مخاض المصطلح الجديد (4/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (4/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

خطاب القيم العليا :

استطاعت وسائل الإعلام الراهنة أن تحقق أعلى رقم قياسي لها في التاريخ، بفضل ثورة وسائل الاتصال والمعلوماتية التي نشهدها على مستوى عالمي، ما وفر للثقافة الإنسانية أن تنتشر وبالتوازي على أوسع نطاق، على اعتبار أن في الإمكان استثمار منجزات هذه الثورة العالمية العملاقة ثقافياً، وهو ما يتم الآن، إلى الدرجة التي اعتبر فيها الكتاب-حامل الثقافة الرئيس بمجالاته المتعددة- بدائياً، تقليدياً، مهدداً بتجاوزه، في حضرة هاتيك الوسائل التي باتت متوافرة على امتداد جغرافيا الكرة الأرضية الأصغر من سم إبرة، أمام هذا الجبروت المعلوماتي الأكثر سطوة، ما يجعل خبراء التربية وعلم النفس-كما سواهم- مطالبين باستقراء لوحة الواقع، في ضوء المستجدات، لتبيان مدى صلاحية استمرار مضامين النظريات التقليدية التي تمت صياغتها .

ولعلّ تلك الهواجس الكثيرة التي لابد من أن تنتاب أمثال هؤلاء الخبراء والمتابعين، بل والمربين، محقة ومشروعة في ظل مدى التأثير السلبي من قبل وسائل الاتصال الحديثة في الأجيال الجديدة، لاسيما أن “الآي فون” و”الآيباد” وغيرهما باتا من الإكسسوارات المرافقة -باستمرار- لأوساط واسعة من أبنائنا، حيث لا حدود جغرافية البتة أمام مثل هذه الأجهزة التي قد تكون أداة لاغتراب بعضهم، ليس عن واقعه الاجتماعي فحسب، وإنما للاستغراق في ثقافة القشور، وذلك على حساب الكثير من القيم الأصيلة التي تتفق الدراسات والبحوث- بل والتجربة الإنسانية الطويلة- على ضرورتها، على اعتبارها الثقافة الأسمى .

وإذا كنا قد تحدثنا هنا، عن شرائح اجتماعية، قد تكون الهدف السائغ للتأثر السلبي لبعض الأفكار الغريبة التي تؤدي إلى إحداث شرخ في اللبنة الأساسية في المجتمع، وهي الأسرة، كي ينداح التأثير في المستوى الاجتماعي العام، فإن من شأن ترسانة وسائل الإعلام والثقافة ممارسة سطوتها حتى على الشرائح الاجتماعية الأخرى، الأكثر تجربة عمرية في السجل البياني الحياتي، لأن موجة الأفكار الاغترابية وفي مطلعها تكريس العزلة، والتقوقع الأنوي، وقطيعة الآخر، وفقد وشائج الاتصال بالبيئة المكانية، والتفكك الاجتماعي، إلى ما هناك من مفردات أخرى يمكن الحديث عنها هنا، كل منها حسب درجة الحساسية، والأهمية، قادرة على أن تترك أثرها الخطر في المستويين: القريب والبعيد .

لقد أصبح من الضروري أن يتنطع هؤلاء المعنيون، على النطاق الكوني، في ظل كل هذه التهديدات التي نشهدها من حولنا، بنسف جملة الروابط السامية التي لابد منها، على اعتبارها ركائز رئيسة في حياة الفرد، والأسرة، والمجتمع، وذلك من خلال مواصلة تغذية النشء بروافد تلك الثقافة نفسها، عبر مسألة جد مهمة، وهي الاعتماد على التقانة الحديثة، وذلك لأن الوسائل التقليدية التي كانت عماد التربية والثقافة، باتت عديمة الجدوى، في ظل هذه التحولات الكبرى التي أحدثتها ثورة التكنولوجيا والاتصالات.

نحو خطاب ثقافي في مستوى الأسئلة الراهنة :

من يمعن النظر، في مجمل التحولات الكبرى التي تتمُّ-على نحو كونيِّ- فإنه لواجد، بلا شك، أن الكثير من المقدّمات التي طالما كان يعتمد عليها، من قبل،في صياغات رؤاه، واستنتاجاته، وسلوكه، قد طرأت عليها تغيرات وتبدلات كثيرة، وذلك من خلال  طبيعة جملة الوشائج المستجدة  التي تربط بالآخر، في ظل الانفتاح الجغرافي الجديد، ضمن ما نصطلح عليه، ب”سكان العمارة الواحدة” حيث أن التواصل مع الآخر، أيَّاً كان، بات يتم عبر الحواس الكاملة للإنسان، بل إن الفاصل الزَّماني الذي كانت تتمُّ من خلاله عملية التواصل الاجتماعي، قد وصلت إلى “درجة الصفر، فما عاد العامل الزماني يسهم في تراخي التواصل، أو فرض القطيعة، و بدهي أن مثل هذه التغيرات الجذرية لتنعكس على طريقة تفكير الكائن الآدمي، أينما كان.

إن اشتراك حاسة النظر، في تلقي الصورة الإلكترونية، على نحو واسع، من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة، من العلاقات بين المجتمعات الإنسانية التي امَّحت الحدود، و الحواجر بينها، وباتت تعيش على امتداد الأربع والعشرين ساعة في اليوم، هاجس الروح الجماعية، حيث أن مشاركة الآخر، أياً كان، في ألمه، وأمله، في فرحه، وحزنه، في هزائمه، وانتصاراته، في انكساراته وأحلامه، بات أمراً واقعاً لا مفر منه، وهو أمر جد مهم في تغيير طريقة الرؤية، في ظل هذا الواقع الجديد الذي يلقي بظلاله في كل مكان.

لابدّ من الاعتراف، أن الإنسان-في ما قبل- كان مضطراً  أن يعيش بعيداً عن سواه، سواء أكان في قريته، أو الشارع الذي يسكنه، أوفي حيه، أوفي مدينته، أوفي بلده القطري، حيث الحدود القائمة، مابين المشترك العام، والخصوصية ضمن الأسرة الواحدة، وهو ما كان يرتب غربة حقيقية بين أبناء هذه المجتمعات، ليعيش كل منها  في عزلته، وإن كنا لنجد أن التعويض عن هذه العزلة، يتم من خلال التركيز على الإطار النظري الجامع الذي  لم تصمد هشاشته، في أمثلة كونية كثيرة، وذلك لأن العامل النظري، لم تتوافر له ظروف التطبيق الفعلي، بل كان يتماهى في  إهاب الشعار، الذي يتم فرضه، عمودياً، وأفقياً، من دون أن يكون ناجماً عن قناعات ضمنية، تعد هي الأسّ الرئيس،  و العمود الفقري، في ما لو تم تقبلها على نحو روحي، ضمني، عبر الإيمان الحقيقي بها، بعيداً عن أية سطوة أو سلطة.

ولقد  أتاحت الميديولوجيا الجديدة، في نقلتها العظمى، وهي الثورة الأسبق، والأكبر، طرَّاً، في التأثير-عميقاً- في العالم الروحي للكائن العالمي، من دون أن يدرك، وإن كنا-هنا-أمام إيجابيات ما، بيد أن هناك-في المقابل-مخاطر كثيرة، لابد من أن يتم الانتباه إليها، وذلك من خلال استقراء كونيّ عام، لتأثيرات إمبراطورية الإعلام الكونية، يكون لكل أصحاب الخصوصيات حضورهم، وشراكتهم، كي يحصنوا أنفسهم أمام واقع المحو المحدق على نحو جدي.

وتأسيساً، على كل ما سبق، فإن العالم قد بات-بحق- في ربع القرن الأخير-وبشكل أوضح- أمام تأثيرات كثيرة، يخضع لها روحياً، وفكرياً، و سايكولوجياً، وهو ما بات يترك أثره العميق في عالم الإنسان، بل إنه مع اندياح دائرة التأثير إلى الحدِّ الأعظمي، فإن الباب بات مفتوحاً أمام صياغة”خطاب جديد”، متفاعل، وناجم، عن كل مثل هذه المعطيات والمقدمات التي يشهدها، بل يعيشها العالم، أجمع، وهوأرومة “النظرية” الكونية، أو”النظرية” نفسها…!

_ مخاض المصطلح الجديد :

إذا كانت ولادة المصطلح الجديد، تتعلق بدورة الزمان والحضارة، على الصعد كافة، الثقافية منها، والفكرية، والسياسية، والفنية، والإبداعية، والعلمية، كأحد معطيات الحراك الإنساني، وتجلياته، تبع ذلك، فإنه يمكن اعتبار نشأة المصطلح، منذ بداية إرهاصات التفكير لدى الكائن الآدمي، أحد مقاييس تطور الوعي لديه، حيث أن أي إنجاز معرفي، بأبعاده، واتجاهاته، وأشكاله، المتعددة، المذكورة، ليترجم مصطلحياً، من خلال إضافة إيماضة ضوء، أو مفردة، في معجم المصطلحات، كي يمكن استقراء تاريخ هذا الوعي، من خلال سيرورة المصطلح وصيرورته، وليكون المصطلح حاضناً لحركة المعرفة، منذ تشكيلاتها، وتمظهراتهاالبدائية، وحتى اللحظة الحالية التي تشهد فيها تشعباتها، وميادينها الهائلة، والمختلفة، إلى درجة التناقض، والتلاغي.

وبدهيٌّ، وفق هذه التقدمة، أن معجمات المصطلحات المتعددة، هي عبارة عن موشورات تدلُّ على تلك الفتوحات الفكرية الإبداعية -على اختلاف مجالاتها- والتي حققتها تجربة الآدمي، وهي علامات حفره في هاتيك الميادين، أية كانت وجهة هذه الأحافير، ماضياً-كما هو الحال في تناول التراث والفلكلور-أو واقعاً كما هو حال الإنجاز العلمي والإبداعي والفكري-أو مستقبلاً، و هو الحامل لكل هذه الضروب، مجتمعة، داخلاً في إطارها كلُّ احتمال يتساوق مع العوالم التي تشكل المصطلح، كإشارة سيميائية، لم تتشكل اعتباطاً البتة.

وإذا كان فضاء المصطلح مفتوحاً على انعكاسات دورة الزمان، في اتجاهاتها الثلاثة، أو أبعادها الثلاثة، وهي اتجاهات وأبعاد لا يمكن أن تنفصل عن بعضها بعضاً، وذلك لأن لتفاعلاتها الداخلية تأثيرها العميق ليس على المصطلح كمنتج، تم تشكيله ضمن لحظة وعي فردية، جماعية، مؤسسية، مجتمعية، أكاديمية، قطرية، كونية، وإنما على منظومة الوعي العام، داخل الجغرافيا المؤطرة، وخارجها، بل وداخل الخط الزماني المحدَّد، وخارجه، على حد سواء، لأن لحالة الوعي فعل السحر، سواء أتمكنا من تتبع منابعه و مصابه و مظانه أولا، فالأمر سيان، لأن استجاباتنا لها، لا تتأثر بدرجة وعينا واكتشافنا لها، وإنما تغدو خارج كل ذلك، سواء أصدرت عنا، أو كنا مجرد منفعلين مع تأثيراتها العامة.

إن الحديث عن عالم المصطلح، ليستحق دراسات طويلة، من خلال هذا المنظور-تحديداً- وإن كنا في الغالب، نتوقف أثناء استقراءاتنا له، عند حدود معجميته، واستخداماته الوظيفية، مدرسياً، أو أكاديمياً، بيد أنه من الممكن – كذلك- معاينة المصطلح في لحظة إرهاصاته و تمخضاته- خلال لحظات التحول الكبرى التي يمرُّ بها. ولعلَّ اللحظة المعيشة، منذ تبلور مفهوم الغلاسنوست، وترجمته، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وسقوط أحد القطبين العالميين، وهيمنة أحدهما  إلى وقت طويل، وسقوط جدار برلين-بغض النظر عن تقويماتنا لهذا الفعل التاريخي الكبير أو ذاك-فإننا لأمام  تحولات هائلة، جذرية، في مستوى وعينا بالأشياء، لاسيما وأن التاريخ بات يتعدى إطاراته مسبقة الصنع، وكالةً، بل بات يسجل مقارباته التدريجية، من روح المعني الأول بصناعته، وهذا ما سيسهم في تغييرات جذرية، تدعونا-في قادمات الأيام- لنكون أمام وقائع، وحالات جديدة، تترجم أسئلة الكائن المسلوب، ولحظته الحلمية التي تشكلت-جيلاً بعد جيل-في مختبر وعيه، ومعاناته، وحاجاته العليا التي حجر عليها، طويلاً، كأحد أشكال القهر الباهظة التي بات يرفض دفعها، وإن كان سيقدم لقاء ذلك ضريبته الكبرى، مادام أنه ليس لدى المرء أغلى من حياته البتة…!.

ومن هنا، فإن في تناولنا لموضوعة مخاضات المصطلح الجديد، تأكيداً على أمر جدّ مهم، وهي أن الآفاق ليست مسدودة قط، كما يتوهم بعض المتشائمين، وأن الحياة لمفتوحة على كل جديد، وإننا على موعد –دائم-مع ما هو جديد مع المنجز الإنساني، وإن شريط الزمان الذي شهد ولادة بداية حالة الوعي، فهو مستمر، في توفير سبل استمرارية الوعي، على اعتبار الوعي توأم الوجود والحياة والتجربة، وإننا على موعد مع مواليد مصطلحية جديدة، ستتم تسمياتها وفق درجات إنجازاتها المتعددة، في زمن التحولات الأعظم .

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply