جاءت ولادة الأحزاب السياسية في البلدان النامية بمثابة ظاهرة صحية، أفضت تلك الولادة للأحزاب إلى تشكل النظم السياسية الحديثة، وجاءت تلك النظم بدورها نظما حزبية.. قامت هذه الأحزاب واضطلعت بمهمة طرح برنامج تحديثي، سياسي واقتصادي، وذلك من خلال المؤسسات السياسية والثقافية في حقل السياسة، والمؤسسات الإنتاجية في حقل الاقتصاد بغاية التغلب على واقع التخلف، وتحقيق التنمية والتحديث في المجتمع..
معلوم إن الأحزاب تتأثر عادة بالبيئة الاجتماعية التي تنبت فيها، فتتلون بما تحمله من ملونات مكوناتها الاجتماعية والثقافية، فإذا كانت الأحزاب السياسية كما هو معلوم تتأسس على أيدي المثقفين، ففي البلدان النامية سرعان ما يتحكـّم في قياداتها أبناء الطبقات الميسورة، المنحدرون غالبا من الريف، وهم ذوو أصول فلاحية ومالكة، مع ميزة الظهور بعقلية البرجوازي الصغير، وهم بالتالي شموليون (إن صحّ التعبير) في نظرتهم وتحكمّهم وسلوكهم وتفكيرهم، يتميزون بكثير من الأنانية، بعيدون عن خصلة التواضع والتضحية، يمارسون الديكتاتورية في أحزابهم، كما كانوا يمارسون السيطرة والتحكم في قراهم، فلا يسمحون بتعدد الآراء داخل الحزب الواحد، فيلقي واحدهم بكلكله على جسم الحزب، ليشكل حائلا عائقا أمام تطوره، فالبيئة المتخلفة، تطغى بطابعها على الحزب الذي يحيا في كنفها، فالمجتمع المتخلف يمارس فيه الحزبيون السياسة والحياة الداخلية للأحزاب بشكل متخلف، وفشل هذه الأحزاب يعني تكريسا لواقع الجهل والتخلف..
لكن وللحقيقة علينا في هذا السياق أن نقول: بالرغم من الممارسات الخاطئة لهؤلاء الحزبيين، علينا ألا نحمل الأشخاص وحدهم مسؤولية هذه الممارسات وكأنهم ذوات منفصلة عن الواقع المعيش، أو البيئة التي أنجبت واحدهم, فترعرع في كنفها، إن بلورة شخصية أي كان لا تتوقف على الشخص ذاته ، فالبيئة الاجتماعية, وواقع التخلف, والجهل، والمنحدر الطبقي، والثقافة، والتراث والتاريخ..إلخ كله كان عنه مسؤولا، أي في تكوين طبيعة هذا الشخص وممارساته، وكل هذا هو الذي صاغ الأشخاص بهذه الصورة التي هو عليها أو تلك.. يأتي تشكل أي حزب عادة من عناصر نشطة من الأفراد، يضمهم تنظيم حزبي واحد ممن تلتقى ميولهم سياسيا، وانتماءاتهم طبقيا، وتطلعاتهم ونظرتهم المستقبلية، لهذا فهم يمارسون السياسة في إطار تنظيمي، يضمهم حزب واحد، ويطرحون سائر القضايا، يخوضون الانتخابات، يقبلون بالتعددية، ويستهجنون نظام الحزب الواحد، يسعى واحدهم للنشاط في محيطه الاجتماعي، وربما وسّع من دائرة نضاله السياسي ليشمل البلاد، إن ما نطرحه هنا في هذا السياق جاء بتطلع مثالي..
هذا الشكل من التعريف الأولي ينطبق على النظم الديمقراطية وحدها، لأن النظم الشمولية في البلدان النامية الحاكمة بنظام الحزب الواحد، تقفل الباب أمام أي نشاط سياسي لحزب آخر يعارضه، أو ينافسه، أو يطالب بإصلاحات كحق طبيعي من حقوقه في النشاط الحزبي السياسي، وحق المشاركة في السلطة، هذا الحرمان من الحقوق هو الجاري على العموم في غالبية البلدان المتخلفة…
من نافلة القول هنا أن ننوه عن نظرة ماركس للحزب الذي يرى بأن الحزب يعبّر عن مصالح طبقية لمجموعة من الناس التقت مصالحها الاقتصادية فراحت تسعى للوصول إلى الحكم من خلال الانقلابات الثورية كما تمّ غالبا، أو حتى بالإصلاحات، رغم نفي بعض الماركسيين للحالة الأخيرة كوسيلة للوصول إلى السلطة، وبالتالي حدوث تحولات عميقة، منها وضع حد للاستغلال..
معنى هذا الكلام، إن ممارسة أي حزب لسياسته النضالية خارج السلطة بحرية يفترض مناخا ديمقراطيا، لكن تبقى السمة الأساسية لتلك الأحزاب الحاكمة، كما هو ملاحظ، هي التفرد بزمام الأمور، والشمولية في التوجهات، ليبقى الحيز البور كبيرا واسعا، كان لا بد أن تشغله أحزاب أخرى شئنا أم أبينا..
لعبت الأحزاب السياسية بما لا يدع مجالا للشك في البلدان النامية، لعبت دورا ملحوظا في التحديث والتنمية السياسية، وقد استأثرت أدبيات تلك الأحزاب باهتمام شرائح المجتمعات المختلفة، لكن هذا التفاؤل ما لبث أن خفت وتيرته تحت ضغط الواقع، ومصاعب التحول، ومدى استجابة منطقة دون أخرى لأسباب التنمية والتحديث، لكن دون نفي ما لعبته الأحزاب في عمليات التحديث في المجتمعات المتخلفة، كان من ابرز نتائجها هو الوعي الجمعي، دون نفي للدور السلبي في سلوك عديد من الموظفين الفاسدين، أو الحزبيين الفاسدين الذين أخذتهم شهوة المناصب، فوجدوا فيها مطية للاغتناء، ووسيلة لمكاسب شخصية.. لهذا علينا أن نميز بين ضربين من الأحزاب، الأحزاب المتكيفة سلبا مع الواقع والتي سرعان ما تتكيف مع النمط التقليدي السائد في الواقع دون نضال يذكر، أو التماهي مع السلطة، أما الضرب الآخر من الأحزاب، فهي الأحزاب التعبوية والتي لا تكل عن النشاط والنضال السياسي، والتطلع إلى نقلة تحديثية وتنمية في المجتمعات، حتى لو كلفت هذه الأحزاب ضريبة قاسية..
للأسف نقول إن الحزب السياسي الذي دعا للنضال والحرية والديمقراطية وهو خارج السلطة، سرعان ما تنكـّر لماضيه، وأصبح يناقض نفسه عندما حصر النشاط العلني في نفسه، وحجبه عن الآخرين بعد تسلمه للسلطة، وكما هو ملاحظ اليوم في بلدان العالم الثالث على الأغلب..
يبدو لي إن الموجة الأولى من الأحزاب التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين بعد أن تمكنت من السلطة لم تشهد حالات ديمقراطية، فلا البلاشفة السوفييت استطاعوا أن يكرسوا الديمقراطية لا في البلاد ولا في الحياة الداخلية التنظيمية للحزب الشيوعي البلشفي لأسباب عديدة حولها اختلافات كثيرة، عالجناها حسب قراءاتنا في مقالات سابقة، وأيضا فالبرجوازية الصغيرة في كل من ألمانيا وإيطاليا لم تستطع أن تؤسس لنظام ديمقراطي، حيث تحولتْ البرجوازية الصغيرة عندما حكمت، إلى النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وإسبانيا (فرانكو)..
أيضا.. حتى أحزاب الموجة الثانية في النصف الثاني من القرب العشرين في البلدان النامية، الأحزاب القومية منها أو اليسارية أو الدينية، أي الأحزاب الراديكالية عموما لم يشهد لها أن عاشت حياة طبيعية، أي حالة ديمقراطية لا في حياتها الداخلية التنظيمية، ولا في علاقاتها مع الأحزاب الأخرى، وقد تجلى ذلك بوضوح أكبر لدى استلامها للسلطة ورغم تشابه الأحزاب (الواحدية) في الحياة التنظيمية، إلا أن الحزب المتحكم بالسلطة، يسعى لالتهام الأحزاب الأخرى عندما ينصهر في أتون السلطة عبر ممثليها كطاقم استبدادي فاسد، مثل هكذا أحزاب قد تكثر عدديا، لكنها سرعان ما تتكلس من الداخل، وتفقد فاعليتها، وتعود تابعة للسلطة لا أكثر، مهما كثر عدد أعضائها، وتضخمت جثتها في الظاهر، ومنهم من أطلق على هكذا نظم، (نظام الحزب – الدولة)..
هنا علينا أن نعي أن جميع هذه الأحزاب تسعى لتسلم السلطة، بإيصال ممثليها للحكم، ودائما بسبل غير شرعية، غير ديمقراطية، عبر انقلابات عسكرية خاصة..
شهدت البلدان النامية عقب الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من القرن العشرين، شهدت الدعوة للتنمية السياسية كإسهام في عملية التحديث، دعوة للديمقراطية الليبرالية، فإذا كانت مثل هذه الدعوات لقيت من يصغي بانتباه في الغرب، فالدعوة لم تلق آذانا صاغية في البلدان النامية، فإذا ما مالوا قليلا إلى الجانب الاقتصادي، فإنهم وقفوا بالضد في الجانب الاجتماعي والسياسي، وهذا ما أساء بالنتيجة إلى الجانب الاقتصادي، والذي يقتضي المساواة وحق المشاركة السياسية في الحكم، ونستطيع هنا أن نقول أنه لا يمكن أن تتحقق تنمية اقتصادية دون تنمية سياسية، بحيث تمكن السياسة السليمة من نقل المجتمعات التقليدية ولو بخطا وئيدة، لكن ثابتة إلى مجتمعات حديثة، ولابد هنا من انتهاج الديمقراطية في البلاد وفي الحياة الداخلية للأحزاب، والاستفادة من تجارب الغرب في جوانب التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..
أثبتت النظم السياسية في بلدان العالم الثالث عن عجزها في القدرة على تحديث مؤسساتها، وبالتالي تحقيق التنمية المنشودة، لتتجلى في بعض المؤشرات الاجتماعية كالمساواة والعدالة الاجتماعية، أو فسح المجال أمام التكنوقراط في الإدارة، بحيث تناط به مهمة التنمية والتحديث بعيدا عن أوصياء يتحكمون بهم، ففي سلطة نظام الحزب الواحد كما في أحزاب خارج السلطة تأتي المحسوبية (القرابة.. العلاقات الشخصية ..الطائفة) هي السبيل لتولي هذا المنصب أو ذاك أو المسؤولية، وتوكل إليهم المهام المختلفة، واطـّرادا مع هذا يأتي حجب القوى الشعبية ويتم لجم مختلف التنظيمات السياسية والمدنية والداعية من حقها المساهمة برسم سياسة البلاد في سبيل التنمية وفي جانب الاقتصاد منه خاصة, لتبقى السلطة حكرا في فئة قليلة، وتجاهل كل القوى الأخرى التي جئنا على ذكرها آنفا…
من المسائل العويصة التي تعترض سبل التنمية السياسية، والانتقال إلى دولة حديثة في هكذا دول، هي أزمة الهوية، حيث يصعب احتواء عوامل التنافر بين أبناء البلد الواحد لأسباب عرقية أو دينية أو طائفية مذهبية..إلخ هذا التنوع هو بالأساس من طبيعة غالبية المجتمعات، لكن الدولة الاستبدادية توظف هذا التنوع لمصلحتها فلا تقدم إلى أية معالجة بشأنها تذليل هذه العقبات المسببة لشيء من التباعد ، أو تقريب وجهات النظر، أو إصلاح ذات البين، فمثل هذا التنافر من مصلحتها، وهي ليست بوارد ذلك الإصلاح، فالأهم عندها هو ألا يكون هناك انسجام بين مكونات الشعب المختلفة، وبين أحزابه السياسية في التنافس والعمل، حتى ينشغل الشعب بها بعيدا عن التوجه بالغمز لعيوب النظام.. فأزمة الهوية هي بالأساس أزمة المواطنة، تبقى الفروق واضحة لا يمكن صهرها، أو تجاهلها، فيتجلى القصور والعجز عن خلق حالة من الانسجام والشعور بالمساواة، فضلا عن غياب شرائح عريضة من القوى الشعبية عن الحكم وعدم مشاركتها في تسيير شؤون البلاد..
فضلا عن كل ذلك هناك مسألة أخرى جدا مهمة، هي مسألة الشرعية، ثمة نفور عام من النظم الحاكمة في مسألة الشرعية، حيث لا تستند أغلبية النظم الحاكمة على أي سند شرعي أو قانوني يعتد به، ويبرر له في أحقيته بالحكم، فلا انتخابات شرعية، ولا اختيار المسؤولين للحكم قد تم على أسس واقعية مقنعة وسليمة، وكثيرا ما تهمل أكثر من مقاطعة من البلاد لأسباب كثيرة، فلا توليها الدولة أي اهتمام، وهي ليست بوارد النفاذ لداخلها للاطلاع على حالات السكان الاجتماعية، والوقوف على معاناتها بالمعالجة المطلوبة، هذه المسائل تعدها الدولة من النوافل وليست من الفرائض..
للأسباب التي أتينا عليها، تستلزم الدعوة للتنمية السياسية، توفر عوامل من أهمها حالة الاستقرار العام في البلاد، فلا بد من خلق نظام عام وشرعي، يفرد بجناحيه على جغرافية البلاد قاطبة، دون تفاضل بين منطقة وأخرى، لا بد من تجاوز أشكال الحكم التقليدية بوقفها على الدين أو العرق أو العائلة، والدولة لا بد أن تكون دولة ديمقراطية، والديمقراطية بدورها تستوجب العلمانية، لا بد من فسح مجال واسع من الحريات أمام القوى الشعبية لتعبر عن انتمائها السياسي والحزبي بكل قناعة وحرية دون قسر أو إرغام، لا بد من توفير أجواء من الحرية لبث النشاط في الحركات السياسية وسائر القوى للمشاركة في السلطة كل فريق أو جهة حسب تمثله للقوى التي رشحته وانتخبته..
إن الأخذ بهذه الأسباب مجتمعة سيمّهد الطريق للسير بالبلاد نحو حالة جديدة من التنمية والتحديث، حالة من الاستقرار السياسي العام في البلاد، وبالتالي خلق حالة من التوافق والمهادنة والتراضي بين مختلف القطاعات الاجتماعية من السكان، وأيضا فإن أي نظام قائم يكتسب الشرعية طالما شارك في انتخابه مختلف القوى، إن لم نقل كافة القوى قد ساهمت في التصويت والترشيح في اختيارهم للمسؤولين وبالتالي من يحكمون..! حينها ينقلب صراع الأحزاب من صراع تناحري على السلطة، أو بين السلطة من طرف، والأحزاب من طرف آخر، إلى صراع تنافسي حر ديمقراطي عليها، وبالتالي من يخدم البلاد والعباد ويمضي نحو التنمية والتحديث فهو غالبا ما يفوز بقيادة البلاد…ويبقى الصراع التنافسي في مناخ ديمقراطي مستمرا وأمرا طبيعيا دونما توقف ..!

Social Links: