لا شكّ أنّ التفتّح التامّ، والاعتراف بالآخر، وتثبيت فكرة تعدّد الألوان، هي اللبنات الأساسية في بناء الإنسان العربي الجديد الذي نطمح إليه، والذي لن تنهض الأمّة إلاّ إذا انتبهنا له وأعدنا تهيئته وبناء عقليّته.
فقد باتَ الجدلُ لمجرّد الجدل هو السّمة الغالبة في عقولِنا، وبات الاستسلام الظاهر السهل هو السمة الأخرى المرافقة، وما عدا هاتين السمتين لن تجدَ إلاّ نسباً ضئيلة لا تكادُ تُذكر لندرتِها.
فقد اعتدنا على الجدلِ حتّى ولو كان الدليل العقلي والمنطقي ماثلاً أمامنا، ونراه ونلمسه بكلّ وضوح. فعقولنا مبنيّة على نتائج مسبقة، وهذا يعني أنّ أيّ تخلٍّ عن نتيجة مُعدَّة في عقولِنا هو تخلٍّ عمّا نعتقده، وانزياح عن ثوابتنا المعرفيّة. والحقيقة أنّ هذا النوع من التفكير قد جاءَنا من الجمود الظاهر الذي نعيشه. والأمر لا يشمل تيّاراً محدّداً، من يمين أو يسار أو وسط، ولا يشمل الدينيين وحدهم، أو العلمانيين دونَ سواهم، بل يشملنا جميعاً.
ذلكَ أنّ المرونة في التفكير غير موجودة أصلاً، وما نعتقده – للأسف – هو ثوابت لا يطالها الخطأ ولا تنحرف عن الصواب، كما ثبّتَ من له مصلحة في هذا في عقولنا.
وبالمقابل، نرى أغلبيّةً ساحقة من المواطنين العرب براغماتيين ذرائعيين، فهم مستعدّون لتغيير عقائدهم خلال ثوانٍ قليلة، ولا سيّما عندما يتنبّؤون بمصلحةٍ نفعيّة شخصيّة قادمة، وعندما تواجههم في مدى انطباق هذا مع فكرهم الذي يعلنونه، يقدّمونَ لكَ المسوّغات وما يعتقدونَ أنّه من الأساسيّات التي لا تتناقض مع هذا الطرح الجديد الذي سيجنون منه مكاسب نفعية شخصيّة، حتّى ولو كانت غير مشروعة أو تدخل تحت بند «الحَرام»، أو أنّ (الضرورات تبيح المحظورات)!!! فهم بهذا يلوون نصوصَهم كي تتّفقَ مع مصالحهم، دونَ أن يقفوا وقفةَ تأمّل، ويصحّحوا انحرافاتهم عن طريقهم الفكريّ الذي يعلنونه صباحَ مساء، والذي يعتبرونه الأفضل والأصلح والأصحّ، على الإطلاق.
كلا هذين النوعين علينا أن نتخلّى عنهما نهائياً، وهذا في الحقيقة لا يحصل إلاّ بالتربية السليمة أوّلاً لأبنائنا في المدارس، والتعوّد على سلوكٍ قويم في تعاملاتِنا الاجتماعيّة ثانياً، ونبذ الخوف من قول الحقّ والصدق أمام الآخرين ثالثاً.
ولكن كيف يكون كلّ هذا؟
لا شكَّ أنّ أهمّ عناصر هذا التغيير الذي يجب أن يتمّ في داخل نفوسِنا هو التزام الكبار بثوابت التغيير التزاماً يجعل منهم القدوة والمثال. فلا حاجة بعد الدمار الهائل الذي حلّ بعدّة دول عربية إلى السعي وراء مكسب آني شخصيّ، فكلّ ما نجنيه زائل إن لم نحافظ على الهيئة الاجتماعيّة بشكل متماسك وقوي، وهذه الهيئة تتمثّل في الدولة التي نعيش على أراضيها، ونعني بــ«الدولة» الكيان، وليس الأشخاص بالتأكيد، الكيان الذين ننتمي إليه، والذي لا يمجّد شخصاً، أو يحمي مَنْ يخطئ في حقّ هذا الكيان. فواجبنا جميعاً حماية هذا الكيان بروح جماعيّة، تُبعِدُ عبثَ العابثين، وتحاسبُ مَنْ يريدُ أن يسخّر هذا الكيان – الدولة لمصلحته الشخصيّة أو الفئوية أو الطائفيّة، لأنّ علينا أن نجعلَ هذا الكيان طائفتنا وملاذنا وجدار الحماية لكلّ واحدٍ منّا، وأن نكونَ حُماتَهُ الحقيقيين عندما نرى أيّ ظاهرة سلبيّة تطاله. وبهذا يمكن للأطفال أن يقتدوا بالكبار، ويغيّروا هذا النمط السلوكيّ الشاذّ تدريجياً.
وهذا يتطلّبُ أن يكون من هم في سلك التعليم أوّلاً المثال في التضحية والصدق والابتعاد عن المصالح الشخصيّة، وثانياً يتحوّل سلكُ القضاء إلى سلك له الاستقلاليّة التي لا تنقص، فهو جدار الحماية الحقيقيّ، عندما يمسّ كيان الدولة بما يضرّه، وثالثاً أن تُتاح الفرص تماماً لكلّ مَنْ يرغبُ في أن يخطّط ويقترح الحلول، لتقدّم المجتمع نحو الأفضل، لا أن يكون التخطيط منحصراً في شخصيّات منتقاة انتقاءً مزاجياً أو انتمائيّاً، لتحتكر هذه الشخصيّات التخطيط وحدها. فالوطنُ لنا جميعاً، والأفضليّة لمن عنده الفكرة الأفضل والأسلوب الأمثل في تطبيق هذه الفكرة التي يستفيد منها الجميع، أو الأغلبيّة المطلقة على أقلّ تقدير.
فكيف نستطيع أن نتغيّر؟ ذلك هو السؤال الذي يحتاج إلى جواب يكون دليلاً يقودنا إلى تغيير عقليّات استبدّ بها الجمود.

Social Links: