منصور الاتاسي
هناك عدة ظواهر لابد من متابعتها ودراسة تأثيراتها اللاحقة على بلادنا، أولها وأخطرها التطورات والتفاعلات الدولية القادمة حيث يلاحظ غياب كبير للنظام الدولي الذي أنتجته الحرب العالمية الثانية .. نتيجة لصراعات جديدة بين أنظمة رأسمالية بعد غياب وانهيار الاتحاد السوفيتي .. هذه الصراعات تحاول اعادة ترتيب الوضع العالمي وأعادة تقسيم مناطق النفوذ، وهذا ما تفعله الحكومة الروسية رغم تخلفها الاقتصادي. ورغم صعود عبادة الفرد عندها على حساب الحريات الديمقراطية، ورغم حظر أي معارضة فعالة، وكان آخرها مقتل المعارض الروسي البارز بوريس نيمتسوف بتاريخ 1 آذار 2012 في وسط الساحة الحمراء وعلى يد انصار بوتين رجل المخابرات الاشهر في ظل الدولة الروسية .. ويقابلها محاولة ترامب العودة لسيادة العالم وهو الحلم الذي يحاول في تحقيقه عبر الصراع مع الصين الدولة الاقتصادية الاقوى، وتحييد الروس واستنزافهم …وهذا الصراع سيزيد من ضعف النظام العالمي القائم ومن تهميش دول العالم المخلف، ومن اعادة ترتيب النظام العالمي بين اللاعبين الكبار … وسوريتنا تأثرت وستتأثر لاحقاً بالنظام العالمي الذي يرسم لكافة دول وشعوب المنطقة كجزء من عالم يعاد توزيعه.. ويبدوا أن روسيا تتقدم في هيمنتها المطلقة على بلادنا مستفيدة من انسحاب ادارة اوباما من المنطقه ومن تردد وضعف دول أوروبا وتبعيتها المطلقة للادارة الأمريكية .. ومن أجل اعادة اقتسام البلاد المختلفه، واعادة صياغة العالم الجديد الذي تعمل الدول الكبرى على بنائه، دفعت الصراعات المتخلفة في بلادنا، والتي لا يمكن أن تسمح ببناء دول طبيعية في منطقتنا، مثل الصراع السني الشيعي، والصراع بين سكان شمال اليمن وجنوبه، والصراع الكردي العربي، والصراع العربي الأمازيغي في المغرب العربي، والصراع القبائلي في ليبيا وغيرها …. الخ.
وهكذا تحترق منطقتنا بغالبيتها، وتتجهز للقادم الصعب، وتستنفذ ثرواتها، ويدمر تاريخها، وتهجر شعوبها، وتصبح بلادنا خصوصاً ساحة لحروب دولية قد تدمرها بالكامل، ومع الأسف لم تظهر قوى وطنية تحمي بلادها مما وصلت إليه، وخصوصاً بعد الهبات الشعبية الكبيرة، والتي سميت الربيع العربي، فقد هيمنت الانانية، وشهوة السلطة، والصراع وتجاهل من يفترض أنه حليف على عقلية القوى الوطنية التي كان يجب أن تتحد للتصدى لبناء الدول الديمقراطية، حاجة ومطلب الشعب والتطور في بلادنا، وبسبب انانيتها، وعدم قدرتها في تحليل الموقف بشكل صحيح، وصلنا إلى ما وصلنا إليه وتفكك العمل السياسي، وتقدم التطرف المذهبي والديني، وفقدنا حق تقرير مصيرنا، وسلمناه بيدنا للقوى الخارجية الاقليمية والدولية. والتحضير لمؤتمر ” أستانا ” يؤكد ضعف أو تلاشي أي دور للسوريين، حيث يعمل على تجاهل حتى المؤسسات الصورية القائمة، وسيدعى أشخاص لحضور المؤتمر، وليس ممثلون عن هيئات حتى لو كانت شكلية، ومن سخريات القدر أن تكون الحكومة الروسية التي دمرت حلب، وحمت النظام، هي نفسها من تقرر أشخاص المعارضة، وهؤلاء موافقون ومتحمسون، وهناك عندنا في سوريه معارضة حميميم، ومعارضة موسكو، مما يذكرنا أيضا بشكل عمل الفرنسيين في بداية احتلالهم لبلادنا، فعقلية الروس وعقلية الفرنسيين بفترة الاحتلال واحدة، وخصوصاً اذا عكسناه على شكل تشكيل الفيلق الرابع والفيلق الخامس (اقتحام )، وتشكيل لواء الشرق في عهد الاستعمار الفرنسي، بفارق أن الروس اقرب للنازيين في اجرامهم، والفرنسيين أكثر حضارة.
إن اضطراب القوى الوطنية وانانيتها التي ظهرت في بداية الثورة السورية، والتي تدفع ثمنها اليوم انقسامات وتمزق وشرذمة، لا يعني مطلقاً أن بلادنا وثورتنا ووحدتنا لا تتطلب اعادة بناء أحزاب وتيارات وتجمعات، تعيد بناء الحركة الوطنية التي تحتاجها بلادنا وبشدة، والتي لا يمكن أن تستقيم الامور بدونها، والتي تشكل خط الدفاع الاول عن وحدة بلادنا، وتحقق العامل الذاتي اللازم لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، التي يتساوى فيها جميع السوريين، والتي تنهي الصراعات المتخلفة التي ذكرناها، وحتى نصل إلى بناء هذه الحركة، والتي يشكل حزبنا أحد أعمدتها الكثيرة، علينا أن نجيب على الاسئلة التي تطرحها علينا الحياة، مثل الفهم الوطني للدين أو للاديان، والاعتراف بحقوق القوميات في اطار وحدة الوطن، ودور المرأة في الحياة العامة المبنية على أسس سياسية، ورفض أي شكل ديني أو قومي أو مذهبي للتشكيلات الوطنية القادمة، مع الاعتراف بحقوق الجميع في العيش المتساوي، وحتى تستقيم الحياة لابد من وقف القتل والرصاص والتدخل الخارجي وابعاد الغرباء عن بلادنا.

Social Links: