ياندوم ياندوم
7 – الدولة والحزب القائد
“من يقول الفاشية انما يعني الدولة” هكذا كتب (موسوليني) في “الفاشية والثورة الاجتماعية”. والدولة في المفهوم الفاشي هي كيان مطلق يكون فيه الأفراد والجماعات السياسية وغير السياسية أشياء نسبية كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية بكل اشكالها التي ارست كياناتها في منطقة الشرق الأوسط أكانت على طريقة القذافي او صدام حسين او حافظ الأسد. فالفاشية تضع الدولة في المقدمة وتضع قائدا على رأسها ثم تطالب المواطنين على تقديس الاثنين ليحلّا معاً كمكونات للديانة الجديدة المفروضة بعنف الأجهزة الأمنية والعسكر.
فالدستور النازي يفترض ان يكون (الرايخ الثالث) – الرايخ الأول كان الإمبراطورية الرومانية، والثاني امبراطورية بسمارك، والثالث هو الدولة النازية- مجتمعاً غير طبقي ذو تركيبة قيادية عليا وظيفتها الاعداد للمعركة. وفي كل مواد الدستور تساق المصالح الحزبية والطبقية والفردية كنقيض لمصلحة الدولة، لهذا وضعت قوانين الطوارئ لعام 1933 الإضرابات العمالية والمظاهرات السياسة كحالة تدل على تحلّل وتخريب تستهدف تقويض اقتصاد الدولة وحضارتها. ومع الاعداد للحرب اعتبرت هذه النشاطات نوعاً من الخيانة العظمى، كما ركّزت الفاشية على المواطنة القسرية في الدولة القومية واعتبرت (الأجانب) بمثابة دمامل في جسد الدولة.
والمواطن في الدولة الفاشية، في الدولة الاستبدادية، يرتبط وجوده بالواجبات فقط…. وحقوقه تعتبر نوعاً من المطالب الفردية التي تتعارض مع مصالح الدولة. “الويل!” قال هتلر في المؤتمر الثالث للحزب عام 1937 “الويل لدولة تعطي للعناصر الأقل أهمية، نتيجة لتحلل سياسي او تفكك داخل المجموعة، إمكانية إطلاق تطلعاتها الخاصة بالحرية الفردية التي ليست سوى تطلعات محدودة جداً من حيث طبيعتها”. لقد استثمرت النازية وايديولوجية الاستبداد التربية التقليدية التي تكرس هيبة السلطات والرضوخ لها، فاعتمدت الولاء المطلق والمنضبط والطاعة العمياء وهي اركان تعبر عن قدر هؤلاء الأفراد الذين يتحولون الى مواطنين في دولة موحدة بإجماع وطني كما يحصل عادة اثناء انتخاب الزعماء (القذافي، صدام، حافظ الأسد وسلالته) وفي هذه الحالة يعتبر الايمان الديني متمماً للانضباط الوطني المزعوم. ويقوم الانضباط في الدولة الفاشية الاستبدادية على هيمنة الحزب الواحد وبيروقراطية الدولة الصارمة واستقلالية وهيمنة جهاز المخابرات، والزعيم الخالد يكون نقطة التقاء اضلاع هذا المثلث الذي تبنى عليه الدولة.
تقوم الفكرة الفاشية على فصل الزعيم، القائد، عن مجتمعه وزمنه. وقد تدمج عبقرية الزعيم بالوعد الإلهي فتظهره في صورة نبي سقط على امة ضائعة. وحسب وصف هتلر فان الزعيم لا يظهر نتيجة التعهد والتنشئة، انما يتعلم من نفسه، من عبقرية الهية نشأت في القمم العالية. وفي كتابه (كفاحي) يصف هتلر كيفية نمو العبقرية من خلال العزلة وكيفية (تفريغ الأفكار) من ذاتها. وبذلك تفصل الفاشية الزعيم عن عملية المخاض الاجتماعي وترى انه نتاج ذاته، او هبة الهية. ويرى فيلسوف النازية (الفرد روزنبرغ) في كتابه (اسطورة القرن العشرين):”ليس الشعب هو الذي يصطفي قائده، انما قوى قدرية نابعة من الديمقراطية العرقية”.

ولكي ترفع من دور الزعيم في صناعة التاريخ (الحزب القومي السوري وأنطون سعادة يعتبران حالة نموذجية محلية) تحط النازية من دور الجماهير وتنظر اليها من زاوية ضعفها فقط، فالشعب والمجتمع، قبل بزوغ نجم الزعيم، يصور وكأنه العدم والخواء. وليس للواقع الموضوعي أي دور في التغيير، لأن الفرد في الفكرة الفاشية هو الذي يصنع التاريخ، بالايديوجيات والقرارات السياسية الناجمة عنه. وتقيم الفاشية شكل العلاقة بين الزعيم والشعب على أساس الصراع بين ارادتين: إرادة (القطيع) غير الواعية وإرادة الزعيم الواعية، والتي يحددها (روزنبرغ) بانها علاقة الشعور باللاشعور. ولا تقوم عبقرية الزعيم في الفكرة الفاشية على فهم روح الشعب وممكناته في تلك الفترة المحددة، انما في قدرته على ترويض إرادة المجتمع العاصية (بالمبادئ الثابتة كالصخر، والاوامر الحازمة) وتفترض الفاشية ان الشعب سيقاوم، في بداية الامر، تلك العبقرية بحكم الجهل وثقل العادات، ويرفض ان يقبل بأن هذا الزعيم الذي يشبهه ظاهرياً، يختلف في جوهره تمام الاختلاف. لأن عبقرية القائد نتاج لصراع طويل وقاسٍ مع النفس، ولذلك فهي عصية على فهم العامة. وتحدد الفاشية مهمات الزعيم خارج تفاصيل زمانه، انه أرفع من ذلك بكثير، ولذلك ترفع العبقرية المجردة فيه على حساب الروح العملية، وتقدّم المنظّر على حساب السياسي. ويرى (روزنبرغ) ان الزعيم غير مكلف بأن يقدم برنامجاً ضيقاً موضوعياً للجماهير، فهذه مهمة الوزراء والمدراء في جهاز الدولة، وعلى الزعيم ان لا ينحط بنفسه الى مستوى مهمات الإدارة، عليه كما يقول (روزنبرغ) ” ان يقدم العالم في صورة ظواهر واضحة وحقائق أزلية”. ان رسالة هذا القائد ينبغي ان لا تنزل الى مستوى صاحب الحانوت وعقل ابن الشارع الضيق. ويرى هتلر ان صراع الزعيم الفاعل بالجمهور المنفعل ستكون أصعب وأقسى “كلما كانت اعمال الزعيم أعظم للمستقبل”، لأن هتلر يرى ان عقل الجمهور ضيق لا يفهم الا المصالح الآنية. وهذا الزعيم المترفع، هو الذي سيعيد خلق الجمهور. الأمر في النهاية متروك لإرادة الزعيم، إذا أبدى عزماً كافياً … “فالبلبلةـ كما يقول نيتشه- كبيرة الى درجة ان البشر سيثنون الركبة امام إرادة الزعيم …شرط ان يأمر”.
وتهمل النازية التطور التاريخي ودور الوعي الذاتي، وتعمل على جعل علاقة الشعب بالقائد علاقة ابدية، وابقائها في صورة القبائل البدائية. وعندما تتحدث عن سيكولوجيا الجماهير فإنها تبقى في حدود سيكولوجيا الغرائز البربرية ل (القطيع الإنساني)، وتستند على اطروحات عالم اجتماع الكولونياليه (جوستاف لوبون):”كلما اجتمعت عدة كائنات حية، بشراً كانت او حيوانات، فإنها تنصاع غريزياً لسلطة رئيس”. ويرى (لوبون) ان المجموعة البشرية تميل غريزياً الى الطاعة. وتقوم علاقة الجماهير (العبيد) مع الزعيم (السيد) على مبدأ وصفه (فرويد):”يجب الخوف منه، يجب كسب ودّه!”. وعلى الزعيم ان لا يسلك سلوكاً طيباً لأن (العبيد) ستفهم ذلك كنقطة ضعف فيه، عليه ان يمسك السوط بيد وقطعة الحلوى باليد الأخرى. وكتاب (كفاحي) لهتلر مليء باستشهادات مشتقة من هذه المصادر، فهو يرى” ان الجماهير مثل المرأة تخضع للرجل القوي وتفضله على رجل ضعيف يخضع لأهوائها، وتفضل النظام الاستبدادي على النظام الليبرالي”.
ولكن الفاشية لم تستخدم مفاهيم (لوبون) و (نيتشه) من أجل التحليل فقط، وانما صاغت منها الشكل القانوني لسلطة القائد المطلقة. فمنذ أواسط العشرينيات مهدت لهذه الزعامة المطلقة بسلسلة من الكتب: عام 1925 صدر كتاب (رودولف هيوبرت) (الأساس القانوني لدولة الرايخ الثالث)، وفي عام 1930 صدر كتاب (اوتو كويلرثر) (دولة القائد الألمانية) وفي عام 1934 أصدر (راينهارت هوهن) (فكرة القائد في القانون السياسي) … كل هذه الكتب تبرر العلاقة بين الحاكم والمحكومين في صيغة التوحيد بينهما. غير ان (هانز فرانك) صاغ فكرة القائد وارادته المطلقة بشكل دستوري ورأى ان “إرادة القائد تجمع السحر السياسي للحركة (الفكرة المقاتلة) مع البيروقراطية العسكرية للدولة” ومن متابعة سلسلة التعديلات والقرارات القانونية، نجد ان دكتاتورية (هتلر) داخل الدولة تحققت بمراحل عدة… فبعد تقديم نفسه كقائد ومستشار استولى هتلر على المهمتين وتقدم بهذه الخطوة نحو مركز يقع قبل الحكومة وفوقها وذلك إضافة لدوره الحزبي كمبعوث للاشتراكية القومية. هكذا، تصبح الحكومة نتاجاً عرضياً لقوة القائد. وقد ضمن (هتلر) سيطرته على الجيش منذ عام 1934 عند إزاحة (هندنبرغ) من منصبه كقائد عام للجيش. وأصبح الجيش تابعاً للحزب اكثر من تبعيته لجهاز الدولة البيروقراطي، وقد اعيد تنظيم الجيش في 4 شباط 1938 بإعطاء (القائد) صلاحيات اعلى من وزارة الحرب. وبعد طرد الفيلدمارشال (فون براخمتش) في 12 كانون اول 1943 اصبح هتلر قائد الجيش الرسمي والفعلي.
في السنوات الأخيرة من حياة الرايخ الثالث امتدت كل الاتجاهات صوب القائد…لم يكتف هتلر بإلغاء منصب (رئيس الجمهورية)، وانما ألغى منصب (المستشار) البسماركي ايضاً، وبذلك تفوق على (موسوليني) الذي أبقى الملك الى جانبه لالتقاط الصور فقط.
وأصبح القسَمْ في الجيش والدولة يتوجه الى اسم القائد وليس الى رئيس الدولة، وكذلك الأمر بالنسبة الى قَسَم الحرس النازي ومنظمات الشباب والنساء. لم يعد هتلر يمثل مؤسسات الدولة فقط، انما أصبح في النظرية والتطبيق ممثلاً أعلى لحياة الناس السياسية والاجتماعية ورمزاً لوحدتهم. فكل تعبير عن الإرادة الوطنية يعود اليه ويرتبط به. ولا يمكن للأفكار ان توجد الا بجانبه ولن يسمح لأي وجود ان يزاحم كيانه وزعامته المطلقة، فألغي أي مجال للمعارضة والنقد. وفي كتابه عن (قدرة القائد) قال الكاتب النازي (غوتفريد بنه) عام 1940:”القائد لا يتصرف ويتحدث باسم الناس، انما هو الناس أنفسهم، ففيه يتجسد قدر الشعب الألماني” وقد أصبحت كل مؤسسات الدولة في الرايخ الثالث تجسيداً للاتفاق بين القائد والأمة.
خلال ذلك هدّم هتلر كل مبادئ الديمقراطية البرجوازية والملكية معتمداً على التصويت الشعبي، وعلى ان الشعب هو الذي يمنح الزعيم الثقة ويصطفيه قائداً. ومقياس هذه الشعبية هي المسيرات والتحشدات الجماهيرية امام المنصة. وقد كانت احدى مهمات الحزب الأساسية، هي عملية التحشيد هذه. فمن خلال الحزب ارادت النازية الألمانية دمج الجماهير بالحكومة الشديدة المركزية، وأصبحت صلاحيات الدولة هي أخذ المشورة والرأي فقط، اما القرار فهو للزعيم وحده.
ويرفع (روزنبرغ) إرادة الزعيم وطاعته الى مستوى الديانة الجديدة ويرى ” ان الزعيم ليس مجرد رجل قوي، بل يجب ان يكون مخترعاً ومبشراً بديانة جديدة، وهو مدعو للقيام بالمعجزة المتعلقة بخير الجميع”.
8 – من دكتاتورية الحزب، الى دكتاتورية الفرد في الحزب
من الحزب، وليس من جهاز الدولة استمد (هتلر) مصادر قوته الدكتاتورية … فبسيطرته على الحزب سيضمن السيطرة على جهاز الدولة والجيش، ولكن حصل ذلك بالتوازي مع سيطرة الحزب الواحد على الحياة السياسية وإدارة الدولة والنقابات والجيش، وبعد قمع الأحزاب وازاحتها…. وبعد استلام السلطة أصبح الحزب قاعدة لحكومة شديدة المركزية.
ولكي يضمن سيطرته على الحزب وإشاعة المركزية العسكرية فيه، اتبع هتلر نصيحة وأسلوب موسوليني في التصفيات على مستوى القيادة. قال موسوليني “الفاشية لا يمكنها تنظيم لدولة بنفس الكوادر التي ساعدتها على الوصول الى السلطة”. ولتلافي الأزمات الداخلية قام موسوليني بتجديد كوادر مرات عديدة. فانقلب اولاً على استاذه الشاعر الإرهابي (دانونزيو)، ثم غيب كل ال (التسع عشريين) الذين التفوا حول برنامج 1919… اما هتلر فقد بدأ بإزاحة اول رئيسين للحزب النازي لأنهما ابديا تحفظاً على الأسلوب العنيف الذي اتبعه هتلر في تطبيق المبادئ القومية التي آمنا فيها. وفي البداية اختلف الاخوان (اوتو وجوزف شتراوس) ومعهما (غوبلز) مع هتلر، فقد عارضوا ان تكون الأولية لرسالة الحزب العرقية بحيث تتقدم على رسالته الاجتماعية، أي على تعديلات دستور الحزب لعام 1928، ثم تخلى غوبلز فيما بعد عن اعتراضاته وتبع هتلر، وازيح كذلك كل من (شتراسر) قائد الجهاز الإعلامي في الرايخ، و(روم) رئيس جهاز (الاس p –وجيش العاصفة) لأنهما عارضا سيطرة الصناعيين على الحزب، وقد قام (هملر) بتصفية (روم) جسدياً حيث أرسل لاغتياله فرقة خاصة من حرسه الشخصي. وهكذا صفّى (هتلر) خصومه ليتمكن من ضمان السيطرة على الحزب.
وقد شيّد هتلر دكتاتوريته داخل الحزب على هدى الفكرة الفاشية عن مهمة الحزب وبنائه الداخلي ودور القائد فيه. فبناء الحزب الفاشي يقوم على مبدأ (النواة النشيطة أو النخبة المفكرة) وقاعدة الحزب السلبية المنفذة. وفي كتابه (كفاحي) يحدد هتلر مهمة الحزب بكونها “نقل فكرة اختمرت في ذهن رجل الى أوسع الجماهير”. أي ان الزعيم هو من الذي يفكر ويبلور القرارات ثم يقوم التنظيم بدور الناقل… من الزعيم الى أعضاء الحزب ثم الى خلايا الوطن، لأن الإرادة الوطنية كامنة في الزعيم وتتسرب منه الى افراد الأمة. ويرى هتلر ان (التنظيم شرّ لا بدّ منه). فالنظام الأمثل، بالنسبة له، هو الذي لا يقيم جهازاً من الوسطاء بين الزعيم وجمهوره. ولذلك يكون الحزب الفاشي أقرب، في هيكليته، الى الحركة أكثر من الحزب. وقد قام تولياتي بدراسة مراتب مختلفة في هيكل الحزب الفاشي الايطالي فوجد ان الغالبية من أعضاء الحزب لم تكن تقوم بأية فعالية مؤثرة. فهم لا يشاركون في صياغة أي قرار من قرارات الحزب وما يعرفونه لا يزيد كثيراً عما الجماهير عبر الصحف او خطابات القائد. والنسبة الغالبة لا تقرأ حتى ادبيات الحزب. وإذا اجتمع أعضاء الحزب فلبحث الاجراءات العملية فقط، كتنظيم مسيرة او إشاعة فكرة او محاصرة نشاط مضاد.
ويتم الانتساب للحزب عبر سلسلة تتناوبها الاكراهات والترغيبات… فالانتساب للحزب مطلوب عند التقديم لأية وظيفة. ولا يستطيع أي موظف دخول حقل التعليم الا إذا كان فاشياً. ثم تتسع الدائرة لتشمل مهناً حرة كالمحاماة والصحافة والطب. وعبر هذه الضغوط يبتلع الحزب كتلة ضخمة من صغار البرجوازيين والشرائح الرثة التي تنتسب للحزب خوفاً من البطش ورغبة في الحصول على عمل، ولذلك تبدلت قاعدة الحزب وكوادره قبل وبعد السلطة، فقبل وصول الحزب الفاشي الإيطالي الى السلطة كانت عضوية الحزب حسب إحصاء المسجلين في المؤتمر الثالث (روما-لاغستينو) مكونة من 151 ألف منتسب… منهم 14 ألف تاجر، 4 آلاف صناعي، 18 ألف مالك عقاري، 21 ألف طالب ومدرس، 10 آلاف من ذوي المهن الحرة، 7 آلاف مستخدم، 25 ألف عامل وبحار و27 ألف شغيل زراعي… العدد الأكثر هو الشغيلة الزراعيين والفئات البرجوازية الصغيرة والوسطى والريفية التي شكلت في الفترة الأولى قاعدة الحزب الجماهيرية.
في بداية استيلائها على السلطة تضع الفاشية الحزب في الأولوية على جهاز الدولة. وتطوق جهاز الدولة التقليدي بجيش من البرجوازيين الصغار الهائجين ممن يريدون الحصول على حصتهم، وتنظم الفاشية هجوم الحزب على الدولة بطريقة الغزو التدريجي. في بداية الأمر يقاوم جهاز الدولة هذا الغزو الخارجي محاولاً الاحتفاظ بأيديولوجيته والية عمله السابقة، وهذا يتعارض مع وجود مهادنة سابقة بين الفروع القمعية جهاز الدولة التقليدي وبين العصائب الفاشية والنازية التي تأخذ أسلحتها من ترسانات النظام. الفاشية الزاحفة على السلطة تعمل على توسيع سيطرة الحزب على أجهزة الدولة (الجيش، البوليس، الإدارة…الخ) ولكن في المرحلة الثانية التي يسميها (بولنتزاس) “الفاشية المستقرة” تبدأ سيطرة جهاز الدولة، الذي جرى تغييره، على الحزب بوسائل عديدة. تستوعب الآلة لاقتصادية البرجوازية جزءاً كبيراً من كادر الحزب… الفاشيون الإيطاليون اقتحموا مجالس إدارة الشركات الكبرى، كشركات التأمين، في نفس الوقت تغيرت المراكز القيادية في الحزب وأصبحت بيد الصناعيين والملاك الزراعيين وأبنائهم الطلبة. ويجري ذلك عادة مع تقليص نفوذ البرجوازية الصغيرة (الثائرة) داخل الحزب. وفي هذه المرحلة بالتحديد يعلن دمج الحزب بالدولة، وتلغى حالة الصراع بينهما لصالح جهاز الدولة ولصالح البرجوازية والبيروقراطية الإدارية في الدولة. ففي إيطاليا أعلنت هذه الوحدة عام 1927 بمرسوم يتعلق بالجسم الإداري والولايات ينص على اخضاع تراتبية الحزب لتراتبية الدولة، واعتبر الحزب أداة لتحقيق إرادة الدولة. وأصبحت المادة الأولى في دستور الحزب الفاشي الحاكم تعرّف الحزب بأنه (ميليشيا مدنية في خدمة الدولة) وقد تمت عملية اخضاع الحزب من خلال مجلس أعلى فاشي والذي تحول الى الهيئة العليا للقرار ورديفاً لمجلس الوزراء، ثم أعلنت وحدة الحزب والدولة رسمياً عام 1928.
في المانيا النازية تم هذا التوحيد في كانون الأول 1933 وأصبح جهاز الدولة والحزب جسماً واحداً تحت قيادة ا(لفوهرر) الذي أعلن “لقد أصبح الحزب دولة”. وبدأت السلطة تتجسد في الحكومة وأصبح المسؤول الحزبي في حقل معين هو نفسه وزيراً او مديراً.
قبل توحيد الحزب والدولة كانت مهمة الحزب المفترضة ان يكون جهاز رقابة على جهاز الدولة. لكن بعد عملية التوحيد تحول الحزب الى جهاز رقابة أيديولوجية قمعية ولكن لصالح جهاز الدولة.
لقد تمت عملية ترويض وإخضاع الحزب عبر تغيرين:
1 – تركز ديكتاتورية الفرد القائد داخل الحزب وصعود ارادته باعتبارها إرادة الحزب والدولة. فمنذ 1933 اختفى برنامج الحزب النازي الألماني وأصبحت اقوال الزعيم هي ميثاق الحزب وشعاراته وأصبح تنفيذ (إرادة الفوهرر) الهدف الأساسي للحزب والدولة.
2 – عبر سيطرة فرع من فروع جهاز الدولة (المخابرات والأمن السياسي) على سائر أجهزة الدولة والحزب وبالتالي نشوء دولة المخابرات، وتم ذلك في المانيا بسيطرة ال (أس أس) بقيادة (هملر)، وفي إيطاليا بسيطرة جهاز ال (أوفرا) بقيادة (بوشين). وبسيطرة هذا الجهاز لتكريس دكتاتورية القائد يصبح الخوف عنصر الارتباط الرئيسي بين هياكل الحزب وأجهزة الدولة، ويشمل ذلك الخوف أبرز قادة الحزب ومارشالات الرايخ.. بحيث يتحول الكل الى مجرد صدى لصوت (الفوهرر) داخل هذا الهرم القاسي… اذ لا أحد منهم يجرؤ على رفع إصبع اعتراض، بعد ان تحولوا، في أحسن حالاتهم، الى مجرد استشاريين ذوي أصوات خافتة. وقد عمل هتلر على إبقاء الشكل الخارجي لمؤسسات الدولة السابقة (البرلمان ومجلس الوزراء والوكالات الاستشارية). غير ان هذه الهيئات صارت فيما بعد مجرد هياكل، فالرايخستاغ لم يجتمع خلال الفترة التي سبقت الحرب أكثر من عشرة مرات، ولم يقرّ إلا أربعة قوانين، منها قانون اعمار المانيا والقوانين اللاسامية المعروفة بقوانين (نورمبرغ) في 15 أيلول 1935. ومنذ عام 1938 وحتى نهاية الحرب لم يجتمع مجلس الوزراء إلا مرة واحدة. ورغم ان (الرايخ) اعتبر بمثابة هيئة عليا تعدّ للمعركة، إلا ان مجلس دفاعه، الذي أنشئ في مستهل العهد النازي لتخطيط الحرب، لم ينعقد سوى مرتين. لقد تحولت كل هذه الهيئات الى كيانات شكلية. اذ ان كل الأمور كانت تحلّ في مكاتب (الفوهرر) الأربعة – مكتب نائب الفوهرر برئاسة (هسْ) ثم (مارتن بورمان)، ومكتب مفوض الاقتصاد الحزبي برئاسة (شاخت)، ومكتب مفوض الإدارة برئاسة (فريك)، ثم مكتب مندوب مشروع السنوات الخمس برئاسة (غورنغ)- وأخذ هتلر يمارس صلاحياته في مكتب الرئيس ومكتب المستشار ومكتب الحزب ومكتب مستشارية الفوهرر. ولم يكن يشغل نفسه في الأمور التفصيلية في الحزب والدولة. لقد صار مرشداً، يرسم الخطوط العامة ويراقب الصراعات من فوق الهرم. وقد تمت عملية تركز الدكتاتورية هذه مع قيام (دولة المخابرات التي تمتعت باستقلالية عن جهاز الدولة ولها هيمنة خاصة فتحولت الى أداة تنفيذ أساسية لإرادة القائد المطلقة ولإعلاء شأن دكتاتوريته في الحزب والسلطة.

Social Links: