دخل أبي الكنيسة، و أنا وراءه مباشرة، كان الهيكل أمامنا، في صدر قاعة الكنيسة الواسعة، المليئة بالمقاعد الخشبية، المحلاة جدرانها بعدد من اللوحات و الايقونات التي تمثل سيدنا المسيح و أمه مريم، و صورة لوحة القيامة التي كانت أعلى و خلف الهيكل وصل أبي إلى صدر القاعة، و صعد الدرجتين، سلم على الكاهن، تهامس معه، ثم أشار لي بالتقدم لكي أقبل يد أبينا …
اقتربت أنا، بكل خجل، و قبلت يد الكاهن، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف. سألني الكاهن بهدوء : كم عمرك يا بني ؟. فأجبته : عشر سنوات. فقال : ما شاء الله … تابع أبي كلامه مع الكاهن، بصوت أقرب إلى الوشوشة، و لم أفهم من كلامهما شيئا سوى كلمتي ( و صوته جميل ) … قال الكاهن : حسنا يا أبا جورج، سيخدم في القداس، أما الكورال ف(بعدين) … و هكذا كان، واظبت على خدمة القداس بانتظام، و كنت منسجما و مندمجا مع فريق العمل، و أغلبهم بأعمار تقارب عمري. لكنني لاحظت أن أبانا، قبل كل قداس، و قبل أن تدخل الرعية إلى قاعة الكنيسة، يمد يده إلى رف صغير مخفي أسفل المنصة الخشبية التي يقف وراءها أثناء إلقاء الموعظة، و يأخذ من هذا الرف كأسا فيه شرابا أحمر قانيا، يشربه دفعة واحدة …تملكني الفضول، و أنا الصبي الصغير، إلى التعرف على هذا الشراب، فقررت ، بيني و بين نفسي، أن أتذوقه في القداس الآتي … يوم الأحد، و قبل موعد القداس بربع ساعة، كنت وحدي خلف المنصة، مددت يدا مرتجفة إلى ذلك الرف، تناولت الكأس، و رشفت منه رشفة صغيرة، أعجبني طعم هذا الشراب الأحمر القاتم، لم أتمالك نفسي، فشربت محتوى الكأس دفعة واحدة، ثم أعدت الكأس إلى مكانه … دخل أبونا، و جاء أقراني، و بدأنا بالتحضير للقداس. و قبل أن تبدأ الرعية بالدخول، مد أبونا يده إلى الرف الصغير، و أخرج الكأس، ليجده فارغا، التفت يمينا ثم التفت يسارا دون أن ينظر إلى شيء محدد، ثم انتظر اكتمال الحضور و بدأ بموعظته … بعد أن انتهى و انتهينا، استدار أبونا نحونا، و قال لنا بلهجة حازمة : انتظروني جميعكم قرب غرفة الاعتراف … دب الخوف في جميع خلايا جسمي، لكنني قررت التماسك، فشعور الدفء الذي ملأني أعطاني قوة لم أعهد مثلها من قبل … قرب غرفة الاعتراف، كان سؤال أبينا واضحا و مباشرا : من الذي شرب الكأس ؟. لدقيقة كاملة، كأنها ساعة، لم يرد أحد منا على هذا السؤال، فقد سيطر الخوف على جميعنا، فكأننا نسينا اللغة، و بتنا على وشك أن ننسى التنفس … اقترب أبونا من الأول إلى اليمين : أنت ؟. فأجاب : لا . أنت ؟. فأجاب : لا . أنت ؟. فأجاب : لا … عندما جاء دوري و قلت : لا . قال أبونا (بصوت أعلى قليلا) : إنه أنت. فأجبته بجرأة : نعم أبانا، أنا … بس قل لي، كيف عرفت ؟. فأجابني : الرب قال لي … انتهت القصة عند هذا الحد، و صرفنا الكاهن … كنت أتساءل، و أنا في الطريق إلى المنزل، لم لم يعاقبني ؟. لم لم يوبخني على الأقل ؟. ربما سيحكي لأبي ما فعلته و يطلب منه معاقبتي، ربما و ربما و ربما إلى أن وصلت المنزل … كان أبي يقلب مجلة ( تان تان )، و أمي تكوي بعض الثياب، و عندما جلست و فتحت كتاب الحساب، سألني أبي : قل لي يا جورج، لماذا وجهك أصفر و أحمر و أزرق مثل خريطة الوطن العربي ؟. أكيد صار معك شي في القداس … تفاجأت من سؤاله، و قلت في نفسي ( كل الناس تعرف بماذا أفكر و ماذا أفعل ) . تابع أبي : قل لي يا جورج، نحن لا نكذب على بعضنا، أليس كذلك ؟. قل لي ماذا حدث معك في القداس ؟. هنا لم أجد بدا من قول الحقيقة، فقد يعرف أبي القصة من الكاهن مباشرة، فرويت له قصة ذلك الشراب الأحمر القاتم بالتفصيل … المفاجأة الأخرى التي حصلت، هي أن والدي، بدلا من أن يوبخني، أو يلومني، باشر بالضحك من كل قلبه، كذلك فعلت أمي. و أنا مذهول، جامد العينين، ضائع التفكير، مضطرب. أخيرا تشجعت و سألت : لماذا تضحكان ؟. قال أبي، بعد أن هدأ قليلا من نوبة الضحك : كذب الراهب عليك . تفاجأت ثانية، بل صعقت، من جواب والدي، فسألته : كيف ؟. فأجابني : لم يتحدث الرب مع الكاهن، إنما رائحة النبيذ (الشراب الأحمر القاتم) الذي شربته من الكأس هي التي كشفتك …

Social Links: