الكاتب : وحدة دراسة السياسات
مقدمة
بعد إسدال الستار على مؤتمر أستانة يبدو أنّ فرص النجاح -في إنهاء المقتلة السورية، وفتح الأفق أمام عملية انتقال سياسي- ضعيفة، حيث يميل رأس النظام وحلفاؤه الإيرانيون إلى محاولة إحراز نصر عسكريّ حاسم، ومتابعة المصالحات القسريّة والتهجير الممنهج، ما يهدّد إعلانَي موسكو وأستانة.
لقد خرجت اجتماعات أستانة ببيان ثلاثي نعى الحديث عن “مرحلة انتقالية” في سورية، ما يمثّلُ مرجعية سياسية جديدة لدى إطلاق مفاوضات جنيف3 في الشهر المقبل، وخاصة بعد الحديث الروسي عن تشكيل وفد موحّد من منصّات الرياض وموسكو وحميميم والقاهرة والفصائل العسكرية المشاركة في مؤتمر أستانة، للتفاوض مع وفد النظام في جنيف بموجب مرجعيّة بيان أستانة التي عكست ميزان القوى العسكرية في سورية بعد حلب.
أوّلًا: المعطيات الممهّدة لمؤتمر أستانة
على الرغم من تكتّم الأطراف الراعية للمؤتمر على جدول أعماله، والغايات المرجوّة منه، وكذلك على المشاركين فيه والمدعوّين إليه، فإنه بات واضحًا أنه كان يبتغي تحقيق أربعة أهداف أساسية: أولها، تكريس اتفاق وقف إطلاق النار في سورية، بضمانة قانونية وسياسية من الأطراف المعنية على الأرض بصورة مباشرة، مع استمرار ضمانة موسكو وتركيا؛ وثانيها، تكريس سياسة المصالحات والهُدن المنفردة مع مناطق المعارضة، وشرعنة هذه السياسة، على أساس إخراج المسلّحين منها، كما حدث في حمص وداريا والمعضميّة وحلب ووادي بردى ومناطق أخرى؛ وثالثها، التأسيس لإطلاق مسار التفاوض السياسي وفقًا لمرجعيّة جديدة تستند إلى بيان أستانة، تُمثّل فيها موسكو الحجر الرئيس الذي يقود إلى وضع تصوراتها لحلّ الوضع في سورية موضع التنفيذ بوصفه أمرًا واقعًا، يأخذ بقرارَي مجلس الأمن 2336 و2254، ومرتكزاتهما، بما يُنجز تسوية سياسية بين أطراف تعترف ببعضها بعضًا وتتشارك “حكومة وحدة وطنية” لفترة انتقالية، تستثمر ما تحقق لها من التدخل العسكري المباشر، وتُعيد تأهيل النظام الأسدي مع إحداث تغييرات محدودة، تُمكّن المعارضة من المشاركة في السلطة، ما يعني العودة إلى المربّع الأوّل، ونسف هدف تغيير النظام، وعدم تناول قضية بقاء الأسد أو رحيله إلى أجل غير معروف؛ ورابعها، إنجاز صيغة للتعاون المشترك بين الأطراف الثلاثة الضامنة التي تمثّلُ مظلّة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة لمرحلة أستانة، تجعل منها دائرة القرار الرئيس في الشأن السوري، ما يفرض وضعًا سياسيًّا يجب التفاعل معه من جانب المجموعة الدولية، يعيد تشكيل خريطة التوازن الإستراتيجي في المنطقة.
وخلافًا للمفاوضات السابقة في جنيف وغيرها من المدن، فإنه يجري أول مرة، تحت رعاية تركيا الداعمة لفصائل المعارضة، وإيران وروسيا الداعمتين للنظام السوري، تغليب الطابع العسكري على الوفود المشاركة، ما يعني أنّ الهدف الأساس من المحادثات هو تثبيت وقف إطلاق النار بين الطرفين، والذي تواصل قوات النظام والمليشيات الداعمة لها خرقه في حلب ودرعا والغوطة الشرقية ووادي بردى وغيرها من المناطق.
بل إنّ رأس النظام، في تصريحاته للصحيفة اليابانية، قال: إنه يفاوض في أستانة الإرهابيين لدفعهم إلى إلقاء سلاحهم، ما يعني أنه لا يزال يصرّ على رفض الاعتراف بالمعارضة. في حين حقّقت الفصائل العسكرية بعض المكاسب، منها تكريس نفسها قوّةً معارضة شرعية، معترَفًا بها في نظر موسكو التي كانت ترفض الاعتراف بها، وتتعامل معها بِعَدِّها قوى متمرّدة أو إرهابية. وهذا يعكس رغبة موسكو في العمل من أجل مخرج سياسي من الحرب، بعكس حلفائها في طهران ودمشق.
وكان واضحًا أنّ الإيرانيين لن يستسلموا بسهولة لخسارة مشروعهم، بعد أن نجحوا في اختراق مؤسسات النظام واحتلالها من الداخل، وفي محاولة تقويض أي أسسٍ لاستعادة المجتمع السوري وحدته وتماسكه واستمراره. وبالمِثل، فلا يزال كثيرٌ من قادة نظام الأسد يظنّون أنّ في إمكانهم المراوغة واللعب مع روسيا، كما لعبوا من قبل مع جميع حلفائهم، وأخلُّوا بالتزاماتهم تجاههم في اللحظة المناسبة، لكسب الوقت واستعادة المبادرة لاسترجاع موقعهم في دولة ورثوها بالقوة والحرب.
في حين قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في 20 كانون الثاني/ يناير إنّ موسكو تعدّ المحادثات المرتقبة في أستانة بمنزلة “إسهام مهمّ في وضع معايير التسوية السياسية الشاملة في سورية، والتي ستستمرّ ضمن فاعليات أوسع في جنيف مطلع شباط/ فبراير على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي”.
لكنّ عدم إشراك أطراف إقليمية ودولية فاعلة في المسألة السورية، أضعف بيئة انطلاق المؤتمر، وجعله محطة استعراضية، لن يتمكن منظمّوه من حصدِ كثيرٍ منه، ومن ثمّ، لن يكون المؤتمر، لا في مكانه ولا في زمانه، إلّا محطة عابرة في سياق أزمة إقليمية دولية لها كثيرٌ من الشروط التي ينبغي أن تتوافر للمضيّ في حلّ واعد.
وقد برز قبيل المؤتمر، في 21 كانون الثاني/ يناير، تطوران ينبئان بنتائج هزيلة له: الأول، حين ظهرت ملامح خلاف أجندات إيرانية- روسية، تُرجمت بتصريح غير مسبوق عن الكرملين، رأى أنّ الموقف الإيراني من المشاركة الأميركية في المحادثات يُساهم في تعقيد الاجتماعات المقررة؛ والثاني، أنّ الولايات المتحدة ارتأت تخفيض مستوى مشاركتها في المؤتمر، بإعلان وزارة الخارجية الأميركية أنها لن ترسل وفدًا للمشاركة في المحادثات، وتأكيدها أنها ستُمثّل فيه من خلال سفيرها في كازاخستان، ما يعني مشاركة باهتة من الناحية الدبلوماسيّة. هذا الغياب الدولي حمل رسالة واضحة للروس، بأنه من غير المسموح لمؤتمر أستانة أن يجترح مرجعيّة بديلة من مرجعيّات جنيف.
ثانيًا: قراءة نقدية لبيان أستانة
كان لافتًا تضمين البيان الختامي مجموعة من البنود، وكان أبرزها ما ورد على الصعيد العسكري إذ “تعيد الوفود المشاركة تأكيد إصرار الجميع على القتال ضد تنظيمي “داعش” و”فتح الشام”، على أن يجري فصل مجموعات المعارضة المسلّحة عنها؛ أمّا سياسيًا، فنصّ البيان الختامي على “إبداء قناعتهم (تركيا، روسيا، وإيران) بأنه ما من حلّ عسكريّ للصراع السوريّ، وبأنّ الصراع يُمكن حلّه فقط من خلال عملية سياسيّة قائمة على أساس تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بشكل كامل”. كما نصّ على إعادة تأكيد التزام سيادة أراضي الجمهورية العربية السورية، واستقلاليتها ووحدتها، بعدِّها دولة ديمقراطية، متعددة الإثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية، كما أكد مجلس الأمن في الأمم المتحدة.
لكن، غاب عن بيان أستانة أيّ إشارة إلى “بيان جنيف” الصادر عام 2012، الذي نصّ على تأليف “هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة بين الحكومة والمعارضة، على أساس القبول المتبادل”. كما نجح الجانبان الروسيّ والإيرانيّ في حذف عبارة “العمليّة الانتقاليّة”، حيث بات الحديث الآن يشمل “عمليّة سياسيّة” لتنفيذٍ كاملٍ للقرار 2254 الذي صدر نهاية 2015، ونصّ على تأليف “حكم تمثيليّ وغير طائفيّ لتعديل الدستور وإجراء انتخابات”. وحُذفت في البيان عبارة تتناول القرار 2118، الذي نصّ في فقرتين على “بيان جنيف”، مع إشارة إلى أنّ هذا البيان ورد في مقدمة القرار 2254.
ولم تُلبَّ طلبات المعارضة باعتماد عبارة “منع خروق” وقف النار، بل حافظ البيان على عبارتي “تقليل الخروق وخفض عنف” في سورية، من دون إشارة إلى “وقف شامل للنار” كما كانت الفصائل تأمل، وخصوصًا ما يتعلق باستمرار هجوم قوات الأسد وحزب الله على وادي بردى بين دمشق وحدود لبنان، إضافة إلى إهمال رعاة اجتماعات أستانة مطلبًا آخر يتعلّق بـ “وقف التهجير الممنهج” و”المصالحات القسريّة”.

Social Links: