الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(5/2) ــ حسام ميرو

الرؤية الأميركية للإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين(5/2) ــ حسام ميرو

رابعًا: الرؤية الأميركية للإسلام السياسي بعد “الربيع العربي”

لم يكن موقف الولايات المتحدة واحدًا تجاه ثورات الربيع العربي، ويكفي النظر إلى تدخلها في ليبيا لمصلحة إسقاط نظام القذافي وامتناعها عن التدخل الحاسم في الموضوع السوري لمعرفة حالة التباين الحاد في الموقفين، بينما شجعت وصول الإخوان المسلمين في مصر، وأبدت اهتمامًا قليلًا بما يخص اليمن، وفي خضم مواقفها المتباينة يلعب الموقف من الإسلاميين دورًا حاسمًا، مستندة في ذلك إلى خبراتها السابقة التي راكمتها بعد حوادث أيلول/ سبتمبر 2001.

وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تمانع وجود دور بارز للقوى المسلحة الشيعية في العراق قبل خروجها منه أو بعده، ولم ترَ إلى تلك المليشيات على أنها تمثل إرهابًا إسلاميًا، وهو الأمر الذي لا بدّ من النظر إليه بشكلٍ جدي في تحليل الموقف الأميركي، إذ إن التوافق الأميركي-الإيراني في العراق لعب دورًا مهمًا في التمهيد لانسحاب القوات الأميركية من العراق، على الرغم من معرفة الأميركان بأنه لا يمكن الاعتماد على الجيش العراقي في إحلال السلم الأهلي، وأن إيران ستميل إلى استخدام الميليشيات الطائفية كرديف وبديل للجيش العراقي في ضبط الأمن في العراق، ولبسط نفوذها فيه.

تدرك الولايات المتحدة أن الإخوان المسلمين سيستفيدون من “الربيع العربي”، بوصفهم القوة السياسية الأكثر تنظيمًا، خصوصًا مع غياب قوى مدنية وسياسية منظمة بشكل جيد، أو تمتلك امتدادات جماهيرية وازنة، ولكنها تعرف في المقابل أنهم لن يتمكنوا لوحدهم من قيادة المرحلة المقبلة، وقد أفسحت المجال لدول إقليمية أن تساعد الإخوان في مهماتهم الجديدة، وتحديدًا تركيا، بما تمثله من أنموذج ناجح لدى الشعوب الإسلامية، إضافة إلى وجود حزب العدالة والتنمية في سدة الحكم، وعلاقاته مع القيادات الإخوانية.

وقد استندت الرؤية الأميركية هنا على موقف مفاده أن نجاح الإخوان المسلمين في الحكم سيسحب البساط من القوى الأكثر تطرفًا، وسيضع الإخوان المسلمين في تجربة الحكم، حيث ستكون أمامهم مهمات لها علاقة بالواقع الاجتماعي-الاقتصادي، في بلدان تعاني من مشكلات مزمنة، ما يعني أنهم سيتعاونون مع الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وسيضطرون أن يكونوا أكثر انفتاحًا تجاه القوى الأخرى، وأقل تشنجًا من الناحية الأيديولوجية.

وبعيدًا عما واجهه الموقف الأميركي من تعقيدات إقليمية، فإن أميركا سعت إلى إدخال الإسلام السياسي في معترك السياسة اليومية، والابتعاد شيئًا فشيئًا عن الشعارات الكبرى المناهضة لأميركا والغرب، وجعل الإخوان المسلمين يقومون بعملية ضبط القوى الجهادية، ما يعني تحويل الصراع بين الإسلام الجهادي وأميركا إلى صراع إسلامي-إسلامي، وهو ما سيقلل الأعباء المباشرة عن كاهل الولايات المتحدة، ويخفف من نسبة التهديدات الأمنية المحتملة ضد أهداف أميركية، ومن ثمّ تحويل سكة المواجهة.

وراقبت الولايات المتحدة الأميركية نشوء القوة الأكثر زخمًا بعد “القاعدة”، وهي “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وقد تمّ تصنيف التنظيم من قبل مجلس الأمن تحت لائحة الإرهاب، في القرار رقم 2170، كما أنشأت تحالفًا عسكريًا لضرب أهداف للتنظيم، مع معرفتها الأكيدة بأن تلك الضربات الجوية لا تستطيع هزم التنظيم وإنهائه، ما يعني أن مهمة دحر التنظيم ستكون ملقاة على عاتق قوى محلية في العراق وسورية.

لقد أعلن “داعش” نيته إقامة خلافة إسلامية في العراق والشام، وعدم اعترافه بالحدود بين البلدين، وانتهج سلوكًا تكفيريًا ضد القوى المقاتلة الأخرى ما يعني أن مهمات هذا التنظيم هي إيجاد مساحة جغرافية متصلة بين العراق وسورية ليقيم عليها خلافته. وتمكن عبر أيديولوجيته المتطرفة وسلاحه الإعلامي من استقطاب مقاتلين محليين، إضافة إلى أعداد كبيرة من المقاتلين العرب والأجانب[10]، وما هو مهم بالنسبة إلى الأميركان أن معارك التنظيم الأساسية باتت محددة جغرافيًا، وأن قتاله بات معركة مشتركة بين قوى عديدة، ومنها قوى متناقضة في الأهداف والمصالح.

إن الشكل المتوحش الذي طرحه تنظيم “داعش” جعل من فكرة التطرف الإسلامي فكرة بلا هدف سياسي، وعبثية في الوقت نفسه، فإذا كانت أهداف “القاعدة” سابقًا مصممة للنيل من أميركا والقوى الغربية الداعمة للأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط، ما جعل جزءًا من الجمهور الإسلامي يتعاطف مع “القاعدة”، نظرًا لما كانت تمثله الولايات المتحدة لدى الكثيرين من أبناء المجتمعات المسلمة، بوصفها عدوة لتلك المجتمعات، فإن “داعش” وضع المجتمعات المسلمة، وليس فقط الإسلام السياسي، في حالة من الذهول أمام ما يمكن أن تعنيه حالة تطبيق “الشريعة”، ولم يعد النقاش يدور حول صواب أسلوب “القاعدة” في محاربة الغرب، بل عن صوابية “الشريعة” وممثليها في إنشاء الدول، وإدارة الشأن العام في البلدان المسلمة.

إن سلوك الإدارة الأميركية العملي في الملفين العراقي والسوري يؤشر إلى مفاصل الرؤية الأميركية الجديدة في التعامل مع الإرهاب الإسلامي، حيث أنها لا تهتم فعليًا بمآل الدولتين على المستوى السياسي المباشر، بل إن تحولهما إلى ساحتين للتطرف، ومرتعًا للقوى الجهادية، من شأنه أن يستنزف “الفكرة الجهادية”، وأن يجعل من “الجهاد” أمرًا قابلًا لإعادة النظر فيه من قبل المسلمين أنفسهم، وجعلهم يتذوقون من ويلاته كما تذوقت أميركا في أيلول/ سبتمبر 2001، وجعل الدول الإقليمية الداعمة له في موقع ضعيف، ودفعها إلى سن قوانين محلية لمكافحة الإرهاب والتطرف، وملاحقة الممولين من الدول العربية والإسلامية.

وإذا كان صحيحًا أن عدم إيجاد حلول سياسية في العراق وسورية قد أوقد نار الصراع المذهبي السني-الشيعي، فإن هذا الصراع في نهاية المطاف هو صراع بين مسلمين، وهو يسهم في أمرين معًا:

  • إن هذا الصراع من شأنه أن يجعل الصراع في هذا القرن بين قوى إسلامية، بدلًا من أن تكون أميركا والغرب هما هدفا الصراع.
  • إن القوى المتطرفة سيتم استنزافها في صراعات مع محيطها المحلي والإقليمي، وهو ما سيدفع إلى نشوء قوى أكثر اعتدالًا.

وفي هذا السياق للحرب التي تفترضها الولايات المتحدة بين القوى المتطرفة وقوى محلية، يمكن دفع القوى الإسلامية إلى حقل السياسة الواقعية، أي القبول بقواعد السياسة، وما يترتب عليها من تغيّرات تطال الأفكار والبنى التنظيمية، وإعادة بناء الأهداف انطلاقًا من الأهداف المحلية، وليس عبر خلق أهداف عالمية، كما في أفكار وخطط تنظيم “القاعدة”.

لا يعني هذا بالطبع أن الإدارة الأميركية تعتقد أن اعتمادها على رؤية وسلوك جديدين سينهيان أي مخاطر محتملة ضد أهداف ومصالح أميركية وغربية، لكنها تسعى في إطار تحويل أهداف الجهاديين أنفسهم إلى الحد بشكل كبير من مخاطر عمليات إرهابية تطالها في الداخل، أو تطال مصالحها في الخارج، وجعل أي عمليات ممكنة مجرد عمليات فردية (عمليات الذئاب المنعزلة)، وهي في العادة لا توقع ضحايا كثر، ولا تهدد مصالح حيوية.

وسياسيًا، فإن موقف الإدارة الأميركية من الإرهاب الإسلامي ليس موقفًا أحاديًا، بل إنه يطال الدول التي تعاني أزمات بنيوية، مثل أزمة الشرعية، أو التي يقوم عقدها الاجتماعي على تحالفٍ بين السلطات الحاكمة ورجال الدين، حيث أن الأوضاع الجديدة التي نشأت بعد “الربيع العربي”، وظهور “داعش”، وغيرها من التنظيمات الإسلامية الجهادية، جعل الولايات المتحدة قادرة على إحداث ضغط أكبر على تلك الدول، من أجل إحداث تحولات في داخلها، بحكم أنها مسؤولة أيضًا عن نشوء التطرف الإسلامي، من حيث البيئة والقوانين، والنفوذ الكبير الذي تمتلكه المؤسسات الدينية.

خامسًا: الرؤية الأميركية المستقبلية

بذلت الإدارة الأميركية خلال عقد ونصف تقريبًا جهدًا كبيرًا في محاربة الإرهاب الإسلامي، وجعلته في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية على مستوى الأمن القومي، واحتاجت من أجل ذلك أن تخوض حروبًا ما وراء البحار، من أجل القضاء على تنظيم “القاعدة”، وتمكنت من قتل زعيمه أسامة بن لادن في باكستان، وهو ما اعتبرته نصرًا مهمًا على التنظيم، وأمرًا ضروريًا لإنهاء التنظيم، والتأكيد على صدقيتها، وقدرتها، في الآن نفسه.

لكن، ما واجه أميركا فعليًا ليس فقط أن تنظيمًا إرهابيًا يحاول النيل منها، ومن هيبتها، بل فكرًا يمتلك صفة أممية، يمكن أن يتحول إلى أنموذج لكثير من التنظيمات التي قد تسعى إلى القيام بعمليات مماثلة، تحت راية الإسلام، تنطلق من بلدان تعاني من أزمات سياسية، واقتصادية، ومشكلات طائفية، في ظل وجود حكومات لا تحظى بالشرعية السياسية الكافية، أو أنها تمتلك بيئات تعدها الولايات المتحدة مولّدة للتطرف، وتساعد على تفريخ الإرهابيين.

وخلال القرن الماضي، وفي ظل ظروف الحرب الباردة، ساهمت الولايات المتحدة في بقاء أنظمة عديدة، بغض النظر عن طبيعتها، في سياق المواجهة ضد “الخطر الشيوعي”، وبكونها دولًا وظيفية، تساهم في الحد من نمو منظمات يسارية، أو قومية، مناهضة للمصالح الأميركية، في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يضر بالمصالح الأميركية في مجال الطاقة بشكلٍ رئيس.

لكن الحرب الباردة انتهت، و”الخطر الشيوعي” لم يعد موجودًا، والدول الاشتراكية السابقة انضم عديد منها إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف الأطلسي، وبعضها الآخر يحاول أن يلبي متطلبات ذلك الدخول إلى أوروبا الموحدة، على الرغم من كل مشكلاتها. كما أن الصراع على الطاقة عرف تحولات كثيرة، أهمها اكتشاف النفط الصخري، ووجود فوائض في المعروض من النفط، ما جعل الولايات المتحدة تعيد حساباتها تجاه الشرق الأوسط، والعلاقة مع حكوماته، وقد سعت إدارة أوباما، خصوصًا في ولايته الثانية، إلى الانكفاء التدريجي عن المنطقة، لمصلحة استراتيجية أهم، وهي احتواء الصين الصاعدة، وهو ما يعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية إعادة حساباتها تجاه الكثير من القضايا.

من هذا المنطلق، وبناءً عليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية ترى أن المشكل الرئيس للإسلام السياسي لا يجب أن يكون معها، وإنما مع المجتمعات التي ينشأ فيها، وأن معالجة هذا الأمر لا يجب أن تتم عبر مزيد من الدعم للدول التي تعاني مشكلات مع الإسلام السياسي، بل برفع الغطاء السياسي عنها، وجعلها تواجه مشكلاتها بقواها الذاتية، وعدم منحها الفرصة للهروب من معالجة أزماتها الداخلية، وبالمعنى الدقيق للكلمة وضع تلك الدول أمام مجرى التحولات الداخلية، مهما كان الأمر مكلفًا، لكن على ألا تكون الولايات المتحدة هي من تدفع الثمن الأكبر للفاتورة.

 

  • Social Links:

Leave a Reply