التنمية الثقافية وأدب الثقة بالذات ..
_ أسئلة التنمية الثقافية في ظلِّ ثورة الاتصالات والتكنولوجيا :
لعلَّ ما يميز التنمية الثقافية، في أي بلد من بلدان العالم، أنها لا تتأطر ضمن مرحلة واحدة فقط، وإنما هي في مرحلة تنام مستمر، ولا يمكن أن تحمل صفتها، ما لم تكن ناتجة عن رؤى وخطط سابقة، فهي قد تعنى ببدايات حياة أي مجتمع،على نحو مدروس، كما أنها قد تعنى بالمجتمع ذاته في مراحل تطوره كافة، لكي تكون حاجة دائمة من قبل أي مجتمع، وهي تتميز بالصيرورة، ولا تتوقف عند أعتاب مجرَّد مرحلة واحدة، الأمر الذي يجعلها مرتبطة بدورة الحياة، في ظل توافر الوعي التنموي في أي بلد من بلدان العالم.
وللتنمية الثقافية، شروطها التي لابدَّ من أن تتوافر، حتى ترتقي إلى صيغتها المقبولة، ولعلَّ من بين أولى الشروط المطلوبة: وجود خطة وإرادة لدى الجهات المعنية بها، بالإضافة إلى وجود رؤى إستراتيجية، ناهيك عن أنها تحتاج قبل كل شيء إلى جهود جماعية، عمودياً وأفقياً، لأن غياب أية حلقة، في هذا الميدان، ليؤدي إلى إفشال الخطة، وتلكؤها، وهو ما لا يقتصر تأثيره السلبي على اللحظة الحالية، بل إن من شأن أي ّإعاقة لخطة التنمية أن يستمر تأثيره بعيداً، لأن حلقات أية خطة من هذا النوع، إنما هي مرتبطة بسواها، ضمن متوالية زمانية، تكاد لا تنتهي، في حال توافر إستراتيجية ترتبط بها…
وبدهيٌّ، أن إقرار التنمية الثقافية، في بلد ما، أياً كان، دليل حالة وعي من قبل نخبها السياسية والثقافية، وهي لا يمكن أن ترسى، إلا على نحو تدريجي، لأن مجالاتها متعدِّدة، ومتشابكة، فهي تشمل نواحي عدة، في مقدمها التربية، والتعليم والإبداع الروحي، والجمالي، والإعلام، والفكر، بالإضافة إلى أنها ترتبط على نحو واضح بمجالات أخرى، من بينها حتى ميادين السياحة، والآثار، والعمران، بل إنها تكاد تلامس المفاصل الحيوية كلها، في حياة الفرد والمجتمع، لأن الثقافة تصلح أن تكون روحاً لابدَّ منها في جسد الحياة، وهي خميرة هذه الحياة، إذ لا يمكن أن نتصور أيَّ رقيِّ، أو أية حضارة، من دون أن تكون هناك استراتيجية تنموية جادة. ومن المعروف، أن قضايا: التعدّد الثقافي، و الهوية، و”حقوق الإنسان”. إلخ.. باتت تدخل في صلب تقارير اليونسكو عن التنمية الثقافية، منذ أكثر من عشرين عاماً وحتى الآن.
وحقيقة، فإن ثمة تصوراً، لدى بعضهم، يكمن في أنهم يرون أن الحاجة إلى التنمية الثقافية تكون في المجتمعات النامية، أو المتخلفة،فحسب، حيث يكون اللجوء إليها، بغرض انتشالها، من حالتها التي تعانيها، للحاق بركب المجتمعات والأمم الأخرى، بيد أن شيوع مثل هذا المفهوم، ولوفي نطاق ضيِّق جداً، إنما هو غير كامل، لأنَّه نصف الواقع، ولأن مثل هذا المجتمع ليحتاج في حقيقته إلى خطة تنمية، كما أن المجتمع المتطور ليحتاج إلى مثل هذه الخطة، لديمومة التنمية الثقافية وتطورها.
ولعلَّه من الواضح-هنا-أنَّ حاجة المجتمعات المتقدّمة، إلى هذه الخطط الثقافية، توازي حاجة المجتمعات النامية ثقافياً، وذلك من ناحية ضرورة أن تكون هناك رؤية مبرمجة، مدروسة، من قبل النُّخب المعنية، للعمل على مستويين: أولهما استمرارية تنميته الثقافية، والثاني رفع إيقاع الثقافة، في كل مرحلة، إلى مستوى الطموح، وعلى سبيل المثال، فإن تحرّر مجتمع ما من الأمية-وهو ألفباء التنمية-يضعه في مواجهة متطلبات أهمّ، وهفي مطلعها تطوير التعليم، وإن تطوير التعليم ليضع المجتمع أمام أسئلة تتناسل، تدريجياً، لتحقيق الحاجات الروحية العليا.
أجل، إن أيَّ مجتمع متطور، لا يمكن أن يصبح على ما هو عليه، إلا عبر تطوِّره الثقافي، وإن هذا التطور الثقافي، جزء رئيس من معادلة التطور العامِّ، لأن الإنجازات العلمية والمعرفية، في مجال الصناعة، والتجارة، والزراعة، في أي مجتمع، لا يمكن أن تبلغ ما هي عليه، من دون أن تكون حاضنتها الثقافية، في المستوى المطلوب، كما أن الثقافة، هي-في الأصل-جزء جد مهم، في رقي وازدهار أي مجتمع.
والتنمية الثقافية-في الحقيقة-روح أية تنمية أخرى، إذ لا يمكن لأية تنمية أن تتحقق عملياً، إلا في ظلِّ وجود التنمية الثقافية، هذه التنمية التي هي-دليل معافاة-أي مجتمع، وهي “بارومتر” يمكن الاحتكام إليه، لمعرفة قابلية المجتمعات على التنمية “الشاملة” ، لأن افتقاد الشرط الثقافي، ليجعل فرص التنمية على أي محور آخر جد ضئيلة، إن لم تكن معدومة.
ويعدُّ البحث العلمي، أحد المرتكزات المهمَّة جداً، والتي لا غنى عنها البتة، في أي عمل تنموي، إذ أن التنمية لترتبط بالإحصاءات، والدراسات، والتجارب، والخبرات، بل تتضافر في إنجاحها جهود فرق من الخبراء والمعنيين في عدد من المجالات ذات العلاقة المباشرة، وغير المباشرة بالتنمية، ناهيك عن اعتمادها على ما يمكن وسمه ب” علم التنمية المقارن”، من خلال استقراء تجارب الأمم والشعوب المتطورة، لاسيما وأن حالة أوربا، تعدُّ الأنموذج في عالم التنمية الشاملة.
_ دعامات التنمية الثقافية :
ثمَّة ركائز أساسية، لابد منها في أية خطة تنموية ثقافية، إلى درجة أن نجاح أو فشل هذه الخطة، يعود إليها، وفي مطلع هذه الركائز، حضور “العقول الثقافية” التي تخطط على نحو ناجح، مستفيدة من تجارب الأمم الأخرى، من دون أن تقفز من فوق خصوصيتها المحلية، ودراسة المجتمع، ولعلَّ”أنموذج” أول خطة ثقافية متكاملة، تم في مصر مع حملة نابليون بونابرت1798″ لأن العلاقة بين النهضة والتنمية متبادلة وكل منهما تحيل إلى الأخرى” بحيث أن الخطة التنموية الثقافية شملت مجالات هائلة جداً، حيث تم إجراء مسح عام لمصر، في سائر المجالات، من” تاريخ، واجتماع، وفنون، و تراث، وعادات، وتقاليد، وصحة، وزيّ، ومأكل، ومشرب….إلخ، ليتمَّ توثيق كل ذلك من جهة، والعمل من أجل وضع خطة تعليمية شاملة، وتمَّت الاستعانة بنخبة مثقفة، ولعلَّ اسم “طه حسين” كان أحد هاتيك الأسماء التي ظهرت كامتداد لهذه الحالة الثقافية، حيث غدت الحملة منعطفاً في تاريخ مصر، لتكون هناك مصر”ما قبل الحملة”، ومصر”ما بعدها”، ولا تزال تلك الدراسة التي وضعت في محطَّتها الأولى، حوالي عشرين مجلداً منها ما هو نظري ومنها ما هو عبارة عن رسوم وخرائط، اشتغل عليها مائة وستون عالماً، ومؤرخاً،وفناناً..، تعُّ مرجعاً لكل الباحثين في تاريخ مصر الحديث.
مؤكَّد، أن حملة نابليون، حملت معها مشروعاً ثقافياً، وضع في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ مصر، حيث تراخي قبضة الدولة العثمانية، في محطتها المملوكية، وبروز الرغبة الجامحة لدى الفرنسيين، في أن يكون لهم موضع قدم في المنطقة، بل ولعلَّ السبب الأكبر يكمن في موقف الفرنسيين من بريطانيا، إلا أن ما هو أكثر أهمية بالنسبة لمصر، هو أن مشروعاً ثقافياً ذا خصوصية قد تمَّ التعرُّف عليه، وترك بصماته في تاريخ المنطقة، ولا يزال، وهو ما دفع بالكثير من الدارسين لطرح أسئلة أخرى، حول وطنية المشروع التنموي الثقافي…
و لا يزال الحديث عن حملة نابليون، رغم من مرور أكثر من مئتي سنة عليها، مثار نقاش، حيث ترى أوساط واسعة، أنه ما كان في مقدور مصر-في تلك المرحلة-أن تتخلص من الكثير من المعوِّقات التي طالما وقفت سداً في طريق تطورها، لولا هذه الحملة التي أدخلت أول مطبعة إلى مصر، وطبع بوساطتها النداء النابليوني الشهير*، بل غدت مصر منارة للثقافة المعاصرة، في لحظة”اصطدام الشرق بالغرب” وهو “نواة المشروع التنموي عادة”، بيد أن آخرين يشكِّكون في حتى في الثقافة التي أنتجتها هذه الحملة، من خلال تتبع مراميها البعيدة، إلى الدرجة التي يربط أصحاب وجهة النظر هذه، بين الكثير من الهزائم والانكسارات، وما تركته تلك الحملة، وقد يكون حرق مكتبة القاهرة، ترجمة لرؤية هؤلاء..!؟.
وبعيداً عن المثال المشخَّص-هنا- بل وبعيداً عن مثل هذا الاختلاف بين وجهتي النظر، المذكورتين أعلاه، فإنه لا يمكن لأي مشروع تنموي ثقافي أن يتم، من دون وجود حامل”وطني” حقيقي، وإن توافر مثل هذا الحامل، يهيئ المناخ اللازم لإنعاش مثل هذا المشروع، كما أن هناك حاجة قصوى لوجود الحالة المؤسساتية، لكي يتم إرساء هذه الحالة التنموية، لأن من شروط إنجاح المشروع، توافر البيئة الخصبة له، وهي تتلخص هنا في تحقق شرط الدولة الوطنية، بل وإن توافر الحرية، يعدُّ جدَّ ضروري، ناهيك عن أنه لا يمكن لها المشروع أن ينتش في مجتمع يرزح تحت نير الاستبداد.
ومن هنا، فإن خططاً خمسية، وضعت في عدد من البلدان، في المجال التنموي الثقافي، بيد أنها لم تكن لتنجز، وذلك لاصطدامها بالكثير من المعوِّقات التي كانت تواجهها، وهو ما جعل التعليم يتردى، في أكثر من بلد، نتيجة تمحور المشروع الثقافي حول نوى متضادة مع شرط الحرية، وهو عامل حاسم من شأنه، أن يعيق تقدم أي مشروع من هذا النوع، وجعله غير قادر على إحراز إنجازات ملموسة، لأن أي مخطط تنموي-ولاسيما الثقافي منه-لابد وأن يتحرر من كل كوابح تطوره..!.
وإنه لمن المعروف، لدى الدارسين والباحثين المعنيين بالشأن التنموي، أنه لايمكن لهذه المشروعات، قاطبة، ومن بينها المشروع التنموي، أن تحقق أيَّ تطور ملموس، من دون توافر دعم اقتصادي وطني، كاف، حيث أن للاقتصاد دوراً رئيساً، في إنجاح هذه المجالات التنموية”وإن كان محمد عبد الجابري يرى الاقتصاد جزءاً من التنمية” لأن الاقتصاد-في حقيقته- عصب التنمية، ولهذا فإن أي مخطط تنموي، لا يمكن أن يوضع بمعزل عن سواه، من المشروعات المتعدّدة، بل إن كل هذه المشروعات توضع في ظل اقتصاد متين، متوازن.
والتنمية الثقافية-على صعيد آخر-مرتبطة، وإلى حد بعيد، بسائر دعامات المشروع الوطني، ومن بين ذلك فإنه لمن الضروري، أن يتمَّ الإشراف على هذا المشروع، من خلال المتابعة الجادة، لتحولاته، في كل مفاصله، وحلقاته، حيث أن مشروعاً حيوياً، ضخماً، كهذا، يستطيع أن يحدّد مستقبل أيَّ بلد، وإنه لابدّ أن يكون مبرمجاً، بإتقان، وحكمة، وعمق رؤيا، بعيداً عن الاعتباطية، كما ينبغي أن يكون مرسوماً وفق خطط واضحة، معلنة للرأي العام، بالإضافة إلى أنه من الضروري جعل الرأي العام بمثابة “عامل” رقابة عليه، إلى جانب لجان الإشراف المشار إليها.
ومن المؤشرات السلبية لتردِّي أيّ مشروع وطني، هو انتشار الأمية والفقر والجوع والمرض والبطالة، وتدني معدّل المستوى المعيشي، وانعدام حرية التعبير، والرأي والرأي الآخر، واندياح الفساد، والقمع…. ،حيث كلها عوامل تنعكس على نحو مباشر على أيِّ عمل تنمويّ، وتجعل منه مجرد حبر على ورق، ولذلك فإن هذا المشروع، لا يستطيع تجاوز مجرد”إعلان” لا شأن له، حيث هناك أمثلة صارخة على أن المشروع التنمويَّ الثقافيَّ، في عدد من البلدان، لا يستطيع تجاوز حالة “حصان الغرَّافة”، إذ يدور حول نفسه، من دون تسجيل أي إبداع يذكر.
وكما هو معروف، أن تطور الحياة، من العمل اليدوي، إلى الاعتماد على الآلة، بل وثورة التِّقانة والاتصال والمعلوماتية، له أثره الكبير، في إمكان التطور”بوتائر عالية” جداً، وبهذا فإن أنواع التنمية المختلفة، قد أصبحت في منعطف جد خطير، يرتِّب على المعنيين رفع الاهتمام بالتنمية، إلى مستوى إيقاع المرحلة، إذ باتت فرص تحقيق قفزات كبيرة في كل المجالات التنموية أمراً في متناول الأيدي، في حال توافر الأسباب والنوايا الجادة بتحقيق التنمية المطلوبة.
_ ثنائية الثقافة ووسائل الإعلام الحديثة :
ثمة أسئلة كثيرة، باتت تطرح بعد الانتشار العمودي والأفقي لوسائل الإعلام الحديثة، على مستوى عالمي، يتجاوز الخريطة الوطنية والقومية، مفادها:إلى أية درجة تخدم هذه الوسائل العملاقة الحالة الثقافية؟، وهل إنها أمينة في إعطاء الصورة الفعلية للمشهد الثقافي؟، أم أنها تقدمه بشكل اعتباطي؟، وهل أن في تناول الإعلام للثقافة دفعاً لها إلى الأمام، وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة الكبرى، والمشروعة التي لابد وأن تثار، مع تحقيق وسائل الإعلام،عبر ثورتها، خطوات هائلة، إلى الأمام، إلى الدرجة التي قد أصبحت المعلومة التي تقدمها هذه الوسائل، ثقافية أو خبرية، هي الأبرز، بل باتت تهيمن على كل ما هو ثقافي وإعلامي، في الوقت الذي كانت العلاقة بين الثقافي والإعلامي، تتساوق ضمن معادلة،تحفظ لكل منهما خصوصيته.
وبدهي، أنه إذا كان إعلام ما قبل الثورة المعلوماتية، متقيداً بسياساته الخاصة، في تقديم الثقافي، حيث كنا نجد على سبيل المثال مواهب إبداعية ذات أفق محدد، يتم تسليط الضوء عليها، وعلى إنتاجها بطريقة مائزة، بحيث يتم تسويق ما تقدمه، من خلال المساحة الإعلامية التي كانت تشغلها، بيد أننا كنا نجد-في المقابل- أصواتاً إبداعية ثقافية،ثرَّة، بارزة، كان يتم التعتيم الإعلامي عليها، لذلك فإنها كانت تعيش مهمَّشة، من دون أن تأخذ حظها الإعلامي اللازم، وهذا ما كان يجعلها أسيرة حدود معينة، إلى حين، تحشرج، وتحتضر فيها، إلى أن تجد فرصتها في تقديم أوراق كفاياتها، إذ إن مجمل أساليب التعتيم-في الأصل-لا تستطيع أن تقف في وجه الإبداع الحقيقي، ولعلنا قد وجدنا أن أسماء إبداعية معينة، في بعض دول العالم، كان يتم تهميشها،إلا أنها استطاعت أن تظهر، وبقوَّة، بعد سقوط سطوة تلك الآلة الإعلامية المهيمنة، هذه الآلة التي كانت تقدم-أحياناً-مواهب جد عادية، وتحاول النفخ فيها، وهو ما كان يحدث في ظل الإعلام الشمولي و الأحادي،عادة، هذا الإعلام الذي بات يغير تكتيكاته، واستراتيجياته، دفعة واحدة، بعد انتشار وسائل الإعلام الجديدة،بطريقة حرباوية، مبدلاً ثيابه القديمة، بأخرى جديدة، بيد أن جوهره يظلُّ-كما هو-إلا أن ما تغير، بات كامناً في اتساع دائرة الإعلام الجديد، وقوة فعاليته، ودرجة تأثيره..!.
