البحث عن جذور الاستبداد في القرن العشرين 2-4

البحث عن جذور الاستبداد في القرن العشرين 2-4

ياندوم ياندوم
3
الأيديولوجيا أم الواقع؟
هل هناك أيديولوجيا فاشية؟ وأين يمكن العثور على هذه الأيديولوجيا في شعارات الفاشية أم في ممارساتها؟ في ممارساتها قبل استلام السلطة ام بعدها؟
قال (تولياتي):”لا شيء يشبه الحرباء كالأيديولوجيا الفاشية”.
ومن الصعب تجميع عناصر الأيديولوجيا الفاشية لأنها عبارة عن خليط انتقائي مسروق من ايديولوجيات مختلفة. فقد أخذت من الاشتراكيين الديمقراطيين مبدأ الوفاق الطبقي. ومن الشيوعية سرقت مبدأ التخطيط.. وفي برامجها وشعاراتها المعلنة تريد الفاشية تجميع قاعدة جماهيرية واسعة ومتناقضة.
فشعارات (التعاون الطبقي) والهجوم الأخلاقي على الرأسمالية تهدف لجذب البرجوازيين الصغار. والشعارات الاشتراكية تهدف للتأثير على العمال السذج المقطوعين. ومن جانب آخر تهاجم الفاشية الماركسية والنزعة المطلبية لدى العمال لاسترضاء الرأسماليين وتطمينهم.
وبعد فشل انقلاب 1923 اخذ هتلر يدعو لاحترام النظام والدولة لتزكية نفسه امام الساسة الرسميين. اما العنصر الأساسي في الأيديولوجيا الفاشية (القومية المتطرفة) فهدفه ربط العناصر المتناقضة وتجميع أوسع الجماهير وخاصة البرجوازية الصغيرة. ولا تكتفي الفاشية بتكييف شعاراتها حسب ميول الشرائح والطبقات التي تخاطبها، انما تعيد صياغة المبادئ بين آونة وأخرى وتخضعها لتكتيكات العمل السياسي الآني.

موسوليني وهتلر

موسوليني نفسه يقول: “نحن الفاشيون لا نملك عقائد جاهزة، عقيدتنا هي الواقع” وقد بدأت الفاشية في إيطاليا بشعارات ثورية رنانة تريد ان تضع (الاشتراكية التقليدية) على يمينها. فالعدد الأول من جريدة (البو بلو دي ايتاليا) الذي أعلن ميلاد الفاشية كان يحمل في أعلاه شعارين مع افتتاحية كتبها موسوليني نفسه، الشعار الأول يقول: ” من يملك الحديد يملك الخبز”. ولكن حراب موسوليني، بعد استلام السلطة توجهت منذ البداية نحو نقابات العمال والماركسيين وأيضاً نحو العناصر (الاشتراكية) داخل حزبه. وبعد فشل انقلاب 1923 بدأ هتلر يكيف كل برامج حزبه لمداهنة كبار الملاك والبرجوازيين ولذلك قلب (البرنامج الثابت) لحزبه في 13 نيسان 1928.
كتب (الفرد روزنبرغ) في مقدمته لطبعة 1937: ” في القضايا المبدئية لم يتغير شيء من الدستور. هناك أشياء وجد الرايخ ان طرق تحقيقها قد اختلفت “.
لكن ماذا حذف وماذا بقي من بنود الدستور المبدئية!
حذفت من دستور عام 1920عشرة بنود وعدد من الجمل، منها المادتان 11، 14 اللتان تنصان على الغاء كل دخل لا ينشأ عن العمل ويمنعان أرباح الحرب، ويمنعان ايضاً إقامة التروستات والاستغلال والاحتكار. كما حذفت المواد (9-10-24) التي تنص على تنظيم العمل الوطني واعتبار المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات والعمل، وتقديم المنفعة العامة على المنفعة الشخصية. وحذفت الفقرتان (17-16 ) اللتان تنصان على تنظيم الحياة الزراعية وتمنعان رهن الأراضي والمضاربات وعلى معاقبة المرابين والمضاربين. وتنص المادة 16 على الملكية الاشتراكية لمؤسسات الدولة وتعاقب، حتى بالإعدام، لكل من يتلاعب بها. وأضيفت للدستور الجديد فقرة تقضي بقبول الحزب لمبادئ الملكية الخاصة… باختصار حذف كل ما يتعلق ب (الثورة الاجتماعية) وبقيت من الدستور فقط المواد المتعلقة بالسياسة والعرقية والتوسعية والعمومية. وقد ترافق هذا التعديل مع إزاحة جناح (شتراسر) الذي طالب بتغليب الجانب الاجتماعي على العرقي في (الثورة النازية) وكانت (الأسباب التكتيكية) وراء هذا التعديل هي ضرورات التحالف مع رجال الصناعة وكبار الملاكين الزراعيين.. فبعد أشهر من هذا التعديل أي في الاول من كانون الاول 1929 اجتمع هتلر بكبار عمالقة الصناعة الالمان في (دسلدروف) وأوضح لهم اهداف حركته: الغاء الاتحادات النقابية والأحزاب الماركسية ورفع التسليح والتهيئة للحرب.
اعتبر كتاب روزنبرغ (اسطورة القرن العشرين) بمثابة انجيل الحزب الاشتراكي القومي حتى ان الكولونيل (هوس سيل) قال في محاكمة نورمبرغ انه ظل يقرأ هذا الكتاب لسنوات عديدة بمعدل مرة كل أسبوع. ولكن هتلر تنصل عن كتاب فيلسوفه المقرب عندما التقى رجال لكنيسة، واعتبره وجهة نظر شخصية وليست حزبية، وانه شخصياً لم يطلع على الكتاب!
غيرت الفاشية اذن برامجها وشعاراتها باستمرار بحسب تحالفاتها. ولكن هل يصح اعتبار “الانتهازية الراديكالية” كما يقول أريك فروم في (الخوف من الحرية) “جوهر” الايديولوجية الفاشية؟ اذا تابعنا خط التغيير هذا سنجد ان الفاشية تطابقت في النهاية، عند تسلمها السلطة، مع جوهرها باعتبارها “دكتاتورية إرهابية سافرة لأكثر عناصر رأس المال رجعية وشوفينية”. ولكن هذا الكمال الفاشي الذي تحقق مع موسوليني وهتلر لم يبدأ بهما فالنازية في المانيا لم تكن بدعة الساحر ادولف هتلر، انما للمسار التاريخي للبرجوازية الألمانية، وتطبيقاً عملياً لإرث فلسفي رافق مسيرتها.
فقد دخلت المانيا المرحلة الرأسمالية متأخرة عن الدول الاوروبية الأخرى، وفي عز الازمة الرأسمالية العالمية، وكانت غارقة في ديونها. وعندما وصلت المرحلة الامبريالية، كانت أوروبا قد سبقتها في اقتسام خيرات العالم. ولذلك ارادت الرأسمالية الألمانية ان تنتزع حصتها بالعنف. وقد حققت المانيا وحدتها في وقت متأخر جداً.. إنكلترا وفرنسا حققتا الوحدة الوطنية منذ أيام الملكية المطلقة، وذلك بعد صراع قاسي وطويل مع النزعة الانفصالية للأمراء الاقطاعيين. وبعد انجاز هذه الوحدة بدأت الدولة البرجوازية بإزاحة ما تبقى من البيروقراطية الاقطاعية لكي تكيف المجتمع برجوازياً. في المانيا لم تستطع البرجوازية الحديثة العهد، والمأزومة منذ النشأة، ان تقق الوحدة القومية إلا بالتحالف الطبقي مع النبالة والاقطاع. ولذلك تحققت الوحدة بشكل رجعي بسماركي.
وقد ولد الإرث الفلسفي النازي بالتحديد في سنوات النضوج المأزوم للرأسمالية الألمانية. (اوزوالد شبنغلر) نشر الجزء الثاني من مؤلفه (سقوط الحضارة الغربية) عام 1922، عقب هزيمة المانيا في الحرب وجسد تماماً الروح الكولونياليه الألمانية ومجد الروح البروسية القديمة والملكية والنبالة والنزعة العسكرية. وقد اعتبر الحرب الشكل الأبدي للوجود الإنساني. وفي هذه السنوات بالتحديد أصبحت مؤلفات نيتشه (زرادشت، وإرادة القوة) اناجيل الصبيان الذين ارتدوا القمصان البنية وحملوا الصلبان المعقوفة، وهم يجوبون الشوارع بالهراوات.
لقد ورث هتلر وروزنبرغ كل صفات الفلسفات اللاعقلانية التي حددها (لوكاش) في كتابه (تحطيم العقل):”تحقير العقل والوعي، تمجيد الحدس بلا حدّ او قياس، نبذ التقدم التاريخي للمجتمع، خلق أساطير، نظرة ارستقراطية للمعرفة، تقديس البربرية والإرادة العمياء والشوفينية العنصرية المتطرفة، تقديس الفرد واحتقار الجماهير… الخ”.
وإذا ما تجاهلنا كل الشعارات الاشتراكية والثورية الزائفة التي استخدمتها الفاشية لتوسيع قاعدتها الجماهيرية، سنجد ان كل عناصر الايديولوجيا الاقتصادية مكرسة للهدف العملي: قطع الطريق على الثورة الشعبية القادمة. اذ انها تحاول اعتراض الازمة الطبقية بتحقيق الصهر القومي عن طريق استخدام القبضة الحديدية لكي تفرض انسجاما بشرياً بين المصالح المتعارضة. وتطرح الفاشية فكرة سيادة الدولة والوحدة القومية باعتبارهما المحرك الرئيسي. وتقيم الدولة على نظام (التعاون الاقتصادي) لقوى الإنتاج. يرى هتلر:” ان تضارب مصالح مختلف الهيئات لا يبرر قيام نزاع بين الطبقات، لأن هذه المصالح ليست الا نتيجة طبيعية لتركيبنا الاقتصادي… فالدولة النازية لا تقترن بأية طبقة، ولكنها تعترف من الوجهة السياسية بوجود برجوازيين فقط، متساويين في الواجبات والحقوق، وبوجود رعايا أجانب لا يتمتعون بالحقوق السياسية المعترف بها للمواطنين”. وبالتواتر بين القمع والايديولوجيا تحاول الفاشية اخماد الصراع المتناحر لصالح البرجوازية التي لم تعد قادرة على تنظيم هيمنتها بالأساليب السابقة.
ان الفاشية اذن هي الابنة الشرعية للدولة الرأسمالية في ظروف الأزمة. ولذلك تقوم بتغيير معظم القوانين التي تنظم الهيمنة الطبقية في الدولة الرأسمالية (قوانين صلاحيات البرلمان، والقضاء، وحرية الصحافة والنشر…الخ، ولكنها لم تمس ابداً تلك القوانين التي تنظم المرتكزات الاقتصادية للنظام الرأسمالي.

كفاحي
ولكي تلف حولها أوسع جمهور من البرجوازية الصغيرة والوسطى تعتمد على فزاعة: الشيوعية! ففي كتابه (كفاحي) قال هتلر: “منذ عام 1913 اخذت على عاتقي فتح عيون مواطني على الخطر الذي يتربص بالمواطن وأوضحت في أكثر من خطاب ان مستقبل الأمة الألمانية مرهون بالقضاء على الماركسية قبل ان يشتد ساعدها”.
ولذلك قدم جهاز الدولة الرأسمالية عونا كبيراً لهتلر في انجاز هذه المهمة قبل صعوده. وفي 30 كانون الثاني، أي قبل يوم من استلامه السلطة، أعلن هتلر من الراديو، اهداف حكومته الجديدة: “احترام تقاليد البلاد السياسية ومحاربة الشيوعيين “. وقد نفذ وعده بقتل 30 ألف شيوعي الماني، وعشرات الالاف من شيوعي البلاد المحتلة. ولتنفيذ هذا البرنامج الهجومي قدم له تروست (أي جي) للصناعات الكيميائية مبلغ
(84 200 ,353 ) مارك خلال الفترة 1945-33 كما كشفت ذلك محكمة نورمبرغ.
هذا التعاون بين البرجوازية الحاكمة و(التروستات) وبين الحزب الفاشي تجلّى بوضوح أشد في إيطاليا. ففي عام 1921 دخل (موسوليني) الانتخابات في تحالف مكشوف مع الحكومة، رغم انه لم يحصل على أي كرسي في انتخابات عام 1919 وقد حصل الاشتراكيون على أصوات تزيد عليه بأربعين مرة. ولكن هذا التحالف لم يقتصر على البرلمان وحده، انما بدأ أساسا عبر أجهزة القمع. كانت البوليس الرسمي يرافق العصائب الفاشية المقاتلة في كل الهجمات على مقرات الشيوعيين، ويجري تسليح هذه العصائب من ترسانات الجيش والشرطة. وقد قام رئيس الوزراء (جيوليتي) بحلّ كل البلديات الاشتراكية التي هاجمها الفاشيون بحجة الحفاظ على الأمن. وبأمر من وزير العدل (فيرا) أهمل القضاة البحث في ملفات الجرائم التي تقوم بها العصائب الفاشية. وقد ساعد كبار جنرالات الجيش في الاعداد لزحف موسوليني على روما. واستقال رئيس الوزراء (لويجي فاكتا) بطيب خاطر قبل ان يصل موسوليني الى روما وطلب من الملك تكليف موسوليني بتشكيل الوزارة. وقد وافق الملك (فيكتور ايمانويل) فوراً على قبول الطلب، واستدعى المتمرد الزاحف وقدم له السلطة على طبق من ذهب…
لقد صعدت النازية في المانيا والفاشية في إيطاليا باتفاق كامل مع السلطة البرجوازية على أساس برنامج مشترك هو مكافحة الشيوعية والاشتراكية وإنقاذ البرجوازية من الأزمة. وكل عناصر الأيديولوجيا النازية التي تقوم على العدو الخارجي، التضامن العرقي، عبادة الدولة، تقديس الواجب، التعصب القومي، تهدف الى اشغال الطبقة العاملة عن التضامن الطبقي ضد البرجوازية.

  • Social Links:

Leave a Reply