ملوك النواح و الندب ــ خطيب بدلة

ملوك النواح و الندب ــ خطيب بدلة

 

ثمة عبارة أطلقها الأديب الساخر الكبير الراحل، محمد الماغوط، ذات يوم، على سبيل المزاح والدعابة، فقال إنه نظر إلى وجهه، صباحاً، في المرآة، فوجد نفسه أشبه ما يكون بالمطرب الكبير والموسيقار الراحل، فريد الأطرش، في آخر أفلامه.

ويقصد الفيلم الذي يحمل عنوان “نغم في حياتي”. وفي زاوية سابقة كتب الماغوط، على سبيل المزاح أيضاً، أن فريد الأطرش هو ملك النواح والندب في الأغنية العربية من دون منازع.

برأيي، أن هذه المزحة تلخص جانباً رئيساً من الظاهرة التي نحن بصددها، وهي: تفشي الحزن والأسى في الأغنية العربية. واسمحوا لي أن أضيف: أن المطربين العرب، معظمهم، ملوك متوجون على عرش البكاء، والندب، والنحيب، والحزن.. بينما التصقت التهمة بفريد الأطرش وحده.

وأسارع إلى القول، هنا، إلى أن حديثنا هذا عن الأغاني الحزينة لن يتناول أي نوع من الأغاني الهابطة، أو المتوسطة، بل سيتركز على الأغاني ذات المستوى الرفيع التي توشك أن تبلغ حدود العبقرية كلماتٍ وألحاناً وأداءً، وأعني أغاني عصر النهضة الغنائية والموسيقية العربية التي حملها رواد أعلام كبار، ما تزال أسماؤهم خالدة وأغانيهم تطربنا حتى الآن، وكأنها طازجة.

إنه لمن الثابت في العلوم الاجتماعية أن الأغاني تعكس طبيعة المجتمع الذي تنطلق منه، وتعبر عن التركيبة النفسية للشعب الذي يحبها ويرددها ويتأثر بها.

من هنا نصل إلى سؤال قد يبدو مربكاً، وذا حساسية عالية، هو التالي: إذا كانت أغانينا عامرة بالظلم، والقهر، والنواح، والأنين، وسواقي الدموع، والهجر، والندم، والحرمان، والصبر، والسهر، والصدود، والعزلة، والخوف، والاضطراب، والتشوش، والعواذل، فما هو حال ثقافتنا التي أنتجت هذه المعاني؟ وما هو حال مجتمعاتنا التي تنعكس صورة هذه الثقافة البكائية فيها؟

فريد الأطرش، المعني بمزحة الماغوط، يستخدم كلمة “النواح” صراحةً في أوبريت “الفصول الأربعة”، فيترنم قائلاً: “من يوم ما فاتني وراح/ شدو البلابل نواح/ والورد لون الجراح”. وهو يعتبر نفسه، في أغنية أخرى، تعيساً من لحظة قدومه إلى هذه الحياة، بسبب هجر الحبيبة إياه طبعاً، إذ يغني نادباً حظه: “عدتَ يا يومَ مولدي/ عدت يا أيها الشقي/ الصبا ضاع من يدي/ وغزا الشيب مفرقي/ ليت يا يوم مولدي/ كنت يوماً بلا غد”.

لا يظنن أحد أن النواح أمر ممجوج في الثقافة العربية، فالبكاء على الأطلال كان العنصر الوحيد الذي لا يجوز الاستغناء عنه في القصيدة العربية “ديوان العرب”. فعنترة العبسي استنطق دار الحبيبة، وأنسنها، واستحكاها، إذ قال :

يا دار عبلـة بالجـواء تكلـمي

وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

وأما الملك الضليل امرؤ القيس فقد وجد أن بكاءه على أطلال الحبيبة منفرداً، لا يكفي “ولا يرد الرأس” فأمر صاحبيه أن يبكيا معه، إذ قال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوا بين الدخول فحومل .

بعد امرىء القيس بأكثر من 1500 سنة، في بلدة أرمناز الجبلية التابعة لمحافظة إدلب، حدثت طرفة جميلة جداً لها علاقة بالبكاء.

فقد سرى الصديقان زيد وعبيد، ليلاً، إلى بلدة كفرتخاريم، حينما سمعا أن لعبة قمار حامية تقام في منزل صديقهما عمرو .

أمضى زيد وعبيد الليل بطوله أمام طاولة القمار، والحظ يأتي قليلاً ويسافر، ثم يعود. وكانت النتيجة أن ربح زيد مبلغاً جيداً، بينما خسر عبيد كل ما حمله معه من نقود .

وحينما أصبحا بظاهر كفرتخاريم، مع طلوع الضوء، وقبل أن يغادرا مشياً على الأقدام إلى أرمناز، وقف الخاسر “عبيد” وشرع يبكي بحرقة على ماله الذي ضاع. وأثناء ما كان يبكي لاحظ أن “زيداً” يبكي مثله، وربما بحرقة أكبر، فتوقف عن البكاء وقال له :

– أنا أبكي، يا عبيد، لأنني خسرت كل ما لدي، ولكنك ربحت مالاً كثيراً، فلماذا تبكي؟!

قال زيد : إنني أعاونك حتى ننتهي من البكاء على بكير، فنمشي ونصل إلى أرمناز قبل أن تدب فيها الرِجْل!

  • Social Links:

Leave a Reply