مخاض المصطلح الجديد (13/2) ــ إبراهيم اليوسف

مخاض المصطلح الجديد (13/2) ــ إبراهيم اليوسف

 

_ما بعد الأسطورة :

ربما يوحي هذا العنوان”ما بعد الأسطورة”إلى أن متن المبحث  سينطلق من عالم الأسطورة، ذي المواصفات المعروفة، إلى ما بعدها،وهو تصور افتراضي، على أي حال، إلا أن الأمر لا علاقة له-هنا-بهذا العالم، وكيفية تشكله، وما يتضمنه من مفردات، ولا علاقة له بدلالات الأسطورة، وتوظيفها في الأدب والإبداع، ولا حتى بإمكان الاستفادة منها،في عالمنا هذا، بعد الانقطاع الزماني عن ساعة ولادتها، وملامستها لقضايا الإنسان، عبردورة تواصلها مع مهاد بذرتها الأولى،هذه البذرة التي تعد أسّ الأسطورة الذي بدأت منه، وهو كل ما هو واقعي في بنية الأسطورة عادة…!.

لقد باتت الأسطورة، دلالة ومصطلحاً،تتسرب إلى الخطاب اليومي،ثقافياً، لما بات لها من سطوة على الحاضر،في ظل انعدام الحدود بين الواقع والخيال، ليس على صعيد الإنجازات الكبرى التي بتنا نشهدها، من حولنا،في ظل ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية الكونية، فحسب، وإنما في تفاصيل حيواتنا اليومية، أيضاً، وهل أغرب من أن يشرف طبيب في إحدى قارات العالم، على عملية جراحية-مثلاً-تجرى لأحدهم في قارة أخرى، وإذا كان هذا المثال المشار إليه، علمياً، فإنه يمكن لنا أن نردفه بمثال ثقافي، مواز،وهو أن في إمكان أعداد لا متناهية، في قارات الكرة الأرضية، جميعها، أن يحضروا ندوة تفاعلية كونية، يبدي من يريد رأيه،في الأفكار التي تعرض،ضمن الهامش الزماني المتاح، وفي مثل هذين المثالين-وهما غيض من فيض-ما يدل على كسر الحدود التي كانت تواجه العقل، ولم يكن من مناص منها، إلا عبر أجنحة الخيال التي لم يعد لها-الآن-من لزوم البتة، في ظل تحقق الخيالي، والأسطوري، ليكونا واقعاً معيشاً بين ظهرانينا..!؟.

وإذا كان لهذا التقدم التكنولوجي المعلوماتي إيجابياته، الهائلة، التي تستعصي على الحصر، فإن هناك مساوئ كثيرة له، في مطلعها أنبعض ملكات الإبداع الإنسانيقد تتعطل في ظله،إلى تلك الدرجة التي بات الخيال العلمي-نفسه- ينكفئ، تدريجياً تحت لجج تأثيره،  ويكاد ألا تكون له من ضرورة، بل وإذا كان الإنسان ليعد العدة، ليسكن”المريخ” عبر كبسولة ستطلق عدداً من المغامرين الذين قد يعمرون ذلك المكان،الذي يهدد عالمنا، بنشأة عالم مواز،فإن دور الخيال  سينحسر، وسينحصر، بعد هذا المشروع العلمي الأكبر في تاريخ التقدم العلمي،في طريقة إعادة هؤلاء إلى الأرض، وهو ما لا يزال العلم عيياً أمام تحقيقه، لاستحالته..!.

وغير بعيد عن وقعنة الخرافة، والأسطورة، والخيال، فإنه يمكن الحديث عن أسلحة الدمار الشامل التي خلقت لتفتك بالإنسان، وتبيده، وتمحوه عن مسرح الحياة، حيث لم يعد من يتم صيده بوساطته مجرد فرد، بل إن هذا الفرد يحقق عبر معادلة العلاقة بأشكال هذه الأسلحة، وحدة المصير، مع أفراد أسرته،أو سكان مبناه،أوحيه،أو مدينته، وبلده،وهو ما كان له أن يتم على يدي الإنسان، لولا أن عقل هذا القاتل قد انحط إلى الحضيض، وراح يشكل منظومة أخلاقية ذئبية، افتراسية، لديها الاستعداد للكبس على”زر” آلة فناء البشرية،برمتها،من أجل إرواء ظمئه الدموي، وشهوة الاستبداد والسلطة المرضية في أعماقه، وهو عقل وبائي،لابد من وضعه على طاولة التشريح العالمي، من أجل وضع حد لغيه وهسترياه وشروره التي تصيب العالم كله، لمجرد أن يكون في العالم ثمة طفل تبتلعه آلة حربه الدموية.

إن الأسطورة، والخرافة، والخيال، لأمام محنة حقيقية، في ظل إجهاز الواقع، على كل هذه المفردات والعوالم،لاسيما وأن ما يتم يثبِّط ما هو جميل لدى الكائن البشري، بل إن حياته باتت في مرمى هاتيك الآلة لا تخطيء في مهمة نشر الدمار والخراب والقتل، مسوية بين المعقول واللامعقول، ما يدعو لإطلاق صرخات الاستغاثة،في الجهات كلها، كي تتضافر الجهود، لتثبيت دعامات ثقافة حب الحياة، والإنسان،  ونبذ لغة الكراهية، وإلغاء وجود الآخر المختلف،عبر خصيصة الحوار الأسمى،كي يكون أي إنجاز بشري في صالح بني الإنسان، لا وبالاً عليه…!

_ الكتاب رقيباً لا مراقباً :

مكتبة في جيب قميص

إذا كانت الحياة، ذلك الشريط من الاحتمال بين دفتي كتاب واحد، فإن  من شأن هذا الكتاب نفسه، أن  يتحول إلى كتب  لا نهاية لها، ضمن  ذلك الخط الذي يربط بين دفة وأخرى، أو لنقل:”ضفة وأخرى”، أو برزخ وآخر، حيث لكل امرئ “كتابه”، في الحياة، كما أن هذا الكتاب نفسه، هو البرزخ  بين عالميه، كسيرتين إحداهما معلومة، والأخرى مجهولة، تتعلق بما تسطره  هرولاته الحياتية، محطة محطة، أو رمشة عين تلو أخرى، حين تكون الرمشة، أو صنوها”خفقة القلب” معياراً زمانياً، نحتكم إليه، ونحن نتناول  الشخص، في عرف التقويم.

والكتاب، في هذا المعنى، رديف الكائن البشري، في لحظة وعيه نفسها،  سجل الأنفاس، في زفراتها وشهقاتها، كإعلان عن ديمومة المرء، وهو المتناسل” كتباً” رمزية، وأخرى متخيلة، إلى جانب هاتيك الكتب التي يمكننا صناعتها، حين نجعلها وعاء لعصارة الرؤى، أية كانت، وإن كان الكتاب هنا مفتوحاً على سدم التأويل، يستدعي اقتناص أنموذج منه، على اعتبار أن علامته الفارقة تكمن في اختلافه، بيد أن مواته ليكمن في تشابهه مع سواه، كأحد أسراره التي لا مناص منها البتة.

هكذا يصبح الكتاب ميداناً للعارف، كي يترك أثر خطوه، وهو يسوح على امتداد شريط زماني، لا يمكنه أن يستقدمه أو يؤخره البتة، بل ويصبح  ميزاناً يلجأ إليه العيارون، من كل صوب وحدب، وفي أيديهم موشورات الضوء يقرؤون بوساطتها الحبر على اختلاف ألوانه، وإن كنا لنقع على أحبار استثنائية تشبه دواخل الكائن البشري، متفرداً، من دون نفسه، أو الآخرين معاً، حينما يذرذر حكمته الشاهقة، يربطها إلى اسم عال، هو اسمه تحديداً. بيد أن الكتب الشبيهة-وما أكثرها- تستعير ملامح الكتاب الأصل، أدوات، وإهاباً، وحجماً، بل قد تبزه في الكثير العرضي، لكنها سرعان ما تعلن عن عريِّ الداخل، وتشوهها الخلقي، كي تعود في قليل من الوقت إلى  مبتدئها، فلا يستغرق احتضارها طويلاً، وهي تتلاشى، مسيئة إلى أصحابها، أية كانت قاماتهم، كأنهم الأهزوءة الفريدة، في دورة النسيان الأكيد…!.

لبنة لبنة، يهندس معماري الكتاب، قلعة عالمه، أخطوطة، يوازن بين بياضها وسوادها، في معاينة أكيدة، كي يقف على بعد منها، بعد حين، يعاينها، يسوي الأبعاد، في كتل من مفردات مدوية، أو صماء، أو هامسة، كما يريد لها في قدر سابق، يمحو ما نتأ منها، لداع من عجلة، أو سهو، ليضيف –في المقابل-ما برق من إيماضة لهبية، من أعماق النفس، فكرة، أو إلماعة مهيبة، يشير إلى مكانها، ذاته، قائلاً: ها هناك..!،فلا يندم على خسارة في جملة مرمية، إلى جانبه، أو رعونة أخرى تبخترت في بذخها ودلِّها السرمدي، مادام الكتاب التالي، إلماعة الكتاب الأول، وارتداد وقع الحروف وهي تشي برائحة أصابع كلتا يديه، وهما تباغتان الصلصال، في لحظة الولادة، فلا يغرنَّك بريق أصم، و لا يرعبنك خفوت أرعن، صارخ، مادامت الخيوط كلها موثوقة إلى أصابعك نفسها، وهي اللحظة التي ستقف فيها، أمام ما تشامخ من بناء، هو أنت-تماماً-هو أنت في لحظة المخاض والولادة، في حضرة هذا الطفل الذي سيدل عليك أنّى كنت.

لكل امرئ كتاب، في حياته، بيد أن الكاتب له كتابه المختلف، حيث يعصي كتابه الأول، جانحاً إلى تدبيج كتابه الأكثر شبهاً بروحه، كي  تبلغ حريته أوجها في تخومه، أنَّى تمرد على ما يثبِّط من همته، ويربطه إلى مجرد حبر سابق على ولادته البيولوجية، كي يصنع ولادته الثانية، بيده، حلماً حلماً، وانكساراً انكساراً، يطمئن إلى ديمومته في كتاب يشبه عوالمه الداخلية، لئلا يتكرر ويتناسخ مع غيره، في مغامرة إعلان الذات، بالطريقة الأكثر تماهياً، مع خبايا نفسه الأمَّارة بالحياة، ولكي يكون كل كتاب له، عالماً خاصاً، لا يتقاطع فيه كتاب مع كتاب، لئلا يلغي  اللاحق السابق، للخروج من  ِربقة التنميط، وطمأنينة التكرار الباهت..

وإذا كان أُسُّ الكتاب مفردةً، أو لبنة، فإن الكتاب ليتحول بدوره إلى لبنة أو أسًّ، في مكتبة، وتتحول المكتبة نفسها إلى أس، أو لبنة، في معرض كتاب، بل إن معارض الكتب الصغيرة، قد تتحول إلى لبنات أو أسس في معرض أكبر، ليكون الكتاب مدار ذلك العالم، والكتاب هنا بحر، أمواجه رؤى المبدعين، والكتاب، والمفكرين، وأهل المعرفة، والثقافة، على مختلف ، أهوائهم، ومشاربهم.

الكتاب سرُّ كاتبه، المنكشف-بغتة- من قبل المتلقي، أنًّى أيقظته أصابعه، كي تبدأ الدورة بين: المرسل والمرسل إليه، يقف الأخير على  جنى الأول، يتناولها-بحسب طريقته-أو يلتزم بضوابط القراءة الصارمة، أو يخرج عليها، ليحقق أمنية المرسل، العبقري، الفذ، وهو لا يريد  لمتلقيه، أن يراوح في دائرة ظلِّه، بل أن يخرج إلى المدى المفتوح، يصنع خطواته، وظله، وقامته، من دون أن  ينال ذلك من جدوى خطابه، بل ليعزز ذلك الحضور، من خلال كسر شرنقة أفكاره، والتلاقح مع بذرتها الجديدة.

يبتعد الكاتب عن كتابه، فرسخاً زمانياً بعد آخر، وقد يتحول جسده إلى رميم، بيد أن حبر كتابته، لا يجفُّ، وإنَّما يظل دائم الخضرة، وعلى امتداد شريط الروزنامة، تلك، في دورتها الأبدية، يشيرإليه، ليكون معاصر اللحظة التالية، أعلى من حجاب الوقت، كي نعرف أساطين المعرفة، والفن، والأدب، تدوِّي كلماتهم في آذاننا، بل  تنوب الكلمات عن أصحابها، ترسم ملامحهم، فنعرف أفلاطون وشكسبير وغوتة، كما نعرف ابن عربي والسهروردي والحلاج والخاني والجزريوجكرخوين، نتفق معهم هنا، ونختلف هناك، ننتشي بعبارة هذا، وتستفزنا جملة ذاك، كي تعلق صورة في الذهن، وتمر الأخرى بِدلِّ، وسلاسة، وعذوبة،ضمن الكتاب الواحد.

وللكتاب”بصمته” التي تجعله مختلفاً عن سواه، وهي”علامته الفارقة” أو هويته، وهذا ما يجعلنا نتعرف على أفكار أي كاتب قرأناه، في أحد كتبه، حتى وإن تسللت إلى كتاب سواه، حيث نحتكم إلى مقياس السبق الزمني، نستذكر الكتاب، والكاتب، أنَّى ابتعدا عن لحظة القراءة. كما أننا نعد شخوص القصص والروايات أصدقاء،أو معارف، نستظهر صورهم، وأشكالهم، وقد يبكي أحدنا مع غابرييل غارسيا ماركيز، عندما يقتل بطل روايته”وقائع موت معلن” سانتياغو نصار، فنظن أن هذه الشخصية تقتل أمام أعيننا للتو،  كي تلتقي صرختنا،مع صرخة “غابو” ونحن نشم رائحة عصير “الليموناضة” تقدمه مرسيدس لزوجها.

وكما أن عدوى الكتب، يتباين مدى الإصابة بها، بين شخص وآخر، فإنه قد تكون درجة الإصابة في حدودها العادية، لدى بعضهم، وإن لها الحد الأعظمي، الأقصى،  حين يغدو الكتاب لدى قارئه رفيق درب، تكاد صفحاته لا تفارق يديه، بل قد يضعه برفق قرب رأسه، أنى هدَّه النوم، أو أنه يفرد له مساحات الصدر- والعلم عنوانه الصدر لا السطر في عرف المتصوفة-لأن ما يتسرب عبر اشتراك حركات الأصابع والعين، والمخيلة، والوعي، هو الأنفع، ولعل أبا عمر الجاحظ هو مثال من استرخص أغلى ما يملكفي سبيل هيامه العالي، بالكتب، إذ لم يقصه شلل، أو ملل، عن كراريسه، إلى أن دفع حياته، ثمناً لذلك الحب الجم، بعد أن تساقطت عليه أكداس مجلدات كتبه عليه، كي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وإن كان سينظر إليه كأحد عناوين الكتب والكتابة والقراءة، في خريطة المعرفة.

وإذا كان هناك من اشترى كتب مكتبته، على حساب أشياء كثيرة، حرم نفسه منها، فهي ليست مجرد  ديكور منزلي، كما قد يتوهم بعضهم، فيقتني” مجلدات كتب” لمجرد تشابه ألوان أغلفتها مع “ديكور منزله، فإن الكتب تجد نفسها أسيرة، مهمشة، جريحة، مادام أن ليس هناك من يمِّسد فضاء صفحاتها، بحنو وإجلال.

لقد كان الكتاب مستهدفاً –أبداً-من قبل الطغاة، والمحتلين، فلكم من كتب أمم أحرقت، أو رميت في نهر هادر، فلونت ماء النهر إلى وقت بلون الأحبار!، ولعل بعض هؤلاء الآثمين لم يكتف بحرق الكتاب، بل تجاوزه إلى حرق صاحبه، من دون أن يشفي له غليل، وها هي هجرة العقول-في العالم- تشي بمأساة كاتب مبدع، ضاقت به أرض بلده، على اتساعها، مادام أنه لم يتورع عن قولة الحق، بل أن هناك كتباً تمت مصادرتها، كما تمت مصادرة حريات، بل حيوات أصحابها العظام، من دون أن تلين لهم قناة البتة.

وها هو الكتاب، في زيِّه الورقي، يتسيد مشهد القراءة، وإن كان في المقابل ثمة كتاب إلكتروني، أو مكتبات إلكترونية عالمية، يمكن حفظها” أو وضعها في الجيب” من خلال أقراص مدمجة، في وزن لا يتجاوز وزن “الريشة” نفسها، بل ويمكن تناقل هذه المكتبة، لتكون بين أيدي قارئيها، أينما كانوا، كي يدق الكتاب”مسماراً”أخيراً، في نعش الرقابة، ليشكل التحدي الأكبر في مواجهة ذلك الرقيب العتيد، ذاهباً بسطواته إلى مدياتها الأبعد…!

 

يتبع ..

  • Social Links:

Leave a Reply