أوربا العجوز تهتّز أمام الاعصار البريطاني هل يتجه الاتحاد الأوربي نحو التفكك ؟ ! قراءة في تداعيات ماحدث – مصطفى الدروبي

أوربا العجوز تهتّز أمام الاعصار البريطاني هل يتجه الاتحاد الأوربي نحو التفكك ؟ ! قراءة في تداعيات ماحدث – مصطفى الدروبي

 

مصطفى الدروبي

جاءت نتائج التصويت على بقاء المملكة المتحدة في إطار الاتحاد الأوربي من عدمه بمثابة تسونامي اهتزت له أوربا العجوز بكاملها حيث قادتها اليوم يعيشون الصدمة والارتباك مما حدث ..وحتى ممثلي القوى السياسية للمملكة المتحدة حكومة ومعارضة أصيبت بالذهول وتباينت الآراء حوله.. حيث سماه البعض بالكارثة اللعينة …وشبهه البعض الآخر كمن يقفز في الظلام…وعلى إثر إعلان النتائج حدث الزلزال غير المسبوق في سوق الأعمال والأموال فالإسترليني وصل إلى هبوط مخيف والقلق بدأ يساور الكثير من الشركات العاملة على الأراضي البريطانية ..وعما يحمله الغد من مفاجآت . أما الأصوات الصادرة عن ممثلي كل من أسكوتلندا وإيرلندا الشمالية ( كون أصوات هاتين المقاطعتين ذهبتا إلى الموافقة على البقاء ضمن أسرة الاتحاد)كانت منذرة بتهديد وحدة أراضي المملكة المتحدة ذاتها (والتي تشكلت بموجب القرار الصادر سنة 1800 م من أربع أقاليم هي: إنجلترا وأيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز) والتي قد تغدو بعد هذا الحدث التاريخي مملكة منقسمة لاحقا تخرج الأطراف المكوّنة لها على سلطة التاج البريطاني. فبريطانية العضو الثري في الاتحاد الأوربي والممثلة لأعرق البرجوازيات في أوربا ..قررت رأسماليتها النأي بالنفس والخروج من الأسرة الأوربية مستندة إلى استياء أكثر من نصف سكانها من اتحاد رأوا فيه بيروقراطياً ومترهلاً لم يجلب لهم سوى المتاعب العديدة. رغم أن بوريس جونسون ( الرجل القوي الآن في حزب المحافظين والرئيس السابق لبلدية لندن ) حاول أن يبعث برسالة اطمئنان لشركاء بريطانية السابقين في الاتحاد الأوربي قائلاً : أن الخروج لا يعني أن بريطانيا ستنكفئ على نفسها…وسيبقى الحرص بالإبقاء على الشراكة الاقتصادية الأوربية قائماً.. في الطرف الآخر هبً قادة اليمين المتطرف في كل من فرنسا وهولندا والنمسا واسبانيا ..حيث وجدوها فرصة للمطالبة بانتخابات مماثلة في بلدانهم طالبين من الشعوب الأوربية أن تحذوا حذو الإنكليز ومحمّلين الاتحاد المسؤولية عما آلت إليه أوضاعهم الحالية مركزين على قضية الأمن و الهجرة ومخاطرهما الوجودية على هذه الكيانات حسب ادعاءاتهم. وبالعودة إلى الوراء فإن بريطانيا كانت قد انضمت إلى الاتحاد الأوربي سنة 1973 لكنها لم تكن في يوم من الأيام مع هذا الاتحاد قلباً وقالباً حيث ولاءها كان على الدوام للولايات المتحدة الأمريكية وهذا ليس بجديد فمنذ هارولد ويلسون إلى طوني بلير وموقفه الخارج آنذاك على الإرادة الأوربية حين تحالف مع المحافظين الجدد الأمريكان في الحرب على العراق عام 2003 ظلت بريطانية تغرد خارج السرب غالباً ..لكن حضور بريطانيا أوربياً تجلى بثقلها العسكري والاقتصادي وديمومة عضويتها في مجلس الأمن…. وعموماً فإن القضية لن تنحصر بخروج بريطانيا لوحدها من الاتحاد الأوربي بل شكّل هذا التصويت بوابة عريضة لقوى التطرف التي بدأت ماكينتها الاعلامية تشيع روح الحماسة بنفوس الأوربيين ودعوتهم لفعل ما فعله البريطانيين في أجواء الشحن البغيض ضد قضية الهجرة والمهاجرين وازدياد العنصرية والعداء للأجانب ولا غرابة أن نجد زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبين وهي تضع وبنشّوة غامرة صورة العلم البريطاني على صفحتها داعية الفرنسيين للسير على نفس الطريق وهذا مؤشر شديد الخطورة حيث يذكّرنا بالفترة المنصرمة إبان أربعينات القرن الفائت والذي صعدت قوى الفاشية والنازية خلالها إلى سلط الحكم وفي أكثر من دولة أوربية معممة الحروب والقسوة والدوس على قيم الديمقراطية تاركة ندب من العار على صفحات التاريخ العالمي بأفعالها المشينة. إن أوربا المرتبكة الآن أمام الحدث البريطاني المزلزل تعيش اليوم لحظة فاصلة في تاريخها حيث شعوبها ملّت من خشبية خطاب أحزابها التقليدية بيمينها ويسارها إلى جانب عجزها عن الخروج من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالكوكب عام 2008 م والضربات الإرهابية التي أصابت أكثر من بلد فيها بالإضافة إلى موجات الهجرة المتتالية من دول الأطراف نحوها . إن العودة إلى الهويات القومية والعزّة الوطنية المتطرفة التي تشهدها أوربا اليوم وهي تنبعث من جديد قد أطاحت بأحلام مفكّري أوربا وساستها الذين ظنّوا أن توحيد المصالح الاقتصادية عبر السوق الأوربية المشتركة والتي تُوجت بقيام الوحدة الأوربية لا رجعة فيه . . .

  • Social Links:

Leave a Reply