إن الإعلام الجديد، وهو في أغلبه يعتمد على الصورة الإلكترونية، التي أصبحت أداته الرئيسة، بعد أن حاول مزاحمة الإعلامين المقروء والمسموع، وإن كان هذان الإعلامان سيتكئان على إنجازاته، بدافع غريزة البقاء، صار يقدم ثقافة معينة،تتماشى مع طبيعة اللحظة، حيث قد يتيح الفرصة لوجهة نظر ثقافية، محددة، أن تقدم ذاتها، وأسئلتها، ورؤيتها، ولو كانت لا تتجاوز مرحلة”القشور” في الوقت الذي قد تلجأ فيه، إلى التصامم، تجاه أية وجهة نظر،لا تتحقق فيها المواصفات المطلوبة من قبلها، كي تزيحها إلى الهامش، ولو كانت جوهرية، حيث أن ما حدث ينم عن أن السياسات المتحكمة بالإعلام،على مستوى عالمي، ظلت أرومة رؤاها، كما هي، في ما يتعلق بتقسيم المشهد الثقافي، إلى عالمين: عالم يجسد رؤيتها، وآخر غير منسجم معها، لذلك فإنها تتشبث بما هو قريب منها، تتيح له وسائل الترويج المطلوبة، حتى يمارس فعله، ويحقق خصيصة الاستقطاب الرؤيوي، بالشكل المخطط والمرسوم له من قبل واضعي مثل تلك السياسات الإعلامية، عالمياً.
إن تقدّم وسائل الإعلام على نحو هائل، وضعنا أمام الإشكال القديم نفسه، في علاقة الإعلامي بالثقافي، حيث نحن هنا، أمام إعلامين، متناقضين، يتمحور كل منهما حسب منظومة رؤاه، على السلم التدريجي لجوهر ثنائية أخرى، هي وفق اللغة الرياضية”السالب والموجب”، تماماً، حتى وإن كان وجه الصراع، مضمراً، غير مرئي، بل قد يلاحظ ثمة تداخل بين حدودهما، حيث إن من شأن الإعلام غير المبني على أسس تتوخى خدمة الثقافة الجادة، أن يتماهى في لبوس هذه الثقافة، حرباوياً، بيد أنها لا تسهو البتة، عن أداء المهمات المنوط بها، على أكمل وجه، مادام أنه يتم الترويج لما هو استهلاكي، عبر تكريس انزواء ما هو نافع، وقد يبدو كل ذلك غير واضح للعيان، للوهلة الأولى،لاسيما، عندما يستخدم الإعلام الاستهلاكي لغة المعرفة الأصيلة، في إطار محاولات إلغائه.
أجل،كل هذا ليتطلب، الانتباه والحذر الشديدين، في قراءة ثنائية الإعلام والثقافة، وذلك من خلال إبراز معالم الثقافتين الأصيلة، والمتهافتة، كل منهما على حدة، والسعي الدؤوب للنهوض الفعلي بكل دعامات الثقافة المتوخاة، بتبيان تفاصيلها ومفرداتها الصغيرة، والخطوط العريضة التي تسمها، إلى جانب تحقيق معادلة الارتقاء بالإعلام الجاد، ليكون في مستوى السؤال الثقافي، واضح الرؤية، والهدف، إلى الدرجة التي تحقق السمو الجمالي المعرفي، بأعلى أشكاله،في خدمة الفرد، لئلا يتم تضخيم ما هو قشري، هامشي، وتقزيم ما هو أصيل، جوهري، حيث هنا تماماً لبّ المشكلة الكبرى،أو نواة الحرب القديمة الجديدة…!
يتبع ..
Social Links: