مع التوصل إلى اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار على الأرض السورية يوم 2016-12-29 سارع الروس إلى دعوة كل من ممثلي الفصائل الثورية للمعارضة السورية المسلحة وممثلي النظام للاجتماع في العاصمة الكازاخية أستانا حيث تم هذا اللقاء يومي 23-24-كانون الثاني 2017 بحضور الروس وتركيا وإيران ..ومثل أمريكا سفيرها في أستانا بصفة مراقب وكذلك المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان ديمستورا …حيث حدد جدول أعمال هذا الاجتماع بمناقشة البحث في آليات وضمانات تثبيت وقف إطلاق النار والبحث في سبل تقديم المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة والعمل على إطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين في سجون النظام السوري.
لقد تأخر وفد الفصائل الثورية المسلحة عن الالتحاق بالاجتماع لمدة نصف ساعة احتجاجاً على حضور إيران الاجتماع كطرف ضامن كونها تمثل جزءاً هاماً من المشكلة وليس جزءاً من الحل بسبب وجودها كقوة احتلال جلبت أكثر من ستين فصيلاً شيعياً يشارك النظام السوري في قتل السورين وتهجيرهم.
وأكد رئيس وفد المعارضة في كلمته أن النظام وحلفاءه مستمرون في خرق الهدنة خلال وقت الاجتماع هذا وخصوصاً في محيط مدينة دمشق (وادي بردى، والغوطة الشرقية) ومدينة محجة في ريف درعا الشمالي …رافضاً سلفاً الخروج على جدول الاجتماع والبحث في أية قضية سياسية..فهذا من مهام الهيئة العليا للتفاوض في مباحثات جنيف4 قاطعاً الطريق على المحاولات الروسية لتحويل أستانا نفسها إلى بديلٍ لمقررات جنيف التي تُعَدّ مرجعية الحل المقبولة بالنسبة إلى المعارضة وممثلي الثورة السورية عامة.
وعلى الرغم من أنّ اجتماع أستانا لم يحقق للمعارضة المسلحة أهدافها، ولا سيما في ما يتصل بالحصول على التزامٍ قاطعٍ وفوري بوقف كل الأعمال القتالية على الأراضي السورية، باستثناء ما يخصّ منها تنظيم داعش فقد تمثّل مكسبها الأكبر في (انتزاعها اعترافًا من النظام وحلفائه بشرعية تمثيلها بعد أن ظلّ الروس والإيرانيون يصرّون على وصمها بالإرهاب وخصوصًا أنّ هذه المناسبة أوّل مناسبة تُدعى فيها فصائل المعارضة المسلحة للمشاركة في جهد الحل السياسي ).
ومن المثير أن الروس فاجأوا الجميع بطرحهم مسودة دستور لسوريا وقد بدا واضحًا أنهم يحتالون للتوصل إلى تسوية بعيدًا عن مرجعيات جنيف عاملين على استثمار سقوط حلب وفرض شروطهم على السورين وثورتهم والعمل على احتكار الحل في إطار الصيغة الثلاثية التي ظهرت في أستانا (تركيا – روسيا – إيران) وذلك في( ظل انشغال الولايات المتحدة بعملية انتقال السلطة وتعيينات إدارة دونالد ترامب إضافةً إلى تراجع الاهتمام الدولي بالشأن السوري ووجود ما يشبه التسليم بدور روسيا القيادي في حل الأزمة السورية.
كما بدا واضحًا أن خطوة الروس هذه تمثل إهانة حقيقية للشعب السوري وثورته… هذا الشعب الذي وضع قادته إبّان العهد الوطني في خمسينات القرن الفائت دستوراً عصريا يتباهى به السوريين حتى يومنا هذا بينما كان الاتحاد السوفيتي يعيش في ظل نظام هيمنة الحزب الواحد والشمولية المقيتة.
لقد رفض وفد المعارضة استلام هذه المسوّدة ومناقشتها مؤكداً أنّ وضع الدستور شأنٌ يقرّره الشعب السوري، ويكون (نتيجةً للشروع في عملية سياسية، وليس مقدمةً لها، فضلًا عن أنّ المعارضة المسلحة غيرُ مخولةٍ بشأن الحديث في هذا الموضوع السياسي و في ظلّ غياب الهيئة العليا للمفاوضات ).
وفي اختتام مفاوضات أستانة أكدت روسيا وإيران وتركيا في بيان ختامي صدر بين أطراف الأزمة السورية التزامها الكامل بمبدأ وحدة أراضي سوريا. وشدد البيان، الذي تلاه وزير الخارجية الكازاخستاني على أن لا حلاً عسكريا للأزمة السورية و أن وفود روسيا وتركيا وإيران توصلت إلى اتفاق حول إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في سوريا
وجاء في البيان بهذا الصدد : «تم التوصل لاتفاق حول إنشاء آلية ثلاثية تقوم بمراقبة نظام وقف إطلاق النار وضمان الالتزام الصارم به (من قبل أطراف النزاع)، ومنع أي استفزازات، وتحديد مدى تطبيقه». وأشارالوزير الكازاخي على أن الأطراف، التي وقعت البيان، اتفقت على «السعي لتوحيد نظام وقف إطلاق النار… عبر خطوات ملموسة وعن طريق استخدام نفوذها على الأطراف، وذلك بالإضافة إلى التقليل من عدد انتهاكاته لأدنى حد ممكن، والتقليل من العنف، وإقامة علاقات الثقة (بين أطراف الأزمة)، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين وحمايتهم».
في الختام لابد من القول :
لقد مثلت الأستانة محطة من محطات الصراع السياسي بين قوى الثورة وحلفاءها من جهة وبين النظام والقوى الداعمة له من جهة أخرى …صحيح أن هذا الاجتماع لم يحقق المأمول ( خاصة في إطلاق سراح المعتقلات السوريات في سجون الاستبداد الأسدي والبالغ عددهن قرابة 13000 معتقلة ) إلا أن الوفد المعارض قد قطع الطريق على الروس ومناوراتهم الذين عملوا على تجيير اللقاء باتجاه البحث في الحل السياسي والعمل على عزل الهيئة العليا للمفاوضات وأطراف أخرى من المعارضة السورية ومحاولة شق صفوف الفصائل المسلحة ودفعها نحو الاحتراب لكنهم لم يفلحوا . وإنهم (أي الروس ) لن يتوقفوا أو يكفوا عن التهرب من الاستحقاقات التي اكدها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 والذي أُتخذ بالإجماع من قبل أعضاء مجلس الامن بتاريخ 18 كانون الأول 2015 والمتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا ولذا على قوى الثورة وكافة ممثليها التسلح باليقظة والاحتراس من المشاريع التي لا تخدم المشروع الوطني السوري والاستعداد لخوض جنيف4 من أجل الانتقال بسوريا من الاستبداد إلى الدولة المدنية الديمقراطية حيث (وضوح الموقف وثباته ضروريان في ظل تداخل العوامل الإقليمية والدولية وتشابكها وتعدّد منصّات الحوار والتفاوض).

Social Links: