_ اهتزاز صورة الخطاب “المفبرك”
وإذا كان من شأن ثورة الاتصالات، عندما تتاح لها الإمكانات والمناخات الصحيحة، أن تعيد بناء الإنسان، في فضائه الكوني، مسهمة في تقارب المفاهيم، والالتفاف حول المعلومة الدقيقة، الصائبة، ونبذ منافستها التي لا تمتلك مصداقيتها، وهو ما يكون له أقوى التأثير في الأسرة الكونية الجديدة، حتى وإن كان جهاز التلقي، عند هذا المواطن العالمي، سيغدو في مواجهة صنفين من المعلومات: أولهما سهل التفاعل معه، وثانيهما تحول بعض تراكمات الرؤى السابقة-على اختلاف بواعثها- دون التفاعل الإيجابي السريع معها، وهو ما يمكن لعامل الزمان أن يزيل الكثير من العوالق غير المتماشية فيه مع الوعي والذائقة البشريين العامين.
لقد مرَّت دورة المعرفة، بمفصل جدّ مهم، وهو مفصل مقدرة الخبر الإعلامي، على تشكيل منظومة خاصة به، تستحوذ على درجة عليا من التأثير على الخطاب الثقافي العام، إذ أن هناك تجسيراً بين المعلومة ذات الطابع العلمي المعرفي، وتلك المعلومة الإخبارية اليومية، أو اللحظية، إلى تلك الحال التي بتنا نجد فيها استبيانات وأرقاماً وإحصاءات تعتمد على هذه المعلومة، بأشكالها المتعددة، بل إن هناك تخوفاً من ابتلاع ما هو إعلامي لما سواه من مصادر المعرفة الكبرى، بعد أن غدت العلاقة بينهما جد متوازنة، وكيفية تبادل الاستفادة بينهما خلاقاً، رغم وجود تجييش لاستخدام الخبر، ضمن إطار معرفي مزور، وهو ما دأبت ماكينة الشرّ على ألا تتورع عن الحفر في مضاميره، لتحقيق أهدافها المعروفة، على اختلاف أشكالها وأبعادها.
قلق الخطاب … خطاب القلق
ولا يخفي على متابع الشأن الثقافي والإبداعي، أن هناك انكفاءاً واضحاً في تفاعل عدد من الأنواع الإبداعية مع طبيعة الحدث، رغم توتره العالي، وسخونته، بل الصدع الفظيع الذي يتركه وراءه، في ظلِّ انتشار آلة العنف التي تحصد-الأخضر واليابس-في آن. حيث أن النقلة الجديدة في تاريخ ثورة الاتصالات، استطاعت أن تنعكس على كل بقعة في خريطة العالم، فلا تنجو أسرة ما، من التأثر بظلال هذا الحدث، بهذا المستوى أو ذاك، ما خلف وراءه أعظم صدمة في تاريخ الإنسان، لاسيما وأن عيني هذا الكائن البشري باتتا مفتوحتين على أوسع فضاء أرضي، وأن أذنيه مرهونتان لتلقي أدقَّ الذبذبات الصوتية، وهي تواصل نقل الحدث، وهلم جرا بالنسبة لبقية حواسه، ما يجعل كثيرين غير قادرين على استيعاب ما يجري، تحت وطأة الصدمة الكبرى، بل إننا لما نزل من يهرول لمتابعة القضايا الهامشية، النافلة، ليكون ذلك على حساب معالجة القضايا الكبرى الحسَّاسة. وإذا كان الحديث هنا عن مستوى من يتفاعل مع الحدث في الحدود الدنيا، فإن خطابه لا يعدو أن يكون انعكاساً لاستجابته للصدمة ذاتها، وإن الحديث عن تلك الشرائح والتكوينات التي تنصرف لانبهارها أمام ما يتم، ليستدعي-حقاً- وقفات مطولة، ضمن مختبر التحليل والدراسة الخاصين.
خطاب الرأب و رأب الخطاب
يلاحظ أن تمكن ثورة الاتصالات، من إعادة صياغة العالم، وربطه من خلال عصب جديد، بفضل إنجازات هذه الثورة التي اختصرت الحدود الجغرافية، وقلصت العالم المديد، اللامتناهي، كي يتحول إلى مجرد بيت واحد، بغرف كثيرة، تناسب تعداد بلدان العالم، وأممه، وشعوبه، ولغاته، وحضاراته،وصار في إمكان الكلمة التي كانت تحتاج إلى دورة مضنية من الحوامل كي تستطيع أداء مهمتها، في توحيد الخطاب، ضمن مجتمع واحد، أوفي سبيل تشكيل أوسع دائرة ممكنة، لكسب الرأي العام، أن تؤدي وظيفتها تلك،في أسرع ما يمكن من زمان.
وإذا كان في إمكان الميديا الجديدة أن تسهم، في التأثير على سكان الأسرة الواحدة، المومأ إليها، أعلاه، كي تقرب بين وجهات نظرهم، على هذا الأساس، في زمن مختصر، مكثف، خاطف، قياسي، فإن معرفة مكمن ما هو صحيح، وتمييز الخيط الأبيض من الأسود، في اللوحة الكونية، لم يعد يؤول إلى خلاصة موقف محدد، من كل شيء، يتم من حولنا، لأن عامل المنفعة الذي يستطيع-عادة- فرز المواقف على أسس تناسب منظومته، بات يشهد تطوراً هائلاً-هو الآخر-في ممارسة جاذبيته، وترك بصماته،على الصعد كافة، إلى الدرجة التي يتقدم فيه هذا العامل، وإن كان ذلك على حساب المنظومة الأخلاقية التي لم تعد،مرجعاً،في مثل هذا المقام.
ومادامت الأمور، وفق هذه الأطروحة، يتوزعها قطبان: الحقيقة، والمنفعة، فإنه من اللزام الانصراف إلى التفكير، بمسائل باتت أكثر أهمية، من بينها أن ثقافة العولمة التي تؤول إلى تلقي صدمة الحدث، في لحظة حدوثه، ويتطلب بدوره تشكيل وشيجة كونية،نتيجة تحطيم الحدود، تخلق وحدة الرأي والموقف،في مجمل القراءات التي تتم، إلا أن ذلك لا يتم، وفق المقدمات المعطاة. ولعل”تبلّد” الأحاسيس، نتيجة تفاعلها مع الصورة الإلكترونية، له دور مهم في هذه المسألة، كما أن لطريقة بثِّ هذه الصورة، وفق رؤية الجهات الأكثر تأثيراً في مواكبة الحدث،تأثيرها،إلا أن الخطاب الإعلامي المرافق،لا يزال يلعب دوره الأكبر،مشكلاً حاجز أمان ضد قراءة الصورة، كما هي…!.
نحن هنا،أمام خطاب، لما يزل غير متماسك، متصدّع، يواجه الصورة بالصورة المعاكسة، ويجعلنا أمام خطابين، في أقل تقدير، وهو ما يقلل من شأن دوره،في الوقت الذي باتت الظروف مهيأة لصناعة رأي موحد، يستند إلى جوهر ما يتم، بعيداً عن فتح بوابات التأويل التي لا يمكن اللجوء إليها،أمام قضايا يومية، نراها في بيتنا الكوني الصغير،وغير قادر-حتى الآن – حسم خصيصة خلق الالتفاف العام حولها.
طبيعي،أن عامل المنفعة،يلعب دوراً لافتاً، في واقع الاختلاف في قراءة أي خطاب، وفق أهواء صاحب القراءة، وذلك في ظل غياب الوازع الأخلاقي، والرادع السلوكي، اللذين من شأنهما توجيه بوصلة هذه القراءة، باتجاه مقاربات الحقيقة، وهو ما سيظل مستمراً،في ظل فوضى قوانين العلاقات الناظمة، كونياً،وهيمنة مالك القوة على المفاصل الأكثر حساسية،ما يجعل أبواب الصدامات الكبرى مفتوحاً،على حساب الاستقرار والطمأنينة في هذا العالم الجميل، المهدد بالخوف المستمر.
ولعله من الطبيعي،أن تكون من نتائج الخطاب غير المنسجم مع ذاته،أو المتناقض مع الواقع، والمصلحة الكونية، خلق فضاء من القلق، والتوتر، الدائمين، بما ينمُّ عن خلل كبير، لابد من العمل الدؤوب لجعله في مستوى المصلحة الكونية التي تتطلب صياغات عالمية،ترتقي إلى مستوى إيقاع الزمن، ومصلحة الإنسان حاضراً ومستقبلاً، وهو ما من شأنه تحويل البيت العالمي إلى فردوس أرضيّ، سيظل أعظم الأحلام الإنسانية على الإطلاق..!
خطاب الخديعة
بات من بدهيات الحياة أن يجد المرء، من حوله، الأمر ونقيضه، الأصل والشبيه، الحقيقي والزائف، الصحيح والمزور، في آن واحد، كخطين متلازمين، متوازيين، لا يلتقيان البتة، وهو ما يكاد يشمل كل شيء، من دون استثناء. .
وإذا كان الأمر على هذا النحو، حيث “الضد إلى جانب الضد”، فإن المرء لقادرٌ على أن يميز كل ما حوله من المتناقضات، في ما إذا احتكم إلى العقل، ليكون معياره حاضراً، دقيقاً، أنى طلب إليه، ليتعرف إلى كنه هذه الأشياء بلا تردد، فيسمي كل شيء باسمه، عيّاراً ، يتجسد حذقه في درجة تقويم ما يريد، لنستطيع معرفة مدى صوابية قراءته، هذه، من خلال إدراك درجة ملامسته للواقع .
بيد أن الأمر يغدو أكثر صعوبة، عندما نكون إزاء خطاب شفاهي، رسمي، أو مدوّن، حيث تصبح مهمة المتلقي أو القارئ، أكثر صعوبة، ووعورة، فيما إذا أراد التوغل في جوهر هذا الخطاب، فيصنفه في إحدى خانتي الصدق أو الكذب، وهو في صدد إبداء القول الفصل بين أمرين متناقضين .
وقد تصبح المهمة أكثر التباساً، عندما يصبح المرء، أمام صنف مراوغ من الخطاب، يقدم صاحبه ذرائعه الواحدة منها تلو الأخرى، في ثوب الطهر، والنبل، والصدق، والإنسانية، مسفهاً نقيضه الصادق، متهماً إياه بالضلال والبهتان، حيث يتطلب من المتلقي أو القارئ -في هذا المقام- بذل جهد إضافي، حتى يستطيع الاهتداء إلى ضالته، لاسيما أن إطلاق حكم القيمة، من قبله يجعله أمام مسؤولية تاريخية كبرى، بل سيكون في مواجهة خسارة جد جسيمة، يدفع ضريبتها على حساب اسمه، وحضوره، فيما لو أطلق أحكامه جزافاً، نتيجة الانزلاق من قبله في لجة الأهواء، أو الغواية، من جهة، أو لجهل بين في شخصه، من جهة أخرى، فيكون شريكاً لصاحب الخطاب، في ما أقدم عليه، والمسؤولية ستكبر عندما يتعلق الأمر بكرامة أو حياة فرد، أو أسرة، أو مؤسسة، أو مجتمع، بل حتى لو تعلق الأمر بما هو معنوي رؤيوي، إذ ما أصعب تسفيه أو تثمين أمر، على خلاف ما يستحق .
هذه النقاط المشار إليها، أعلاه، وسواها، تفرض نفسها، وبقوة، على ضمير الإنسان، أياً كان، عندما يكون وجهاً لوجه، أمام حالات ملتبسة إشكالية، إذ عليه أن يلجأ إلى الخيار الصادق، ولو كان اتخاذه محفوفاً بالمصاعب، أو المخاطر، أو يفرض عليه دفع ضريبة ما، تصغر أو تكبر، وهذه الحالة تصبح أكثر حساسية، بالنسبة إلى المبدع، أياً كان المجال الذي يشتغل فيه، لأن خطأه من عداد الأخطاء الأشد خطورة على الإطلاق .
من هنا، فإن المبدع مطالب، في قراءته للواقع، بأن يتحلى بعمق الرؤى، والحكمة، والموضوعية، من دون أن يتأثر ب”قشور” المرئيات، أو بريقها الخلاب، لأن أي خلل في معالجة المعادلة، سوف يعرضه إلى المجازفة بعامل الصدق في خطابه، وهذا ما يفقد هذا الخطاب جدواه، بعد أن يغدو شريكاً في آلة التزوير، وهو أعظم ما يخسره، لأنه يخسر نفسه، وخطابه في الوقت نفسه .
يتبع ..
Social Links: