حوار مع الدكتور تركي درويش (سلامة) عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

حوار مع الدكتور تركي درويش (سلامة) عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

حاوره زكي الدروبي 

تتسارع التغيرات، الحراك السياسي يتقلب على وهج جمر الموت اليومي، ثلوج وبرد وبقايا مدن وهجرة ونزوج، صراعات متناقضة تطورات متسارعة، آمال وطموحات وأحلام تكسرت ومعنويات انهارت ….

كل هذا دفعنا للقاء مع الدكتور تركي درويش (سلامة) الطبيب والشاعر والمناضل الذي قضى رهطا من عمره في سجون الأسد الأب ثم هُجِّرَ خارج سورية الحبيبة ليعيش آلام المنفى، وهو سياسي من مؤسسي حزب اليسار الديمقراطي وعضو مكتبه السياسي.

1- ما بعد حلب ليس كما قبلها، لنبدأ من هنا، كيف يرى حزب اليسار الديمقراطي الواقع الحالي للثورة وما أسباب الفشل الكبير للتشكيلات السياسية والعسكرية القائمة حاليا؟

لنعترف أولاً أن الثورة نتيجة حتمية لما تعرض له المجتمع السوري من تراكمات سلبية من قبل النظام منذ حوالي خمسين عام، بالنسبة للسؤال أنا برأيي لا يوجد ما قبل أو بعد حلب، الثورة مستمرة ولن تنكسر مادامت في وجدان السوريين، وبشكل عام الثورات تتعرض في مسارها لانتكاسات وأحيانا صعود وهبوط، ومعركة حلب صوّرت للعالم وكأن الثورة انتهت. بالعكس تماماً ما حصل بحلب أولا حرب ابادة قامت بها قوة الشر الروسية بتدمير كل شي وبأحدث الاسلحة، وثانياً هو فشل للكتائب الاسلامية المتطرفة التي أصبحت أكثر ايلاماً وعبئاً للشعب السوري من نظام القتل الاسدي وكل من تحالف معه.

حلبوفي الثورة السورية نشطت الثورة المضادة التي تحاول جاهدة الخلاص منها ومن مكونها الشعبي، النظام وحلفائه من جهة، ومن جهة أخرى ممن تسلقوا على ظهر الثورة بحجة نصرة الشعب السورية، منها التيارات الاسلامية المتطرفة والتكفيرية التي تستمد فكرها من القاعدة.

لقد حاولت الثورة المضادة اجهاض وكسر أو حرف مسيرة الثورة السورية عن طريقها الوطني الديموقراطي والتحرري الاجتماعي، لذلك تحالفت كل قوى العالم للخلاص منها، وخاصة دول الاقليم، والتي شكلت الثورة السورية خطراً عليها، فأغرقوها بالمال، واشتروا دعاة تمثيلها الذين أصبحوا عبيداً لسياسات تلك الدول التي لا تريد للثورة السورية خيراً، ومن أول انطلاقة الثورة قامت الدعوة للتسليح من قبل شخصيات دينية محسوبة على التيارات السلفية الجهادية،، لذلك استغلت القتل الذي مارسه النظام ضد نشطاء الثورة السلمية، وقادتها، ونشطت بتشكيل كتائب تحمل شعارات اسلامية خلبية، محاولين القضاء على حامي الثورة الوطنية من ضباط وصف ضباط الجيش الحر من جهة، ومن جهة أخرى قام النظام بإطلاق سراح أعتى المجرمين وحملة الفكر الوهابي التكفيري من سجونه، وأطلق أيديهم لتشكيل جيوش اسلامية بداية من النصرة، وانتهاء بداعش وكتائب الاقصى وغيرها، مما أعطى الصبغة الاسلامية المتطرفة على مسلحي الثورة. ونجح النظام بتسويقه الاعلامي، بوصف الثورة كثورة قتلة ومجرميين، متناسياً آلاف البراميل المتفجرة، والصواريخ، والكيمياوي الذي قتل الاطفال، ودمر ممتلكات الشعب.

