أيامٌ طويلة مؤلمة مرّت بنا بعد خسارة حلب، ورحنا نتابع رص الصفوف، فجاءتنا مصيبة وادي بردى، فرحنا نستنصر لهم، وكلنا أمل أن تشتعل الجبهات نصرة لهم، وإذ بنا نرى الأرتال والدبابات لكن على من؟ على بعضنا البعض؟
إخواننا في فتح الشام رجال أبطال تشهد لهم المعارك، كما هو حال إخوانهم أيضاً من الفصائل الأخرى، غير أن تضحياتهم لا تبرر الاعتداء على غيرهم بالظن والشبهة.
قلنا منذ بداية ما جرى إن الفصائل لم توقع على قتالكم، وما كان في الأستانة – حسب كل من تواصلت معهم – هو بيان للدول وليس للفصائل، والفصائل تحفظت عليه، وليس هناك من موافقة على قتال أحدٍ منكم.
وعليه فقد دعوتُ منذ البداية إلى اجتماع عاجل مشترك، تبسُط فيه فتح الشام مخاوفها، وتسمع من الفصائل الردّ، ومن ثم الخروج باتفاقية عدم اقتتال بينهم وبين الفصائل.
وانتظرنا ولم نصعّد في الحديث، رجاء أن يحلّ الأمر دون قتال، لكن الذي جرى هو أن فتح الشام هاجمت الفصائل فأنهت فصيلاً كاملاً (جيش المجاهدين) وجردته من سلاحه، وقد كان للأمس يثخن بالعدو، وحاصرت ثانٍ( الجبهة الشامية) فقامت الفصائل بمحاولة إيقافها عن ذلك.
لا أبرر كل ما صدر عن الفصائل أو القادة أو المغردين، لكنني أيضاً أعلم أن البادئ بالهجوم هو من يتحمل المسؤولية الأكبر، وفتح الشام لم تنكر في بيانها أنها هي من بدأت القتال، ولم تقدم في بيانها الذي جاء بعد إنهاء الفصائل لا قبله سبباً واضحاً مقنعاً هذا الاعتداء.
استمعنا إلى عدد من شهادات من قيادات وشرعيين من فتح الشام، وسمعنا من المنصفين منهم كلاماً يفيد بأن فتح الشام هي من تعتدي، وكان هذا واضحاً في تغريدات الشيخ أبي مارية القحطاني، وانشقاق الشيخ علي العرجاني وماجد الراشد من شرعيي الجبهة.
وأصدر كل مشايخ الساحة من المجلس الإسلامي ومجلس شورى أهل العلم، وحتى المشايخ الذين تعتدّ بهم فتح الشام (كالمحيسني وعبد الرزاق المهدي، وأبو الحارث المصري، ومصلح العلياني) بيانات طالبوا فيها فتح الشام بوقف هجومها والتحاكم للشرع.
وقدّمت بعض الفصائل مبادرات لوقف إطلاق النار والتحاكم للشرع، فكان الجواب كما صرح قائد حركة أحرار الشام في صوتيته منذ قليل 🙁 أن الفصائل وافقت على تحكيم الشرع، ورفضت فتح الشام ذلك).
فما كان منا أن إلا طالبنا الفصائل بوقف هذه المأساة الحاصلة التي تغيب عن كثير من السذج والمتعصبين لفصائلهم نتائجها الكارثية، بما يترتب عليها من خلل واسع في جبهات الرابط نتيجة خلوها من عشرات نقاط الرباط التي تسدّها هذه الفصائل في جبهات حلب وحماة والساحل وسهل الغاب.
ثم إن الأثر الأخطر هو ما وصلني من تواصل العشرات من القادة والعناصر، وهو يشكون لي أنهم سيتركون الجهاد، ويخرجون إلى تركيا، لأنهم لم يعودوا يأمنون على أنفسهم، مع أنهم لم يهاجموا يومأً ما إلا النظام وحزب الشيطان.
أمام كل هذا وأمام الاستمرار في بغي فتح الشام على الفصائل الباقية، طالبت وأكرر بتدخل الفصائل لفرض قوات فصل بين الطرفين، ولو بالقوة، لحجز الطرف الباغي، وإخضاع كل الأطراف للشرع، ومن لديه أدلة فليقدمها لمحكمة محايدة، فلا يصح أن يكون الفصيل نفسه هو الخصم والحكم.
للذين يقولون لي أما سمعت ما جرى في الاستانة، أقول كل ما جرى ليس فيه اتفاق على قتال فتح الشام من قبل الفصائل، وكان اللقاء بين القادة وحل الأمور على الأرض بالتفاهم هو الحل الأسلم، ومع ذلك ففتح الشام لم تهاجم كل من ذهب بل اتبعت انتقائية في ذلك، فهاجمت بع الفصائل كجيش المجاهدين والشامية والصقور، وتركت آخرين مشاركين كجيش النصر والعزة وغيرهم.
وللذين يحتجّون بأن الضحايا قلائل أو لا يوجد ضحايا أقول: لا بل يوجد عدد من العناصر نحسبهم شهداء في مناطق عدة قضوا في هذا الاقتتال، ويكفي لو أن مسلماً واحداً سقط في هذا الاعتداء لكفى ذلك أن يكون إثماً عظيماً، فمن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً.
وللذين يقولون دعك منها إنها فتنة، نقول نعم، لسنا ممن يحرّض على قتال أي فصيل، ولكن من الفتنة أن تترك الفصائل تتلاشى، والاعتداء عليها يتم أمام عينيك ثم لا تقول كلمة توقف بها المعتدي، وتنصره بها بكفه عن ظلمه.
لقد مرّت بي الأيام الفائتة وأنا لم أنم الليل ألماً على ما يجري، وقد كنتُ خلال الأسابيع الماضية متفائلاً بقرب أعمال عسكرية، تعبنا في التحضير لها في أماكن عدة، وما حصل من قتال هو ما أخرّها وحال دونها وأخشى أنه سيفشلها لأن فصائل عدة كانت ستشارك فيها ممن وقع عليها الاعتداء.
ولذا فإنني أكرر دعوتي لعقلاء فتح الشام بالوقوف عند شرع الله، والنزول على لجنة شرعية محايدة، تحكم لهم فيما عندهم من دعاوى، وليعلموا أن تورع الفصائل في ردهم ومواجهتهم هو حجة عليهم وليس لهم، وأن انتصارهم على بعض الفصائل لا يجعل من باطلهم حقاً، وأن الله والتاريخ والشعب يسجّل، كما أدعو الفصائل للتدخل لفض هذا القتال والحيلولة دون استمراره.
كلُّ الدماء المجاهدة عندي معصومة، بلحية أو بدونها، بفصيل إسلامي أم فصيل جيش حر، كلهم تعزّ علينا دماؤهم، وكلهم نريد لهم السلامة، وكلهم نتمنى أن يكونوا صفاً ضد عدوهم.
وإنني أذكّر من يفرح الآن ببسط فتح الشام سيطرتها على بعض الفصائل وتفردها في الساحة، أن عليه أن ينتظر عاقبة ذلك ويتحمل مسؤوليته من إضعاف الجبهات، وإعطاء كامل الذريعة للعدو بحرق هذه المناطق أضعافاً مضاعفة عن ذي قبل.
كما أحمّل قادة كل الفصائل من فتح الشام وأحرار الشام والفصائل كلها مسؤولية ما وصلنا إليه، لأنهم تمسكوا – ولسنوات- بفصائلهم ومناصبهم وتنظيماتهم ولم ينخرطوا معاً في جسم واحد، تحلّ فيه المسميات وتتحد فيه الجهود ضد المحتل الظالم الذي يعتقل نساءنا ويقتل أطفالنا.
اللهم احقن دماء المجاهدين من كل الفصائل، ووحد صفوف الثوار في وجه عدوهم، وانصرنا على عدونا بشار وحزبه، وإيران وميليشياتها، وروسيا ومن معها.

Social Links: