العامة والشخصي” كما يصفها المؤرخ التونسي هشام جعيط، يتمنّع على العامل الديني ــ مقارنة مع منطقة الشرق الأوسط ــ لكن دون أن يعني ذلك عدم تديّن المجتمع التونسي بخاصة من ناحية بورجوازيته؛ حسب هشام جعيط نفسه (11).

والتأثير الجارف، في إطار من الطابع المجتمعي الحدّي للحراك التونسي، كان أيضا من ناحية التمدين المفتّت أو من ناحية “عمارة تونس المهدورة” تبعا لعنوان حوار مع الأكاديمي التونسي (المختصّ في تاريخ التمدن) فوزي محفوظ. يشرح هذا الأخير في الحوار نفسه أن الدولة، باعتبارها السلطة المركزية المنظِّمة للمجتمع، “تخلّت عن دورها التنظيمي لمباني المدينة، ولم تعد لها تلك النظرة التي كانت ترى في العمران مكوّناً أساسياً من مكوّنات سلطتها ومجال تدخلها”. وهذا ما عالجه الباحث نفسه في كتابه “عمارة الخلفاء” (2013) التي يقصد بها “العمارة الرسمية التي أنجزها الحكام كتعبير مباشر منهم عن سلطتهم المطلقة وتنظيماً منهم للشأن العام”(12).

وتأثير الاستعمار، في تونس العاصمة، بارز وبخاصة من خلال ما يصطلح عليه في النقد المعماري وتخطيط المدن، بـ”النموذج الهوسماني” (التوزيع الوظيفي): نسبة إلى البارون جورج يوجين هوسمان (G.E.Haussman) (1809 ــ 1891) “الأب المؤسّس” لقانون التمدين الفرنسي(13) وصاحب التأثير الأبرز على التحديث، المعماري والاجتماعي في آن واحد، لباريس (وضاحيتها)، من 1853 إلى 1870، من خلال شريان المركز ذي الشوارع العريضة أو البوليفارات (Boulevards). ويشرح فوزي محفوظ أن الأثر الاستعماري على مستوى تخطيط المدن قد جعل الطرق الرحبة شريان المدينة الحديثة، فهي التي تؤدي إلى الساحات والمجمّعات السكنية أو الصناعية والتجارية. وذلك في قطيعة مع الرؤية التي وسمت التخطيط القديم، حيث الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة المتسمة بالدائرية والالتفافية تبحث عن النسق الروحاني التأملي. والمصمم المعماري القديم -كما يواصل فوزي محفوظ- يبدو كما لو أنه كان “يخشى الضياع والانفلات وعدم التحكم في المجال الواسع، فكثّف من الأسيجة والأسوار”.

والحصيلة أن المعماري التونسي الحديث سقط في هذا الضياع الذي بلغ حدّ الانفلات؛ وهو ما تزايدت حدّته، بعد ثورة 14 يناير/ كانون الثاني2011، بشكل غير مسبوق من خلال عشوائيات تبنى “بين يوم وليلة” (كما في سائر البلدان التي تعاني الظاهرة نفسها) ومن خلال مبانٍ متلاصقة في تجمّعات هي للإسكان والتكديس (غير المشروع) وليس لأنماط التمدين الحضري والتصميم البيئي. إضافة إلى أكوام الأزبال، غير البعيدة عن البنايات العالية والواجهات الزجاجية، التي صارت لافتة للأنظار وسط العاصمة ذاتها.

وفي حال المغرب، وقبل إيجاز الحديث عن القاهرة وحلب، ثمة المدن التقليدية وثمة المدن التي خلقها الاستعمار أو كان الاستعمار في أساس جعلها نواة لمدن لاحقة. ولنا في نموذج الدار البيضاء مثالاً للمدينة التي خلقها الاستعمار عن طريق الهندسة المعمارية الحديثة وعلى النحو الذي جعلها مختبراً لطرازات هندسية من آرت ديكو وفن بواخري وموريسكي واستشراقي وعربي… إلخ (14). وذلك كله في المدار الذي جعل منها عاصمةً اقتصادية، وعلى النحو الذي أفضى بها إلى التأشير على ميلاد “البروليتاريا”. ومن ثم بداية العشوائيات وأحزمة الفقر والدعارة غير المهيكلة… وغير ذلك من الظواهر التي يمكن تأطيرها ضمن “أمراض” أو “باتولوجيا المعمار”. ومن ثم مصطلح “وحش المعمار” (Monstre de l’Urbanisme) كما عبّر عنه المهندس التعميري الفرنسي ميشال إيكوشار (M. Ecochard) في مفتتح الخمسينيات من القرن المنصرم، بالنظر لما باشره من “تجريف معماري” آخذ في التوالد والاكتساح بالدار البيضاء (وقتذاك).

أجل لقد قدّم إيكوشار، في سياق “ميثاق أثينا” (Charte d’Athéne)، و”خطة مارشال”، مقاربة معمارية جماهيرية وظيفية من خلال ما يعرف بالسكن الاجتماعي “Trame 8×8” (“اللحمة الاجتماعية” كما يترجمها البعض). غير أن الانفجار الذي عرفته الدار البيضاء فيما بعد عمّق من التمدين المنفلت. والآن لا يمثل المركز إلا 5 في المائة من مجموع المجال الحضري للدار البيضاء حيث سيادة الحديد… وظواهر الانفلات وسطوح بنايات شاهقة تبدو كما لو أنها خرجت للتوّ من الحرب العالمية الثانية. ضواحي من عمارات كما في باقي مدن المغرب الكبيرة شيّدت دون مراعاة للجغرافيا المختلفة والثقافات الفرعية… إلخ.

إجمالاً شهدت الدار البيضاء أعنف احتجاجات وانتفاضات شهدها المغرب: في مرّة أولى في 23 مارس/ آذار 1965 وفي مرة ثانية في 20 يونيو/ حزيران 1981. وفي المرة الأولى كان الدافع هو الحق في التمدرس، وفي المرة الثانية كان الدافع هو الخبز. وفي كلتا الحالتين جوبهت الاحتجاجات بالرصاص الحي وسقط مئات الشهداء فيها. وبدءاً من العام الأخير صار ملف التعمير من الملفات التي تتحكم فيها الدولة بقبضة من حديد (15). ورغم ذلك فلا التقسيم (المحافظاتي) للمدينة، ولا المراقبة الأمنية العمودية، ولا باقي الأشكال الأخرى التي تندرج ضمن المقاربة ذاتها، بكافٍ أمام زحف الانفلات والتجريف… الذي يطال المدينة؛ ومن ثمّ عامل التمدين المنفلت على مستوى “القابلية للاحتجاج”.

أحد الأحياء العشوائية في مدينة الدار البيضاء، المغرب

 أحد الأحياء العشوائية في مدينة الدار البيضاء، المغرب

أما في ما يخصّ مصر، مقارنة مع بلدان الحراك العربي، فقد تركّز الحراك فيها أساساً في المدن الكبرى بدلاً من المدن الصغرى أو الريف (إلى جانب المدينة) كما في حال سوريا بشكل خاص. وكان للقاهرة، من خلال برلمان “ميدان التحرير”، ما شاءته من ناحية القطيعة مع “الاستمرار الفيزيقي” للديكتاتور في المشهد الأمامي. القاهرة التي خضعت، في هندستها المعمارية، للنموذج الهوسماني، والقاهرة التي كانت مرجعاً عالمياً لدرجة أن مدناً أوروبية كانت تقارن نفسها بها في العشرينيات من القرن المنصرم.

وكما في تونس، لكن بشكل أفظع، كان التراث المادي مستهدفاً بدوره من خلال عمليات الإخفاء والنهب والسرقة والاتجار. فبعد مضي أحد عشر شهراً، لا أكثر، على قيام الثورة المصرية، وعلى وجه التحديد في 17 ــ 18 ديسمبر 2011م، ومن ناحية التراث المادي والأثري والمنقول، سيطال حريق مهول ذاكرة مصر منذ عام 1798الميلادي: والمقصود “المجمع العلمي بالقاهرة”. وكانت الحصيلة إتلاف آلاف المخطوطات القيّمة والكتب النفيسة والخرائط النادرة. وكما تعرض متحف الفن الإسلامي (وهو من أهم المتاحف الإسلامية في العالم ككل)، صباح يوم 24 يناير 2014م، لتدمير طال واجهته ذات الطراز الهندسي المعماري النادر؛ وقد تبنت مجموعة دينية متطرفة العملية.

ومن ناحية واقع التمدين فالوضع الآن في مصر بعامة مخيف وكارثي، وبخاصة في ظل تزايد اتساع وتآكل الجماعات الطبقية الدنيا، وأما الأرقام فرهيبة ومرعبة. فقد أصبح المصريون تسعين مليونا إلى درجة أن القاهرة بمفردها تستحوذ على عشرة ملايين. والأخطر أن أقل من ستة أشهر كافية لتقذف بمليون نسمة إلى ملاعب الديموغرافيا، والمعدّل مولود في كل خمس عشرة ثانية (16).

ومن المفهوم أن نقرأ عن مجموعات آدمية معلقة في أعشاش فوق سطوح لاهبة صيفاً وباردة شتاءً أو مجموعات مكدّسة في أكواخ وصناديق مظلمة في عشوائيات أرضية ملتصقة بمزابل دائمة ومفتوحة. إضافة إلى ما يزيد عن مليون ونصف المليون من البشر الذين يقطنون بالقاهرة ذاتها في مقابر من المفروض أن يخلد فيها الأموات للراحة، وقبل ذلك فارقوا الحياة ذاتها غير المأسوف عليها. واقع قائم بذاته وليس من باب الفانتازيا والتخييل… ودال على انتفاء الشرط الآدمي في أدنى درجاته. إضافة إلى الحال المزرية التي صارت عليها المقابر على امتداد العالم العربي حيث الأزبال والقاذورات والمتسكعون والمتشرّدون والسكارى والمعدمون والخارجون عن القانون… وهذا مع أن هذه المقابر ينبغي لها أن ترقى إلى مستوى الوثيقة الدالة على المعمار والحضارة… كما هي الحال بالنسبة، ومن خارج لوثة التفاضل، لمقابر المسيحيين واليهود. ولعل هذا ما يدرسه علم مستقل وقائم بذاته هو علم المقابر (أو المقبريات) (Nécrologie) وبخلفيته الأنثروبولوجية التي ينبغي التنصيص عليها في هذا السياق المكرِّس لـ “اختلاف” الثقافات على مستوى التعاطي للمقابر في سياق تصوّر وتدبير المجال دون تمييز بين الأحياء والأموات.

في الحال السورية، وعلى وجه التحديد العام 2011، ترجمت إلى العربية أربعة كتب من ضمن ما كتبه أمريكيون وبريطانيون عن الحال السورية بصفة خاصة وقبل الحراك العربي الذي انطلق أواخر العام 2010. وعناوين هذه الكتب كالتالي: “السيطرة الغامضة، السياسة الخطاب، والرموز في السياسة السورية” (1999) لليزا وادين (Lisa Wedeen)، و”التسلطية في سورية، صراع المجتمع والدولة” (1999) لستيفن هايدمان (Stephen Heydman)، و”سورية: ثورة من فوق” (2001) لرايموند هينبوش (Raymond Hinnebush)، و”سورية: الاقتراع أم الرصاص؟ الديمقراطية والإسلامية والعلمانية في المشرق” (2006) لكارستن ويلاند (Carsten Wieland). وقراءة الكتب، أو الاطلاع على أفكارها الكبرى على الأقل، وفي تتميمها لبعضها البعض، يجعلنا على يقين (تامّ) بأن الأمر يتعلق بنظام متصلّب ويصعب عليه التنازل وممارسة السياسة. وأما العلمانية، التي يتظاهر بها “الأب الأعلى”، فهي منهكة بالطائفية ذاتها وبثقافة الخوف.

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply