زكي الدروبي
يبدو أن تأثيرات الربيع العربي – إيجاباً أو سلباً – لم تنته في العالم، فهاهو الشعب الفرنسي ينجح في إسقاط النظام السياسي الفرنسي المستقر منذ 1958، فقد أسقط الفرنسيون عبر صناديق الاقتراع، وللمرة الأولى في التاريخ المعاصر لفرنسا، مرشحي حزبي يمين الوسط ويسار الوسط التقليديين اللذين تناوبا على السلطة في فرنسا منذ أن أسس شارل ديغول الجمهورية الخامسة، فقد فشل مرشح اليمين التقليدي فرنسوا فيون في الوصول للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بسبب شبهات الفساد والفضائح التي طالته، وهي خسارة كبيرة لليمين الذي كانت طريقه معبدة للوصول للاليزيه. وهي المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة التي يغيب فيها مرشح اليمين التقليدي عن الدورة الثانية. وبنفس الوقت لم يتأهل مرشح الحزب الاشتراكي إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بعد أن نقم الشعب الفرنسي على سياسات الحزب الاشتراكي، وبسبب الانقسامات التي طالت الحزب، وانفضاض قادة الحزب من حول مرشحه، مما أدى لخروج الحزب ضعيفاً إذ لم يتخط مرشحه بينوا آمون نسبة ٧% من المقترعين.
هذا الزلزال الذي حصل في الحياة السياسية الفرنسية هو انعكاس للأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها فرنسا وأوروبا بشكل عام، فالضعف وبداية التفكك بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأزمات الاقتصادية التي تعصف ببعض الدول الأوروبية، وما شهده ميزان القوى العالمي من اختلال بعد انسحاب إدارة أوباما الأمريكية من المنطقة والذي ظهر جلياً في أوكرانيا شرق أوروبا وفي الشرق الأوسط وسورية تحديداً ، ففي عهد أوباما ظهرت أوروبا عاجزة عن تقديم أي حلول أو ملء الفراغ الذي أحدثه انسحاب الإدارة الأمريكية من المنطقة، ومع عودة ترامب ظهرت الإرادة الأوروبية ملتحقة بالقطار الأمريكي واتسمت بردود الأفعال ولم تتسم بالفعل، كما أثرت عمليات الهجرة القادمة من المناطق الساخنة والفقيرة كإفريقيا والشرق الأوسط على زيادة الأزمة الأوروبية ورغم أنه شهد عهد الرئيس الاشتراكي الحالي فرانسوا أولاند التوقيع على الكثير من صفقات سلاح، وهذا سيحقق مكاسب مادية هائلة ويعمل على زيادة تشغيل الأيدي العاملة بفرنسا، إلا أن عهده أيضاً هو الأسوأ فيما يتعلق بملفات الأمن والإرهاب، كما ازدادت نسبة العجز في صندوق التأمينات الصحية، وصندوق المعاشات، وارتفعت معدلات جرائم العنف في البلاد. أيضاً تخلى الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يُمسك بالسلطة الفرنسية (رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية) عن مصالح الطبقات الوسطى والعاملة ولا سيما في قطاع الصناعة والخدمات, وترافق ذلك مع تزايد الفساد الإداري والتشريعي وارتفاع معدلات البطالة والتضخم مع تراجع مستوى المعيشة.
هذه المشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة شكلت فرصة ذهبية لليمين المتطرف ليستغلها ويستثمر في ورقة الفوبيا والخوف، ترافق صعود اليمين المتطرف في فرنسا مع ازدياد شعبية هذا التيار في العالم، فقد نجح في فصل بريطانيا عن الوحدة الأوروبية، ووصل لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية. وبدلاً من أن تتكاتف الدول الأوروبية لتحقق سياسة واضحة قوية تحل فيها الأزمات الاقتصادية التي تجتاح أوروبا والهجرة الواسعة التي تمت نتيجة إرهاب واضطهاد الأنظمة خصوصاً في منطقتنا العربية وبلدنا بسورية، آثرت سياسة الانكفاء والانقسام على بعضها البعض ومحاولة التهرب من المسؤولية، وعدم حل المشكلة الرئيسية ومعالجة الأعراض والإبقاء على المرض الأساسي، فبعض الدول الأوربية حاولت أن تعيد العلاقات مع النظام السوري الذي سبب موجة الهجرة الكبيرة إليها كونه أفضل من داعش، كما أقامت علاقات مميزة مع غيره من الأنظمة القاتلة والمستبدة في منطقتنا العربية والشرق أوسطية وأفريقيا، بدلاً من أن تسعى للحل الناجح الذي يؤدي لوقف الهجرة نهائياً وهو إسقاط هذه الأنظمة وإيجاد أخرى قادرة على حماية مواطنيها وإبقاءهم في البلاد وإيجاد حالة من العدالة الاجتماعية تحقق لهم الاستقرار في بلدهم فلا يوجد أحد في العالم يريد أن يهجر بلاده بشكل اختياري.
هذا الفشل للأحزاب التقليدية سمح لمن جاء من خلفية يسارية وطور عليها بلمسة ليبرالية ليتحول لليبرالية الاجتماعية بالفوز في المرحلة الأولى، فإيمانويل ماكرون انضم بين 2006 و2009 للحزب الاشتراكي، ثم عين في 2012 نائبًا للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى الرئيس فرانسوا أولاند، ثم وزيرًا للاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي في حكومة مانويل فالس الثانية، وذلك حتى 2016 حين أسس حزب إلى الأمام (!En marche) ذو التوجهات الوسطية، وقد قاد حملته تحت شعار “لا يمين ولا يسار” ثم “يمين ويسار”، فنجح في إيجاد حالة جديدة في النظام السياسي الفرنسي وهو ما سيسمح بحالة انتقالية ستستمر لفترة حتى يستطيع اليمين واليسار الفرنسي التقاط أنفاسهما وإعادة صياغة سياستهما بما يسمح بتطوير العمل لدفع فرنسا وأوروبا للأمام.
المحاولات المستمرة لتفتيت أوروبا والهجوم على اليورو من أهداف صعود اليمين المتطرف الذي استفاد من حالة الإحباط ورفض السياسات السابقة، وتوقع مركز ستراتفور الاستراتيجي احتمالية نهاية منطقة اليورو حال فوز لوبان بالرئاسة. انهيار اليورو الذي حقق خلال فترة قصيرة وحدة أوروبا وظهر كقوة اقتصادية عالمية سيؤدي لزيادة الأزمة الاقتصادية.
بالنسبة لنا نحن السوريين فإن السياسة التي أعلنتها لوبان الهادفة إلى التقارب مع روسيا والنظام سياسة قاتلة مجرمة ستؤدي لزيادة قتلنا وتهجيرنا، ونعتقد أن صعود اليمين المتطرف الأوروبي المتأثر بجائحة صعود اليمين في أمريكا لن يطول، فالسياسة والتقاليد الأمريكية تختلف عن أوروبا، وليس من المعقول أن يسمح تاريخ الديمقراطية في فرنسا بوصول اليمين المتطرف، وهذا ما ظهر جلياً من خلال دعم كل المرشحين الخاسرين في الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية من الحزبين الجمهوري والاشتراكي للمرشح إيمانويل ماكرون لكن مثل هذه الظواهر ستبقى خطرة ومؤثرة على أوروبا ومنطقتنا.

Social Links: