لم يكن الأثينيون بصدد الاستسلام للغزاة من «سبارتا» التي لم تكن تعرف أي قيمة للديموقراطية، ففي 508 ق.م اندلعت ثورة شعبية هائلة في أثينا واندفع الثوار بشكل عشوائي ضد إساغوراس وجنوده السبارتيين الذين باغتتهم الثورة العارمة التي أعلن فيها الشعب أنه لن يعود إلى الاضطهاد مرة أخرى.
وتم محاصرة الانقلابيين فوق جبل الأكروبوليس لمدة ثلاثة أيام حتى استسلم الانقلابيون وتم طرد جنود سبارتا واستولى الأثينيون على مقاليد الحكم ومصيرهم بأيديهم، وقرروا استدعاء كلايزثنيس من المنفى وطلبوا منه تشكيل حكومة.
كانت ثورة أثينا الشعبية في 508 ق.م أول ثورة شعبية في التاريخ تنتهي بتسلم الشعب للسلطة، ونتج منها أول ديموقراطية في التاريخ، قام كلايزثنيس، إدراكاً للحظة التاريخية وكونه متقارباً سياسياً مع الطبقات الشعبية على رغم انتمائه لإحدى أكبر وأغنى عائلات أثينا الأرستقراطية، بتقليص صلاحيات مجلس الأوليجارشيا وزاد تمثيل الطبقة الشعبية وقدرتها على الوصول للمناصب، وابتكر أول نظام تصويت في التاريخ وكانت هذه هي بداية دخول أثينا عهدها الإمبراطوري من بابه الواسع.
يرى المؤرخون أن الحرية التي وصل إليها الأثينيون كانت هي الحافز للحضارة التي غطت المجالات الفكرية والفلسفية والعلمية التي نعيش آثارها حتى الآن، فالحرية فتحت مجالاً للإبداع والتركيز على المنافسة وتحقيق الذات والنجاح في مجتمع يملك قدرة كبيرة على الحراك والديموقراطية التي دافع عنها بأنيابه وأظافره، هذه الحرية هي التي سينقلب عليها المجتمع ذاته لاحقاً.
في 490 ق.م غزا العدو الفارسي أثينا أيام الإمبراطور الأخميني داريوس الثاني، فالفرس الذين كانوا جيراناً مشاغبين وعدوانيين منذ ذلك العهد، قرروا تدمير وإخضاع الحضارة اليونانية المنافسة، ووقعت معركة ماراثون الشهيرة التي كسبتها أثينا، وفي 480 ق.م انتصر الأثينيون مرة أخرى على الفرس في معركة سالاميس البحرية التي اعتبرت تحفة في العبقرية العســكرية اليونانية، وفي 470 ق.م تكرر عـدوان الفرس وانتصارات اليونان.
في 431 ق.م وقعت الشعوبية في أكبر أخطائها بالتحول من حكم العقلاء إلى حكم الرعاع، فتمكن الإصلاحي الشعوبي بيريكليس الذي قاد العصر الذهبي لليونان من إقناع الشعوبية الباحثة عن المجد بالتصويت لمصلحة خطة استراتيجية أعدها للقضاء على القوة المنافسة وهي سبارتا، باستخدام الأسطول الأثيني المتفوق وتبعته المشاعر الشعوبية التي اعتقدت أنها لا تقهر، ودارت حرب مدمرة بين أثينا وحلفائها وبين سبارتا وحلفائها لمدة 25 سنة، ومن سوء حظ الأثينيين انتشار الطاعون، ما قتل ثلث السكان ومات بيريكليس نفسه بالطاعون، وفي 416 ق.م ارتكب الأثينيون خطأ كارثياً آخر وباع السياسيون للرعاع الجائعون للانتقام خطة أخرى بإرسال الجيش والأسطول إلى صقلية، وانتهت المعركة بتدمير كامل الجيش والأسطول في إحدى أكبر الهزائم العسكرية في التاريخ القديم، وخلال الفترة استغل الفرس الموقف بالتدخل لمصلحة سبارتا، ما أدى لهزيمة كبرى استسلمت بعدها أثينا لسبارتا في 404 ق.م.
خلال الـ100 سنة الأخيرة كانت الأحداث السياسية والعسكرية الفاسدة والسيئة دمرت صورة الديموقراطية في أذهان الأثينيين، فقد ذهب الملك المستبد الفرد، لكنه استبدل بأقلية فاسدة أنتجت عشرات المستبدين الصغار المتنافسين على السلطة والمنفعة، وكانت الهزيمة المطلقة في الحرب البوليبونية مع سبارتا سبباً في انهيار الاقتصاد ومنظومة الأخلاق والوطنية لدى الأثينيين، ما سهل للعدو الفارسي التدخل الدائم في أحوال اليونان لمصلحة أطراف ضد أخرى وإبقاء الانقسام لاستمرار النفوذ الفارسي وأصبح الشعب الأثيني يتحسر على الحاكم الأوحد القوي الذي يملك السيطرة ويقضي على الخلافات والتشظي الذي ساد البلاد مما يعيد لها الاستقرار.
مما ساعد في انهيار ثقة المجتمع في الديموقراطية أيضاً هو العداء الشديد الذي كنّه أكبر فلاسفة ذلك العصر مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو الذين أسهموا في هدمها من دون إنتاج نظام جديد، فسقراط اكتفى بالبحث حول مصلحة الإنسان والسعي نحو الحكمة ناقداً بشدة الديموقراطية الفاسدة من دون تقديم بديل، أما أفلاطون فما قدمه هو رؤية حول الجمهورية الفاضلة لم يكن إلا وهماً غير قابل للتطبيق، وكان المجتمع اليوناني يبحث عن شيء جديد يحل به مشكلاته، أما أرسطوطاليس فكان قريباً من بلاط فيليب الثاني ملك مقدونيا الدولة المجاورة ومعلماً لابنه الإسكندر الأكبر.
في ذلك الوقت، تمكّن الملك فيليب الثاني القائد القوي من هزيمة أعدائه وتحقيق الاستقرار لشعبه، ومما لا شك فيه أن الكثير من الأثينيين كانوا يرونه الحل المنشود، والمؤكد أن الملك كان على اتصال بالكثير من قادة الرأي الأثينيين لتحريضهم على إشاعة الرأي حول المنقذ المرتقب، ونجح في تكوين أحزاب أثينية تنادي بالتقارب مع مقدونيا كبديل للفرس، في 338 ق.م استولى الملك فيليب الثاني المقدوني على أثينا، ربما بطلب من قوى أثينية.
وبهذا يكون الاستقلال الشكلي لأثينا انتهى وانتقل الحكم للمقدونيين، ويبدو أن الأثينيين كانوا سعداء بهذه النتيجة فلم تقع مقاومة تذكر.
الملاحظ الفارق الهائل بين موقف الأثينيين خلال ثورة 508 ق.م حين ثاروا بعنف ضد القوة الأجنبية الممثلة بسبارتا التي انقضت على ديموقراطيتهم عندما كانت تحت حكم قائد وطني هو كلايزثينيس رعى المصالح العامة للأمة، وبين ترحيبهم بغزو ملك مقدونيا حين وقعت بلادهم تحت حكم عصابة فاسدة. انقلاب الأثينيين على الديموقراطية بعد دفاعهم عنها لمدة طويلة والتضحية من أجلها ثم تأييدهم للتخلص منها حتى لو عبر مساندتهم لغزو لبلادهم من ملك مستبد لدولة مجاورة، يعد تمثيلاً لمبدأ أن الحق في «الخبز» و«الأمن» يسبق الحق في «الحرية».
ولا يمكن اعتباره نكسة اجتماعية أو سياسية ولا هو من حق أحد إدانة هذه التجربة، بل هذا الحراك يؤكد مقدار الحيوية التي يتمتع بها الشعب فالخلاف والاختلاف هو من صفات الشعوب اليقظة، فالاتفاق قد يؤدي إلى تقدم مرحلي.
لكن الاختلاف يؤدي إلى حال حركة وديناميكية تضمن استمرار الشعب في البحث عن أفكار وحلول تضمن استمرار التقدم، فالاختلاف هو بين طرفين يمتلك كل منهم نصف الحقيقة، وعملهما معاً وفق آلية محكمة يؤدي لتلاقي النصفين.
لا تجد هذه الحيوية في المجتمعات الراكدة التي لا تهتم إلا بالأهداف قريبة الأجل، فصراع النقائض هو حقيقة الحياة سبقت بزمن طويل كلام المتصوفة وابن خلدون ومن بعدهم هيغل عن صراع الأضداد وأهميته في إنتاج الحركة، فاستمرار الخلاف يحد من قدرة طرف على الاستئثار، شرط أن يكون الصراع ليس لأسباب ذاتية أو فئوية، بل لأسباب مبدئية فهذا ما ينتج التقدم.
* باحث في الشأن السياسي.

Social Links: