إن الحضارة كظاهرة تاريخية في علم الاجتماع، وكمفهوم نظري، من أكثر المفاهيم التي يثار حولها الجدل بشأن تعريفها، وبيان معناها، وتحديد مجال استخدامها ومداها، نظرا لتعدد الآراء حولها، واختلاف وجهات النظر في توضيح هـذا المصطلح، وأيضا، بسبب توسّع مجال استعماله، وتعدد وظائفه..وثمة من يساوي ويجمع بين مصطلحي الحضارة والثقافة، على أنهما بمعنى واحد، وآخر يقصر الثقافة على الجانب الروحي، والحضارة على الجانب المادي، ويبدو أن المصطلحين يلتقيان حتما في حيّز ما ويختلفان بل يفترقان في مواضع عديدة..
إن الحضارة تعني بأحد معانيها درجة من عملية التطور الاجتماعي،التي بلغ فيها المجتمع درجة مكنته من تحويل وتطوير منتجات الطبيعة بواسطة الجهد الإنساني،وقدرته بمعالجته الذهنية إلى صناعة ما تلبث أن تتطور هذه الصناعة بمرور الزمن ليصبح الإنسان بالتالي ممتلكا لها، وعندها تتأسس الحضارة..
لقد تطّور بنو البشر من حالة الوحشية، إلى البربرية، وهنا من نافل القول أن نتذكر ما قاله إنجلز من أن العمل هو الذي صنع الإنسان، فنقله من حالة الوحشية إلى حالة أخرى متطورة بما لا يقاس، فتطوّر ذهنيا عند مقاومته للطبيعة القاسية، وسعيه بداية للدفاع عن وجوده، والتكيّف مع واقع فرض عليه الاستماتة للتواصل مع الحياة، كل هذا حرّكه غريزيا بداية،ثم تطوّر ذهنيا وبدنيا، وتوفق في ابتكار أدوات لمعالجة بعض الأشياء، واستخدامها للدفاع عن نفسه، ولم يتوقف تطوّره وتنمية ملكاته الذهنية، حتى جاء انطلاق الإنسان نحو امتلاك التصنيع، وهنا كان لا بد أن تأتي الحضارة في الفترة اللاحقة، أي عند احتكاك الإنسان بالصناعة ومن ثم امتلاكه لها؛ يقول إنجلز:” إن الوحشية هي فترة امتلاك المنتجات الجاهزة للطبيعة على الغالب.
البربرية هي فترة إدخال الرعي والزراعة فترة امتلاك طرق زيادة وإنتاج المنتجات بواسطة النشاط البشري؛ والحضارة هي فترة امتلاك التصنيع اللاحق لمنتجات الطبيعة” إن هذا المقال لإنجلز، يفيـدنا من أن الحضارة ابتدأت بعد انتقال الإنسان من حياة البربرية إلى حالة من الإقامة الدائمة والاستقرار، حالة من الأنس والتوافق مع بني جنسه، حالة من السلم والأخلاقية، بدلا من الفظاظة والتقوقع والأنانية. إن تلاقي الجماعات البشرية بدافع الحاجة، سواء لرد الأخطار الدائمة أو المحتملة، أو تأمين مستلزمات البقاء والتواصل، واستنباط ما يمكن استنباطه من أدوات وسواها، لمعالجة أمور وحالات هو بحاجة ماسة إليها، إن هذا التلاقي والنشـاط والتفاعل، هو بداية مرحلة التصنيع، وهو اللبنة الأولى في صرح الحضارة البشرية ..
لقد كان الإنسان في بداياته ضعيفا عاجزا أمام جبرية الطبيعة الجغرافية والمناخية، لكنه باستئناسه لبني جنسه وتفاعله معه، وتفاعلهم جميعا مع الطبيعة، مكّن الإنسان من تجاوز عقدة ضعفه، وأصبح ينازل الطبيعة في صراع مستميت، بما يمتلك من قوة جماعية وأدوات، فاستطاع بداية أن يتكيّف مع عوامل الطبيعة ثم ما لبث أن صار قادرا أن يسخرها لمصلحته، وما تاريخ الحضارة في أحد أوجهه إلا حكاية صراع الإنسان مع قوى الطبيعة ..
من المعلوم أن الحضارة لا تنشأ ولا تتأسس إلا بتضافر جهود عدد كبير من الأفراد والعديد من الجماعات البشرية كما أن نشأة الحضارة تتأثر فضلا عن التنظيمات البشرية، تتأثر- أيضا – بهذا القدر أو ذاك بالعوامل المناخية فقد تساهم الشروط المناخية المواتية في نموّ وتطور الحضارة بخلاف العوامل المناخية القاسية التي تؤثر سـلبا في نموها وتأخرها أو تحول دون تحقيق الحضارة لفترة زمنية قد تطول. الحضارة كما هو معلوم ليست بكائن بشري عاقل، فهي لا تتكلم ولا تأكل ولا تزرع ولا تبني ولا تحارب إلخ.. مثل هذه الأعمال تناط بالإنسان وبالإنسان وحده، وبهذا فالطبيعة والإنسان طرفا المعادلة في الحضارة، همـا توءم مرتبطان يشترط أحدهما الآخر.. والحضارة بهذا المعنى تترجم بعلاقة الإنسان مع الطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان؛ لا انفصام بين الحضارة والإنسان، فالحضارة تشترط في وجودها بنشاط الإنسان الواعي وإبداعاته والإنسان هنا لا يعد عنصرا كالا عاجزا سلبيا، بل يعد ذاتـا مبدعة خالقة للتغيير، وهو مساهم نشيط في صنع الحضارة؛ والحضارة هي بالأساس مرادفة للتطور الاجتماعي.. تظهر الحضارة عادة في حقبة زمنية معينة تكون مواكبة لتشكيلة اجتماعية ما، ومشروطة بمميزات ثقافية وسمات وخصائص عـقائـدية، ومنتجة حسب الرؤية الفكرية السائدة، لحالات ونظرات متسقة، لاسيما في القيم الروحية، مثل السلوك والأخلاق والنواحي الجمالية، أي أن الحضارة نتاج ظروف اجتماعية وطبيعية محددة، وليست معطى بصورة مثالية، لهذا فهي تتلبس بلبوس تلك الحقبة الزمنية، وبما تحمل من ثقافات وعقائد وتقاليد وسواها..!
إن أية حضارة لا بد لها أن تغتني بمكونات الحضارات الأخرى، في صورة مـن التأثر والتأثير المتبادلين؛ فقد يستغني أناس هذه الحضارة من بعض عناصر حضارتهم لعدم ملاءمتها وتماشيها مع البيئة الحضارية الجديدة، والاستعاضة عنها بعناصر جديدة؛ وقد لا تكون العناصر الجديدة مستنبطة في حدود تلك المساحة الحضارية بل من حضارة أخرى؛ فأفول أية حضارة، لابد لكثير من قيمها وإبداعاتها، أن ترثها حضارة أخرى واعدة، أي أن الحضارة أخذ وعطاء، وقد يتحقق كثير من القيم والمبادئ في الحضارة الواعــدة الجديدة تفوق كثيرا عن قيم ومبادئ الحضارة الآفلة …
إن الحضارة لا تتم وفق السير بخط مستقيم، فهي تبنى وتؤسس في سياق استغلال طبقة لطبقة أخرى، لأن “الجشع الدنيء”لقوى طبقية هو الدافع والمحرك لنشأة وتطور الحضارة حيث “تقدم لطبقة كل الحقوق تقريبا وتحمل الطبقة الأخرى كافة الواجبات” كما يقول إنجلز وتلك ضريبة التطور التاريخي والحضاري؛ حيث أن”الإيجابي بمعنى التطور التاريخي لا يتوازى مع الإيجابي أخلاقيا” بتعبير الدكتور عبد الرزاق عيد ..
إننا بلا شك سوف نتعاطف أخلاقيا مع العمالة المصرية المستعبدة والمسخّرة، الذين شادوا حضارة وادي النيل وإليهم يعود الفضل في بناء الأهرامات المصرية، وهم كانوا في الوقت نفسه وقودا وضحايا لهذي الحضارة حيث كانوا يموتون بأعداد يوميا أثناء بناء الأهرامات، لتخلد ذكرى الفراعنة كصروح وشواهد. وتلك -كما أسلفنا- ضريبة التطور التاريخي. فإنجلز يقول: لولا عبودية العصر القديم لما كانت هناك اشتراكية؛ أي أن التطور البشري لا يتم إلا عبر صراع طبقي، واستغلال طبقة لطبقة أخرى..
من المؤرخين من تكلم عن الدورة الكاملة للحضارة بحيث تبلغ الحضارة مداها وتنهي دورتها فتسود المساواة بين أفراد المجتمع، ويمتثل الجميع أمام القانون، وعندما تكتمل دورة الحضارة، تبدأ بالتراجع والانتكاسة ربما إلى البربرية من جديد، لتعاود الحضارة دورتها، وتبدأ بحلقة البناء من جديد. ومن المؤرخين من ماثل دور الحضارة بحياة الكائن العضوي: ولادة، طفولة، شباب، نضوج، شيخوخة ..
أما توينبي المؤرخ الإنكليزي المعروف فيرجع الحضارة إلى استجابات بعض الجماعات البشرية لروح التحدي؛ فعندما تكون هناك عوامل مناخية قاسية، فبعض المجموعات البشرية تستجيب للواقع استجابة سلبية أي تخضع للواقع، ومنها من تتكيف مع واقع جديد بنفس الروح دون تغيير يذكر من طبيعة حياتها، لتعاود حياتها الطبيعية التي اعتادت عليها، حياة البداوة، أي الرضوخ السلبي، للواقع والمناخ الجديدين ..
ومن الشعوب من استجابت لروح التحدي، فانتقلت إلى وديان ومستنقعات، فحوّلتها إلى أراض خصبة، ولم تدخر جهدا في البذل والنشاط والتفاعل مع الواقع الجديد، لتبدأ معه في التعمير والبناء والتحسين والتغيير والتطوير. يرى توينبي أيضا أن الحضارة لا يتوقف بناؤها على عرق بشري واحد، فالحضارة تساهم في بنائها أجناس بشرية مختلفة، وجراء تفاعل عوامل عديدة كما أسلفنا، طبيعية وبشرية وسياسية تم تشييد حضارات …
الحضارة لا وطن لها فقد ظهرت في مختلف القارات، وفي أماكن عديدة شملت أسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا. إن أشهر هذه الحضارات هي حضارة الصين، وحضارة وادي النيل، وحضارة بلاد الرافدين، وحضارة الإغريق، وحضارة الرومان، والحضارة العربية الإسلامية، وحضارة الغرب..وللحضارات أهمية كبرى في حياة البشرية؛ فقد أشاد لينين بمساهمة حضارة الغرب في تطوير القوى المنتجة حيث قال: ” إن الحضارة الرأسمالية أوجدت الإنتاج الضخم والمعامل، والطرق الحديدية، والبريد والهواتف وغيرها..”
لاشك أن البشرية تتطلع وتنشد حضارة هي أكثر عدالة وتطورا وإنسانية؛ تتحقق فيها سعادة البشرية قاطبة، وهذا ما يراه إنجلز في حضارة المستقبل التي سوف تتميز:”بالديمقراطية في الإدارة، والإخاء في المجتمع، والمساواة في الحقوق، والتعليم العام”وهـذا ما كان يحلم به الاشتراكيون؛ ولا بـد لهذا الحلم من أن يستحيل إلى حقيقة وواقع ولو بعـد حين؛ لأن الحضارة المنشودة،تستوجبها تطلعات الإنسان، ويقتضيها العقل، وتحتمها الأخلاق، والمسيرة التاريخية والاجتماعية في التحول والتطور الذي لا يتوقف .

Social Links: