البحث عن جذور الاستبداد في القرن العشرين 3-4

البحث عن جذور الاستبداد في القرن العشرين 3-4

ياندوم ياندوم
4
العرق والمجال الحيوي
تاريخ العرقية هو تاريخ الكولونياليه… فقد ارتبطت البحوث العرقية بالغزوات العسكرية والبحث عن مصادر المواد الأولية فيما وراء الحدود. وضع (أرثر جوبنو 1882-1816) أسس الفلسفة العرقية عندما نشر بحوثه في الفترة 1855-1853 في اربع مجلدات بعنوان (رسالة في تفاوت الأجناس) واعتمد على دلائل فيزيائية لإثبات تفوق الجنس الأوروبي. وقد اعتبر، وهو فرنسي، ان الجنس الروماني يمتلك الحق في قيادة الأجناس الأدنى. وهو اول من قال ان امتزاج الأجناس يؤدي الى انحطاط الأجناس العليا. ورفض فكرة قيام حضارة عالمية، باعتبارها امتهاناً للحضارة. وقد دعا لقيام صفوة ارستقراطية عالمية تضم أرقى الأجناس.
بعد (جوبنو) جاء (هيوستن ستيوارت تشمبرلين)، وهو من أصل انجليزي عاش في المانيا والتقى هتلر وأصبح عضواً في الحزب النازي فاحتفى به هتلر، وفي كتابه (دعائم القرن التاسع عشر)، قال بان الحضارة الحديثة وليدة الجهد الذي قام به (التيوتون – العنصر الجرماني) باعتباره مزيجا ًمن الحضارات اليونانية والرومانية. ورأى ان الجنس خلق وطباع وليس دماً ووراثة جسدية. حتى طرح عالم الاجتماع الفرنسي (جوستاف لوبون) كتابه (سيكولوجيا الجماعات) وتحدث عن غرائز كامنة تنتقل من جيل الى جيل.
كل البحوث العرقية تجاهلت الأساس الاجتماعي والتطور التاريخي للحضارات وتمسكت بجانب واحد فقط، هو الجانب البيولوجي، ولتبرير الغزو والاستغلال الكولونيالي (اكتشف) العلماء الكولونياليون وجود عقليات بدائية تميز شعوباً معينة ترفض المنطق الحضاري، وتحدثوا عن سمات بيولوجية تحكم أنماط الثقافات مثل طول القامة وتفلطح الانف ولون البشرة واختلاف نظام الأيض وافراز الغدد الصم.
ولكن تم تفنيد الفلسفات العرقية علميا وممارسة قبل مجيء الفاشية بفترة طويلة. فقد أثبتت البحوث العلمية اللاحقة ان الفروق بين الأعراق هي فروق كيفية وليست كمية. فالأعراق الكبرى (الأبيض والأصفر والأسود) كانت في بدايتها كثيرة التفاوت. ولكن ليس بالقيمة المطلقة، انما هي متنوعة في قابلياتها الخاصة، وذلك يرتبط الى حد كبير بالبيئة الجغرافية التي نشأت فيها هذه الأعراق ونوع الغذاء المتوفر حولها، وبسياق تطورها التاريخي وكثافة تجمعاتها السكانية ومعتقداتها الدينية وليس بتكوينها التشريحي كما تقول العرقية المتطرفة. وقد لاحظ العلم الحديث وجود ثقافات مميزة لقارات تسكنها أجناس تنتمي لأعراق مختلفة. وفي هذه القارات كانت البيئة الجغرافية هي الأكثر تأثيراً من الأصول العرقية لسكانها. وفي أحضان بيئة متنوعة تنشأ ثقافات أكثر تنوعاً بكثير من الأعراق. مجازياً يمكن تقسيم الثقافات الى آلاف الأنواع بينما لا يزيد عدد الأعراق عن أصابع اليد الواحدة. وتتفاوت ثقافتان أنتجهما عرق واحد، في أحيان كثيرة، بنفس المقدار الذي تختلف فيه ثقافتا أناس من عرقين مختلفين.
واذا اخذنا الثقافات في سياق تاريخي سنجد ان الحياة الانسانية لم تتطور في ظل نظام متماثل الرتابة، انما عبر نماذج متنوعة جداً من الحضارات والمجتمعات. وان مسألة التنوع الثقافي وجدت، داخل مجتمع واحد، متنوعة حسب الفترات التاريخية ومتنوعة حسب الطبقات والفئات والمهن والطوائف. وهذا التنوع لا يمكن ادراكه بوصفه ساكناً ومعزولاً، لأن أبناء البشر أنجزوا ثقافات مختلفة بفضل التباعد الجغرافي، ولكن العصر الحديث بما حققه من اتصالات جعل تمايز الثقافات في حالة متحركة. ففي التمايز تكمن عملية المقارنة مع ثقافات أخرى. والمجتمعات البشرية لم ولن تكون وحيدة، حتى عندما تكون في اقصى درجات الانفصال. لأن اكتشاف الغير هو اكتشاف علاقة وليس اكتشاف حاجز.
الفاشية تجاهلت كل الحقائق العلمية التي فندت العرقية وأخذت مسألة العرق على أساس تأييد الغرائز البربرية الأولى والتكوينات الأولى للمجتمعات البشرية (القبائل) وأرادت تأسيس نظرة داخلية وخارجية على أساس تلك البدايات. ولذلك استندت النازية الألمانية على البحوث العرقية التي قام بها العلماء الكولونياليون وجعلت العنصرية سياستها الرسمية. وقد تبنت السياسة العرقية لهدفين:
1 – داخلي، لتقديم التضامن العرقي على أي تضامن آخر، وكقيض للتضامن الطبقي.
2 – هدف خارجي (المجال الحيوي) لتبرير الحرب واحتلال البلدان الأخرى.
لقد شبه (الفرد روزنبرغ) اكتشاف العنصرية باكتشاف (كوبرنيكوس)… فالدولة لا تدور حول الأفراد، انما يدور الأفراد حوا الدولة بحكم الجاذبية العرقية. وعلى الدولة العنصرية في لحظة تشكلها، ان تنهض الى الوحدة وتدور حول العنصرية السائدة. وهكذا يصبح الألماني مُعَرّفاً، وهو الآري الطبيعي.
وقد ارادت النازية ن تحول أمانيها الى قدر للألماني حامل الصفات الثابتة: التحرك الذاتي، القومية المتطرفة، حب الحروب والانضباط. ويعرّف (روزنبرغ) الدم باعتباره ذلك الميدان من الحيات اللاشعورية والطبيعية الذي يؤدي في النهاية الى تحديد العنصر. ويجاهر بمحاربة الوعي الإنساني باعتباره العدو الأول للسليقة العرقية، ويرى ان الصيغة المثلى لعلاقة المجتمع تقوم على الغريزة البربرية لأن “الحياة العقلانية الواعية – كما يقول روزنبرغ- تميل الى ابعادنا عن بعضنا وتبعد الجماعات الوطنية عن بعضها وتفكك هذا الجهاز الحي الموحد، الدم الذي هو الشعب”.
ان مبدأ “ارستقراطية الدم” لا ينطبق على شعب معين فقط، انما على نخبة أعلى داخل هذا الشعب، ثم نموذج فرد وسط هذه النخبة. ولذلك يحاول روزنبرغ تحويل عبودية الألمان (للفوهرر) الى حالة انجذاب قدرية تكمن في انجذاب الدم نحو ينبوعه الذي يمثل الشكل الأرقى لتجليات العرق.
في مؤتمر (نورمبرغ) عام 1933 قال هتلر: “الشعب السعيد هو الذي يعرف بالفطرة والغريزة قوانين حياته الطبيعية”. وقد تكررت بإلحاح الدعوة للتخلي عن الوعي الذاتي والانسياق وراء الغريزة العرقية، لأن غريزة الدم، حسب الاطروحة النازية، هي التي ترتب ارتباط الفرد الحتمي بعائلته، بحكومته، بوطنه صعوداً الى (الفوهرر) الذي (اصطفته الديمقراطية العرقية) حسب تعبير (روزنبرغ)، وعلى الألماني ان يسلم لهذا الانضباط باعتباره ميزته العرقية ومقياس تفوقه. وكل انتماء خارج هذا الهرم العرقي، سواء كان لطبقة او لحزب او حتى للذات الواعية، يعتبر نوعاً من الكفر والزندقة العرقية.
5
المجال الحيوي
استوحت النازية كل الرث الكولونيالي في غزو واستعباد الشعوب الأخرى… ولكن المفهوم الفلسفي لهذه العملية (المجال الحيوي) هو اختراع نازي بحت. فالنازية، المتشائمة عن قصد، ترفع المجاعة العالمية والانفجار السكاني الى مستوى الحتمية. وهي في نفس الوقت تكتشف الحل في صياغة مشوهة لنظرية (دارون) “البقاء للأصلح، والحفاظ على النوع”… اذ انها تنقل صراع البقاء بحرفيته من الطبيعة الى المجتمعات. ورغم ان نظرية دارون تنشد تحقيق الكمال الإنساني والتطور الأكبر الى مراحل أعلى من الحضارة، وهي نظرية علمية بعيدة عن أي روح عدوانية. الا ان النازية تخلط هذه النظرية بمفاهيم (نيتشه) البربرية (الجنس البديل والأجناس الدنيا). ويفسر (روزنبرغ) الوجه الخارجي للسياسة العرقية باعتبارها سياسة الطبيعة. فالطبيعة لا تعرف الحدود السياسية لأنها هي التي انجبت الأجناس وكونتها وهي تراقب صراع الأجناس، ولكنها ليست محايدة، انما تتعاطف مع الجنس الجدير بالبقاء. وقد تركت الطبيعة مساحات مترامية من الأراضي البكر للأجناس القادرة على استثمارها، باعتبار تلك الأراضي تشكل (مجالها الحيوي).
ورغم ان الحضارة الشمالية المنبثقة عن “العرق الأبيض “هي لتي لخّصت جميع الحضارات الأخرى على الأرض الألمانية ورفعت الشعوب الأوروبية، الا ان المانيا كما يقول هتلر “قطعة ناقصة من الأرض، وحدود عام 1914 لا تكفي ولم تكن يوماً موافقة للأمة الألمانية وحاجاتها الجغرافية والاقتصادية والعسكرية. ولن تنتظر هذه الأمة القدر لكي يكمل أرضها”. ولذلك يضع هتلر أمام العرق المتفوق (المغبون) واجباً مقدساً: ان يهيئ لنفسه المكان والمصير الذي اصطفته له الطبيعة.
وفي بداية الأمر كان (المجال الحيوي) الألماني (متواضعاً) .. فقط مناطق البلطيق وأوكرانيا بينما كانت الفاشية الايطالية المغرورة ترسم مجالها الحيوي في السيطرة على كامل دول البحر المتوسط والبلقان وشمال افريقيا، أي استعادة حدود الإمبراطورية الرومانية. ولكن إيطاليا الفاشية اكتشفت فيما بعد ان قواها الذاتية لا تكفي لتحقيق هذا الهدف لذلك قلصت حصتها الى الحبشة وبعض صحراء الشمال الأفريقي، بينما انفتحت شهية ألمانيا للتوسع بحيث أصبح العالم كله مجالها الحيوي.
لقد استوحى هتلر في بداية حربه التوسعية أساليب المستوطنين البريطانيين في استعباد الهند واراد تطبيقها في مناطق البلطيق وأوكرانيا ولكن بأسلوب نازي يقوم على اعادة التركيب السكاني في هذه المناطق بحيث يتاح لفرد واحد من عنصر (آري) ان يقود الفاً من (العبيد السلاف) وفق خطة (اوست) التي وضع تفاصيلها (الفيلسوف!) روزنبرغ مع الجلاد (هملر) وفي مذكراته يفصل روزنبرغ كيف ولدت هذه الخطة البربرية:
“-روزنبرغ…. لقد دقت ساعتك!
بهذه العبارة أنهى الفوهرر نقاشه الذي دام ساعتين. وقبل ان يصدر أمره بفرح المنتصر، كنت قد فصلت له افكاري عن الوضع التاريخي في البلطيق وأوكرانيا. وقد أصغى (الفوهرر) باقتناع وشعرت إني ائتمنت مصير أرض توازي في مساحتها اتساع قارة كاملة وتعداد سكانها 185 مليوناً”.
وقد قام (هملر) بتحويل الإطار النظري لأفكار (روزنبرغ) الى خطوات جدولية وانجز الخطة في 24 حزيران 1941، أي بعد يومين من غزو الأرض السوفياتية. وتقوم الخطة على (تخفيض) سكان هذه المناطق بإبادة 30 مليون مواطن بوسائل عديدة تتضمن الاعدامات الجماعية، وحرب التجويع واستثمار الباقي كعبيد للعمل في ظروف قاسية. وقد مولت مجموعة قوات (اس. اس) من قبل الصناعيين الكبار الذين سيقطفون الثمرة، كمصاريف هذه الخطة الجهنمية.
وشرع هتلر بتطبيق هذه الخطة بضمير مستقر بارد لأن “استعمال حق الجنس النبيل في التوسع” كما يقول هتلر في (كفاحي) “يبرر عدالته أكثر الحروب هولاً”.
6
الحرب بدلاً من الحرية
ترفع الفاشية والنازية الحرب الى مصاف الحتمية، بل وتراها لازمة لصحة الوجود الإنساني. في مؤلفه “سقوط الحضارة الغربية” الذي صدر مباشرة بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى اعتبر (شبنغلر) الحرب الشكل الأبدي للوجود الإنساني. وتستند النازية الى وجود غطاء فلسفي متشائم لتبرير ضرورة الحرب وحتميتها. محامي هتلر (هانز فرانك) الذي كان صديقاً حميماً ل(شبنغلر) ول (ريتشارد شتراوس) قال خلال محاكمته “كم أصبح عمر أوروبا الآن؟ كم أصبح عمر البشرية؟ ومع ذلك لم تستطع الاستغناء عن الحرب. ان هتلر ليس الا وجه من ثورة عالمية شاملة ستنتهي بتحطيم نفسها”. مثل هذه الأحكام المتشائمة كانت تتردد كثيراً في أحاديث القادة النازيين واساطيرهم الفلسفية. وقد قال هتلر لمحاميه “ينبغي للحرب ان تحدث خلال حياتي”.
ولا تعتبر النازية الحرب شراً لا بد منه انما تقدمها باعتبارها اختبار إرادة ومدرسة أخلاقية للأجيال، وليست مجرد رد فعل على هزيمة. ولذلك تعتبر الفاشية سنوات السلم الطويلة سنوات تحلل وميوعة تسمح بتطاول العروق الدنيا على العرق النبيل. ويرى موسوليني في الفاشية والثورة الاجتماعية ” ان الحرب وحدها تبعث الكارثة البشرية الى ذروتها من الشدة، وتضفي النبل على أولئك الذين يملكون الشجاعة لخوضها”.
والنازية التي تجعل الإرادة هدفاً لذاتها، تتجاهل الظرف الموضوعي والامكانية والحاجات التي تستدعي هذه الإرادة. وهي تستوحي في ذلك مبادئ (إرادة القوة) عند (نيتشه):”انني اقيس قوة الإرادة بمقدار العذاب الذي تستطيع ان تعانيه، وتعرف كيف تحوله الإرادة لمصلحتها الخاصة”. ويعتبر (نيتشه) الشر والويلات امرا بديهياً ولا ينبغي مكافحته انما خوضه” ففي الألم تكمن اللذة”. وقد عممت النازية فلسفة (نيتشه) على مستوى الأمة، فلكي تكون امة ما جديرة بالحياة عليها ان تخوض المحن لا ان تتحاشاها. وليس هناك أفضل من الحرب، بما تحويه من خراب وويلات، لاختبار إرادة الأمة. وبهذا المعنى لا تقاس الحرب بأهدافها وتوازناتها، انما تصبح مطلوبة لذاتها. ولكن خلف هذا الترحيل الفلسفي كانت النازية تدفع باتجاه الحرب لهدف سياسي واضح، وهو استعادة حصة المانيا من العالم الذي تقاسمته الكولونياليات الغربية قبل ان تصل المانيا مرحلة الامبريالية. ولذلك أخبر هتلر كبار عمالقة الصناعة مسبقاً بنيته في عسكرة البلاد والاعداد للحرب، وحصل منهم على الدعم الكامل قبل ان يبدأ بغزو بولونيا.
ووراء هذا الإطار الفلسفي هدف داخلي للحرب، فالنازية هي التي بلورت شعار (حرب على الخارج، حرب لأجل الداخل) وترفع النازية الحرب الى مستوى الحتمية والضرورة لأنها تحتاج اليها لكي تحتوي الصراعات الطبقية في الداخل وتوجهها نحو عدو خارجي.
وبالمعنى النفسي تحاول النازية امتصاص النزعات العدائية المتزايدة في المجتمع بسبب جرعات العنف المسلط عليها وتهيئ لها مسارات خارجية تتجه صوب عدو ما. وبإشاعة التعصب ضد عدو خارجي تريد النازية ضمان تماسك المجتمع تحت سيطرتها. فالدكتاتور الذي يمارس حكماً مطلقاً على أبناء شعبه سوف لن يحكم فقط نيابة عن الألمان، انما سيدفع الألمان الذين لم يستطيعوا حكم أنفسهم الى تصدير ارادته نحو الخارج. ويصبح المضطهدون بدورهم، مضطهدين لشعب آخر وبذلك تحل النازية، بواسطة الحرب على الخارج مشكلة الحرية المطروحة عليها في الداخل.

  • Social Links:

Leave a Reply