لذلك من أسباب عدم انتصار الثورة هو تصدر التيارات الاسلامية للمشهد العسكري، واقصاء كل من لا يؤمن بأهدافهم الجهادية المعادية للديموقراطية، لذلك أصبح الصراع دموي بين تلك الامارات من أجل السيطرة وانتزاع أراضي فيما بينهم، راح ضحيتها عشرات الشباب، وأيضاً من الأسباب الأخرى عدم ايجاد قيادة مشتركة لقوى الثورة الحقيقية التي تؤمن بالتحول الديموقراطي ومدنية الدولة، وارتهان مايسمى بالمعارضة السياسية لسياسة الدول المانحة، وخاصة تلك الدول البعيدة كل البعد عن ممارسة الديموقراطية في بلدانها ومنها دول الخليج.

2- بدأت الثورة سلمية ثم انتقلت في مرحلتها التالية للعسكرة ثم سيطر الاسلام السياسي المتطرف على مجمل العمل العسكري وتضاءلت قوة الجيش الحر، كيف يرى الحزب ملامح المرحلة الجديدة؟

أسلمة الثورة وعسكرتها جاء سريعاً، وخاصة بعد ظهور ظاهرة العرعور، ومشايخ الدين الخليجيين، واستئثار الاخوان بتشكيلات تمثيل الثورة، كل هذا أدى إلى تراجع الدعم الشعبي العربي والعالمي للثورة السورية، وأدى إلى تراجع الدعم للجيش الحر، والذي اقتصر التمويل عن طريق الاخوان والمشايخ فقط، وكان مقصود من ذلك اسقاط المفهوم الوطني التحرري الديموقراطي للثورة، واحلال مكانه المشروع الاسلامي الكاره، والمكفر لشعارات الثورة بالديموقراطية ووحدة الشعب السوري، المرحلة القادمة تتطلب توحيد الجهود الوطنية، والديموقراطية السياسية، والعودة لإحياء تشكيلات الجيش الحر التي تؤمن بأهداف الثورة، وتعمل تحت علمها، ويتحول الكفاح المسلح من تشكيلات جيش نظامي، واحتلال مدن إلى حرب عصابات تجبر القوى الغازية لسوريا للهروب خارج حدود الوطن، وتشكيل جسم سياسي غير تابع لأاجندات خارجية يضم كل القوى المؤمنة بمدنية وديموقراطية الدولة، واسقاط مفهوم الاستبداد المدني والديني.

3- يدعو حزب اليسار الديمقراطي السوري دائما لوحدة القوى السياسية والمدنية والعسكرية لانجاح الثورة، لكن خلال كل الفترة الماضية لم نستطع التوحد بل زادت قوى الثورة بعثرة وشرذمة كيف يمكن تحقيق تلك الوحدة ؟

شعار الحزب هو ايجاد جبهة أو تحالف واسع من جميع القوى الوطنية، والديموقراطية، تقف عند مسؤلياتها الثورية لانقاذ الثورة، وتصحيح مسارها، لذلك حاولنا جاهدين مع أغلب القوى لتشكيل تلك التحالفات، لكننا لم نصل لهدفنا، وسنبقى نحاول إلى أن نحقق ذلك خدمة للشعب السوري وثورته، لأان تفككنا هو خدمة للنظام وللمشروع الايراني والامريكي في المنطقة.

4- هل تشمل دعوة التوحد قوى مثل جبهة فتح الشام واحرار الشام وجيش الاسلام أو تقتصر الدعوة فقط على قوى الجيش الحر؟

النصرةحزب اليسار الديموقراطي حزب ماركسي يؤمن بالديموقراطية، والتعددية السياسية، وحزب علماني، وطرحنا واضح، وأهدافنا واضحة، وقلت من البداية أسلمة الثورة هو أحد أسباب تأخر نجاحها، وكان المقصود من ذلك هو القضاء على المشروع الوطني الديموقراطي الذي تبناه الجيش الحر، والتزامه بأهداف الثورة، وكان نجاحها يشكل خطر على ظواهر (العرعور والبغدادي والجولاني وأمثالهم، وكل من يؤمن بعودة الخلافة، وتدمير الدولة لصالح المشروع الاسلامي السلفي الجهادي) فلا وجود لاطروحاتهم في مناخ ديموقراطي صحي، يحترم مكونات الشعب السوري، والذي هو بالأصل شعب مسلم بايمانه الشعبي المسامح والمعتدل، لذلك أي فصيل يعمل تحت علم وأهداف الثورة السورية، ويؤمن بالتحول الديموقراطي هو ضمن شعار وحدة الفصائل العسكرية.
وغير ذلك هم لا يعملون من أجل سوريا بل من أجل اجندات خارجية، وعندما يقطع عنهم التمويل يذوبون في المجتمع وتسقط اجنداتهم.

5- الواضح أن الاسلام السياسي هو من تصدر المشهد وغالبية شعبنا مسلم أين اليسار السوري في الثورة السورية ؟ وماذا قدم حزب اليسار فيها؟

ان نجاح الثورة السورية بالطرق السلمية كان يشكل خطراً كبيرا على دول الجوار والاقليم، لانها ثورة ضد كل المفاهيم السائدة، من شعارات الممانعة والمقاومة، والشعارات الزائفة التي تلبس ثوب اليسار الانتهازي أو الاسلام المتطرف، ثورة شباب تطالب بالكرامة والديموقراطية ، ثورة على التصحر السياسي الذي خلفه النظام طيلة خمسين عام، وخاصة بعد استلام حافظ الاسد السلطة، اذا هي ثورة اعادة الحقوق لشعب ظلم وهمش كثيرا.

لذلك كانت الاحزاب اليسارية المهترئة ضمن هذا التصحر، ورهنت وجودها بتحالفها مع النظام، وتخلت عن مفهوم الثورة، واستبدلته بالاصلاح والنضالات المطلبية، ونتيجة لذلك تخلت أغلب قواعد تلك الاحزاب عنها، وبقيت مجموعة من شيوخ السياسة المعتاشين على مائدة النظام، من هنا وقفوا ضد الثورة، وشرعنوا القتل والتدمير للنظام بحجة محاربته الامبريالية والصهيونية، وتناسوا أن اسرائيل تصول وتجول بأجواء سوريا يومياً ولم يحركوا ساكناً هم وسيدهم.

استخدم النظام التيارات السياسية الاسلامية، ورقة ضغط بمشاريع تدخله في شؤون دول المنطقة، ففي لبنان استعمل حزب الله، وفي العراق استخدم القاعدة وتوابعها، وأعطى تلك التيارات الجهادية هامش من التحرك سياسياً بالمساجد والمدارس، وشكل تيارات اسلامية كبيرة لارضاء الشارع العريض مثل القبيسيات وغيرها، وضيق الخناق على اليسار الحقيقي ووضع قادتهم بالسجون ونفى مفكريهم، لذلك يعود اليسار الآن بصورة أخرى، صحيح أنه ضعيف الآن، لكن المستقبل لليسار بكل أشكاله لانه الضامن لوحدة المجتمع وحفظ كرامة الانسان.

6- من يدعم النظام ويقتل الشعب السوري هو روسيا وهي وريثة الاتحاد السوفيتي الشيوعي !؟

للاسف من يحكم روسيا هي مافيا وتفكر بطريقتها العنيفة، هي تحاول أن توجد لها مكان بين الدول الكبرى، خاصة بعد رسملة الدولة الروسية برأسمالية متخلفة، تعتمد على الارث المتهالك من أسلحة الاتحاد السوفيتي، وسلاحها النووي، لذلك تحاول هذه المافيا العودة للمنطقة، نتيجة ضعف الموقف الرادع لها أوربيا وأمريكياً، في محاولة لفرض بلطجتها على العالم، وتهديد سلمه وأمنه، ابتداء من القرم، وانتهاء بسوريا، وللأسف ما زال بعض أحزاب اليسار الستاليني يحجون لموسكو، ويعتبرونها حامية الفكر الماركسي، رغم أن هذه المافيا أول ماداست على الفكر وحملته.

7- لكن الاحزاب الشيوعية والاشتراكية السورية منخرطة مع النظام وتدافع عنه، حتى الحزب الشيوعي اللبناني والمصري وغيرهم كلهم يناصرون النظام ؟

قلت من قبل أن تلك الاحزاب لم تطور وتجدد فكرها ونظرتها، حول تطور بنية المجتمعات، وقراءة التحولات في القرن الواحد والعشرين، مازالوا يؤمنون بسياسة الاصلاح، وتحقيق بعض المطالب في أحد الأحياء، إن استطاعوا بعد أن يرضى عليهم عناصر الأمن، لقد انكفأت هذه الاحزاب بعد دخولهم تحالف جبهوي تابعين للبعث، منقوصي الارادة بالعمل والتنظيم، لم يكونوا اندادا في الجبهة، لذلك انحدر مستوى وجودهم، وتراجعت شعبيتهم بسبب توغل الأمن بحياة الناس، وانتشار الفساد، وكانوا جزءا من منظومة الدولة، وكثير من كوادر هذه القوى ترك العمل السياسي، وجلس في بيته أو شكل مجموعات صغيرة تتناول أمور الثقافة والشان العام إلى أن جاءت الثورة السورية، وكشفت عورات اليسار، رغم أن بعض تنظيمات اليسار شاركت من أول يوم في الثورة، وقدمت شهداء، ومازالت تقدم، وهناك رفاق في سجون النظام، وفي سجون التيارات الاسلامية المتطرفة، ومنهم رفاق من حزب اليسار الديموقراطي.
لذلك بقيت تلك الاحزاب رهينة سياساتها المتذبذبة، والانتهازية، وصوّرت الثورة السورية كمجموعة من الارهابيين والقتلة، تريد اسقاط مشروع المقاومة، والممانعة، واسقاط العدائية لاسرائيل وامريكيا، ومن الطبيعي أن رفاقهم بأحزاب اليسار الستاليني ما زالوا مرتهنون بالتبعية للكرملين.

8- مالذي تطور في نظرية حزب اليسار الديمقراطي السوري؟ وكيف تدعون الديمقراطية والتجربة الشيوعية والاشتراكية القديمة كلها مبنية على الاستبداد وعبادة الفرد؟

لوغو حزب اليسار الديمقراطيحزب اليسار حزب حديث العهد، لكن في صفوفه رفاق لديهم تجربة نضالية كبيرة، لذلك كانت ولادة الحزب طبيعية، نتيجة لموقف اليسار الانتهازي من الثورة، ولحاجتنا لمشروع جديد يلبي رؤيتنا، لذلك توحدت مجموعات يسارية ماركسية لتشكيل هذا التنظيم، ملتزمين بأهداف الثورة السورية، ومتصالحين مع ذاتنا، بإيماننا بالثورة وبالتغيير الثوري، لذلك تخطينا كثير من المفاهيم التي تتعلق بالشمولية، والديكتاتورية التي تقصي المجتمع، وتبقي الحزب فوق المجتمع والدولة، ولدينا حياة داخلية ديموقراطية بين الرفاق، ومؤسسات الحزب، ونتعامل مع القوى الوطنية والديموقراطية، بشكل ديموقراطي، واحترام متبادل، دون النظرة الفوقية التي كانت سائدة في صفوف التشكيلات الشيوعية القديمة، ونحن لسنا بديل عن أحد، ولا ندعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولن نكون ممثلين عن الشعب السوري، بل نحن جزء من تيار يساري عريض في الساحة، نسعى بأن نقترب من بعضنا، أو نتوحد أو نشكل جسم ما يملأ الفراغ في الساحة الشعبية، نحاول جادين تخطي كل أخطاء اليسار، ومازلنا في بداية الطريق.

9- أنتم في حزب اليسار الديمقراطي تؤيدون الهدنة وأصدرتم نداءا يدعوا للالتزام بها، كيف ترون امكانية استمرار الهدنة مع الخروقات المستمرة من قبل النظام خصوصا في وادي بردى؟

نعم نحن مع وقف شلال الدم الذي يجري في سوريا من المدنيين، ومع وقف تدمير ما تبقى من البنية التحتية، وأملاك المواطنيين، ونعتبر الهدنة هي عودة الثورة لشعاراتها وزخمها الديموقراطي، وتعتبر الهدنة مراجعة للاخطاء التي اتركبتها الكتائب المسلحة بحق المدنيين، وتشكيل امارات تحكم بعيدا عن طبيعة المجتمع السوري.
لذلك الهدنة لا تخدم كلا الطرفين المتحاربين، سيحاول الطرفان افشال الهدنة فلا التيارات الاسلامية ترضى بعودة المظاهرات، لانها اسقاط لمشروعهم التكفيري، ولا النظام وحلفائه يرضون بذلك، لانها تنهي حكمهم، ومشروع ايران في المنطقة.

  • Social Links:

Leave a Reply