(كاتب وقاصّ وشاعر)
فجأةً وجدتُ نفسي وزيراً، بل أكثر من وزير.. وزيراً للفلاحة والزراعة والإنتاج النباتي والحيواني …
جاءتني مكالمة على جوّالي، قالوا لي إنّهم يتحدّثون إليّ بصفتهم من أعوان زعيم البلاد، وأنّهم ليرغبون في لقائي ويريدون أن يطّلعوا على أفكاري في تطوير الزراعة، نظراً لأبحاثي العلمية المتعدّدة، ولسمعتي الطيبة، وبُعدي عن أيّ انتماء سياسي أو غير سياسي، سوى العلمي …
ضحكتُ، ضحكتُ كثيراً، غمرني السرور: هل يُعقل أن أُعرَف فقط من خلال أبحاثي ونشاطي العلمي والتدريسي؟ وجاءتني الإجابة على سؤالي الداخليّ هذا بأنّ اتّصالهم خير برهان …
بعد أحدَ عشرَ يوماً، وفي الساعة الرابعة عصراً، جاءتني مكالمة على جوّالي : اذهب إلى المقهى الفلاني، سنراك فيه بعد ساعتين .. ذهبتُ .. جلستُ.. انتظرتُ.. بعد أكثر من ساعة جاءتني مكالمة: اذهبْ إلى الفندق الشهير في المدينة، سترى أنّه قد تمّ الحجز لك.. ودُفِعَ المبلغ كاملاً، خذ المفتاح واصعد إلى غرفتك.. ابتسمتُ.. وقلتُ في نفسي: ما هذا؟ هل يُعقل؟! ذهبتُ.. وصعدتُ إلى الغرفة .. وبدأتُ أنتظر من جديد ..
بعد أقلّ من ساعة جاءني شخصان على غاية في الأناقةـ اقترب مني أحدهما، قال لي: أنا الذي اتّصل بك على الجوّال منذ أيام. ابتسمتُ.. أخرج لي بطاقة عليها صورته وختم زعيم البلاد. قَسَمات وجهي عبّرت له: إنّي لا أشكّ في شخصيّتك. قال لي: تفضّل معنا، المكتب العلمي مجتمع.
لم أكنْ لأتكلّم من شدّةِ صرامةِ حديثهم واقتضابه وجدّيّة تعابير وجهيهما.
ركبتُ سيّارتهما الفاخرة، دخلتُ مكتباً، رحّب بي مديره ترحيباً أخجلني من كثرة المديح، ثم قال لي: زعيم البلاد لا يحبّ البدلة ذات اللون البنّيّ الغامق، هو يحبّ الألوان الفاتحة.. ظهرتْ عليّ ملامح الأسف والاعتذار، قال لي بسرعة: لا عليك..جهّزنا لك ثلاث بدلات اخترْ واحدةً منها. اخترتُ البنّي الفاتح.
تركَ المدير المكتب، غيّرْتُ ملابسي، ولم أكدْ أنتهي حتى جاءني شخص أعرف ملامحه جيداً من التلفزة، رحّب بي، واصطحبني معه إلى قاعة لم أَرَ مثلها في حياتي، وقال لي: اجلسْ من فضلك، كيف تحبّ القهوة؟ أجبْتُهُ بارتباك: حلوة.. بعد أقلّ من دقيقة وصلت القهوة.. وبعد ثلاث دقائق سمعتُ صوتاً مألوفاً جدّاً على آذان ناس البلاد كلهم، ومنهم أنا:
قال الصوت: هل وصل؟ هو هنا إِذَنْ؟ ثمّ فُتِحَ الباب، ودخلَ عليّ .. نصفُ فنجان القهوة انسكبَ عليّ من هول المفاجأة، صافحني، قبّلني، دعاني للجلوس، وجلسَ معي بودٍّ عجيب، وفاتحني بالقول:
لا تظنّ نفسَكَ نكرة، أنتَ عَلَم من أعلامِ البلاد، ونشاطكَ العلميّ فخرٌ للأمّةِ كلّها.
وهممْتُ أعطيهِ ستّ صفحاتٍ كتبْتُها على شكل رؤوس أقلام للنهوضِ بزراعة البلد، ضحكَ وقال: وصلتْني، وقرأتُها منذ قليل، وموافق على كلّ ما جاء فيها..
عجبْتُ.. كيف حصل عليها؟ ثمّ تذكّرْتُ: لهم أساليبهم الخفيّة في ذلك.
وبعد أقلّ من ربع ساعة قال لي بلهجة الواثق والذي يزرع الثقة في نفوس الآخرين: جهّزْ نفسَكَ وزيراً في الوزارة القادمة بعد شهر أو شهرين على الأكثر. وتركني مذهولاً وهو يودّعني، ويختفي من أمام عينيَّ بطريقةٍ عجيبة.
بعد أقلّ من عشرين يوماً قدّمَ رئيس الوزراء استقالته، وتمّ تكليف آخر.
في اليوم التالي اتّصل بي مَنْ تمّ تكليفه، وقال لي: كيف هي معنويّاتك؟ أنتَ وزيرٌ من أعمدة وزارتي الجديدة.
شكرتُهُ، ولم يسألني أيّ سؤال آخر.
كنتُ معه أكثر جرأةً، سألتُهُ: متى تحبّ أن نلتقي؟ قال لي: والله المشاغل عندي كثيرة، أحاولُ أن أرتّبَ لقاءً معكَ، ولكنْ إن لم أتمكّن حتّى الاجتماع الأوّل للوزارة فاعذرني.
وبعدَ أقلّ من أسبوع دُعيتُ إلى مبنى رئاسة الوزراء، تواقيع منّي بالجملة، على السيّارتين الفخمتين، وعلى قبولي بالتكليف، وعلى مهمّاتي ضمن (وزارة الفلاحة والزراعة والإنتاج النباتي والحيواني).
الاجتماع الأول كان برئاسة زعيم البلاد، تحدّثَ وتحدّثَ وتحدّثَ.. وجَّهَ الوزراء جميعاً، وزارةً وزارة، ونوّهَ إلى ما على كلّ وزارة من أعباء ومهمّات في المرحلة القادمة، مرحلة الانطلاقة الجديدة للبلاد…
ثمّ قال مخاطباً أعضاء الوزارة جميعاً: ثقتنا بكم كبيرة، والبلاد تعتمد عليكم، وهذا الشعب العظيم ينتظر عطاءاتكم… وأنتم أهل لهذه الثقة.
ثمّ خرجَ، وانفضَّ الاجتماع.
في صباح اليوم التالي انتقلتُ إلى مبنى الوزارة بطريقة لم أعهدها من قبل. جاءتْ السيّارتان، اتّصل بجوّالي مدير مكتب الوزير، قال لي: نحن جاهزون ويُسعِدُنا أن تكون وزيرنا…
وصارت الاجتماعات الأسبوعية للوزارة تتوالى، اجتمعنا اجتماعاً واحداً برئيس الوزراء أنا ووزير العدل ووزير السياحة، كانت طريقة رئيس الوزراء في هذا الاجتماع لا تختلف كثيراً عن طريقة زعيم البلاد، سوى بقوله في كلّ محطّة قول: نحن وزارة قابلة للتعديل في أيّ وقت، بمن فيهم رئيس الوزراء…
كانت اجتماعاتي متواصلة بالهيئات التابعة للوزارة، من هيئة التخطيط، إلى هيئة الإنتاج، إلى هيئة حصر المخالفات… وكنتُ أسألُ أعضاءَ الهيئات أن يوافوني بآرائهم، فكانوا يقولون: ننتظر توجيهاتكم.
عُرِضتْ عليّ الموافقة على منح أرض زراعيّة بمساحة عشرة آلاف هكتار من أملاك الدولة، الغرض منها إنشاء مجمّع سياحي وفندق خمسة نجوم، مؤلّف من 240 غرفة، طبعاً لم أوافق، أخبرني رئيس الوزراء بأنّ المشروع جميل، ويدرّ على البلد كلّها أرباحاً. قلتُ له: بل يحرمها من ثروات زراعية. لم يضغط عليّ.
عُرِضتْ عليّ الموافقة على مشروع تربية مئتي ألف رأس من الأغنام البلديّة، في مشروع مدروس بعناية ودقّة، حتّى الأعلاف الخضراء لهذه الأغنام كانت داخلة ضمن المشروع، بالإضافة إلى إنتاج الحليب والأصواف… وقد أحلته إلى رئاسة مجلس الوزراء رجاء الموافقة على قرض بربع تكلفة المشروع، يُسَدَّدُ خلالَ خمسِ سنوات، فجاء ردّ رئيس الوزارة بالمذاكرة.. ألمح لي أنّ مشروع المجمع السياحي ينتظر توقيعي، فاعتذرتُ، فقال لي: كيف نوافق على مشروع الأغنام ومشروع الفندق لم يُوافَق عليه؟ قلتُ في نفسي: يعني هذه بتلك…
خرجتُ من عنده دون أيّ كلام آخر..
سنة كاملة وأنا وزير، لم أستطع أن أحقّق أيّ فائدة لبلدي.. منذ أسبوعين فقط تمّت تعديلات وزارية، وصرتُ: (وزير الدولة لشؤون البيئة).
سأقدّم استقالتي وأعود إلى جامعتي.. أرجو أن لا يتضايق منّي المسؤولون.. عفواً: ألستُ مسؤولاً؟ أشكّ في أنّني قد مارستُ مسؤوليتي بنسبة الحدّ الأدنى.. سوى الموافقات وعدم الموافقات، والظهور في وسائل الإعلام في حفلات تدشين المشاريع…
ملاحق:
ملحق (1):
إيّاكَ أن تقدّم استقالتك بنفسكَ.. نحن نقيلكَ في الوقت المناسب. هذه الكلمات من مدير مكتب الزعيم.
ملحق (2):
وزير الزراعة السابق، وزير البيئة الحالي، مقبوض عليه بقضايا تتعلّق بالفساد.. (عناوين صحف البلد).
ملحق (3):
يُفرَجُ عن المتّهم مقابل كفالة مالية تقدّم للمحكمة مقدارها 500000 دولار. (قرار المحكمة).
ملحق (4):
يتدخّل زعيم البلاد، يأمرهم بإطلاق سراحي، ويخبرني شخصياً على جوّال مدير السجن: (أنتَ ثروة للبلاد، ولن أسمح لهم بأكثر من ذلك، أصدرتُ أوامري بإطلاق سراحك، وغداً تعود إلى كلّيّتك).
ملحق (5):
طلاّبي الذين عُدْتُ إليهم ينظرون إليّ نظرة ازدراء ووضاعة، بل احتقار، وهم الذين كانوا يقدّسونني.

Social Links: