منصة النبض
لا بديل عن توحُّد العمَّال، لكن الطريق إلى ذلك ما زال بعيداً مع عدم وضوح طبقة العمَّال عربياً كفئة محدَّدة ومعرَّفة واختلاط أدوارها.
«ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع» بذكرى حَمَلَة ذلك الشعار يحتفل العالم سنوياً بعيد العمَّال، حيث قامت الشرطة الأمريكية حينها بإطلاق النار على العمَّال المتظاهرين في شيكاغو والمنادين بالشعار، ليغدو العيد بعدها مؤرقاً مضاجع الرأسمالية التي ما برئت تتجاهل حقوقهم.
اليوم وبعد مرور ست سنوات على الربيع العربي والذي انطلقت شرارته من قهر بائعٍ في مغرب العالم العربي، اعتقدت الشرطة حينها أنه اعتاد الظلم، فهيَّجت ردة فعله القهر المكبوت على امتداد العالم العربي، لتُسارع الأنظمة العربية إلى خطواتٍ احترازية برفع أجور العاملين فيها والدعوة إلى إشراك فئات أكبر في الشأن السياسي ومنح مزيدٍ من الحريّات.
لكن المظاهرات امتدَّت إلى أبعد مما توقَّعت تلك الأنظمة الغارقة في إهمال حقوق العاملين فيها والفئات الفقيرة من خلال إهمالهم من خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واحتكارها للسلطة السياسية بعيداً عن مصالحهم. الأمر الذي أدى بعد خطواتٍ إضافية من السياسات التحريرية للاقتصاد إلى دفع فئات واسعة من الشعب إلى أتون الفقر والفاقة، وأوجدت شكلاً جديداً من البطالة الخفية والتي تمثَّلت بجعل راتب العامل لا يكفي لسد رمق عيشه، مما يزيد من إغراقه في فقره وقهره دون القدرة على الشكوى والتعبير أو الانتظام السياسي أو النقابي المحرَّم لدى الحكومات العربية تحت طائلة الاعتقال والقمع، والتي أوجدت نقاباتٍ شكلية كانت امتداداً لأدوات سلطتها بوجه العاملين لا امتداداً لتنظيم العمَّال وصوتهم بوجه السلطة.
لكن الربيع العربي الذي ابتدأ بعفويةٍ صارخة لم تتطلب من مندفعيها وعي أسباب ثورتهم واكتفوا بوعي قهرهم، أدَّت في ذات الوقت إلى الابتعاد عن تنظيم ثورتهم بما يخدم مصالحهم، وتمَّت مصادرة تلك الجماهير العفوية لاحقاً من قبل المنتظمين من الأحزاب السياسية التقليدية والإسلاميين ورجال الاقتصاد المتحالفين مع السلطة ممن رأوا في الثورة فرصةً للضغط أكثر على الحكومات وانتزاع تسهيلات جديدة منها لمشاريعهم. وبذلك اقتصر الحراك على المناداة بشعاراتٍ فضفاضة تتلاقى مع مصالح النخب أكثر مما تتلاقى مع مصالح السواد الأعظم من السكان والذين تحملوا أعباء الحراك دون غيرهم.
إذاً فقد كان العمَّال خارج ذلك الحراك -ولا ندَّعي أنه حراكهم أصلاً- ولم يعملوا على الدخول والانتظام فيه والتحالف مع الفئات الفقيرة الواسعة والتي تتلاقى مصالحها مع مصالحهم وتشكِّل معهم قوةً قادرة على الوقوف بوجه أي استغلال لهم ولحقوقهم. بل على العكس من ذلك فقد تناثرت قواهم بين السلطة والأحزاب التقليدية والقوى الإسلامية مجدداً، والتي لم تتردد في استغلال عوزهم وحاجتهم لصالح خدمتها. ليتوسَّع تشتتهم أكثر مع ازدياد دخول المنظمات المدنية إلى بلادنا والتي يتماهى طرحها مع طرح النخب ولا تزيد عن المطالبة بالحوكمة ودمقرطة السياسات، ولا تخرج أدبياتها عن تحرير الاقتصاد دون طرح عدالة توزيع نتاجه، والتي لم تطرح -ولن تطرح- ما يخص حقوق العمَّال وتنظيمهم، بل عمَّقت من تمييع حدود الصراع ومن القدرة على وضعه في مساره الصحيح. بل إن الحراك العربي اتخذ بنظر المفكرين والمثقفين العرب والسوريين صبغة الحراك الشبابي (بما تحمله كلمة الشبابي من معنى واسع وغير محدد) وكذلك اتخذ بنظرهم دافعه من وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر، الأمر الذي أبعدهم أكثر عن فهم أسبابه وأبعدهم كذلك عن القدرة على توجيهه وقيادته، وكأن ملايين الأفراد الذين ملأوا ساحات وشوارع المدن العربية غامروا بحياتهم تلبيةً لدعوى على الفيسبوك الذي أدخله الغرب لنا «ليحرِّرنا».
بعدها تطوَّر الصراع الذي أدى في بلدان عديدة لدمار البنية التحتية والاقتصاد نتيجة تحوله إلى حرب دمَّرت مقار عمل العمَّال والفقراء ومصادر رزقهم وبأيديهم أحياناً، بعد أن انخرطوا في الفصائل المعارضة المحاربة للسلطة أو في فصائل السلطة المسلحة على اختلاف تشكيلاتها، الأمر الذي أدى إلى تحويلهم لأداة تساهم في قتلهم وقتل مستقبلهم، وجعله رهناً بالشركات القادمة وعقود إعادة الإعمار. في حين أن الوعود المطروحة لما بعد انتهاء الصراع من دخول الشركات الاستثمارية الكبرى إلى البلاد ستزيد من انتهاك حقوق العمَّال، خاصةً بتحالفها مع السلطة المانحة لكل التسهيلات لتلك الشركات دون أية قيود على حقوق العمَّال وشروط تشغيلهم، وبابتعاد العمَّال عن التوحُّد في نقابات وأحزاب سياسية تمثلهم وتشكِّل رادعاً بوجه استغلالهم.
تلك السياسات الاقتصادية المرحِّبة بالشركات الاستثمارية دون قيدٍ أو شرط ليست بالجديدة في العالم العربي، وفي الخليج العربي أكبر مثال عليها حيث لا حقوق لعاملٍ فيها ولا قدرة على التنظيم النقابي مطلقاً، إذ يتم استغلالهم بطريقة أشبه بالعبودية، دون أي ذكرٍ لذلك الأمر في وسائل الإعلام الخليجية وتفرعاتها العربية والسورية، المسَيطر عليها من قبل أمراء تلك الدول، والتي تكتفي بذكر آخر إنجازات ناطحات السحاب والمشاريع الترفيهية، وتعيين وزيرٍ للسعادة لم ولن يلحظ سعادته مدى (سعادة) العمَّال لديهم. وبذلك لن تسمح تلك الدول بظهور تنظيمات عمَّالية في دول الجوار تؤرق مضاجعها.
في سوريا اتَّجهت السلطة إلى فتح البلاد أمام المشاريع السياحية والخدمية في العقد الأخير عبر القطاع الخاص وشركاته دون دعم الصناعة أو تمكينها، الأمر الذي أدى إلى زيادة ترهُّل قطاعها الصناعي وبات تشغيله عبئاً على الحكومة، فقرَّرت تسريح العديد من العاملين وتركهم عرضةً للعوز والفقر، وذلك في سعيٍ منها نحو خصخصة القطاع الإنتاجي وبيعه دون الاكتراث بمصير عمَّاله، ولم تختلف تلك السياسة إبَّان الثورة بل سرّعت من خطوات التوجه نحو شركات الاستثمار في ظل عجز الحكومة عن إقامة المشاريع الصناعية وإصلاح البنية التحتية من جديد، بل رأت في عجزها الجديد تبريراً للتوجه نحو شركات الاستثمار مستقبلاً.
إذاً يكاد يكون وجود العمَّال سياسياً ونقابياً على المستوى العربي غائباً، بل مناقضاً لمصالحهم، وهو امتدادٌ أيضاً لشبه غيابٍ عالمي تقلَّص مع انهيار المعسكر الاشتراكي وسيطرة القطب الواحد، واختلطت أوراق مصالحهم من جديد في خضم احتكار النخب الاقتصادية للسياسة والتي أوصلت أحزاباً باسم العمَّال إلى السلطة لا تحمل منهم سوى اسمهم.
الغياب العربي والسوري للعمَّال سيبقى المحرك الأساسي لعدمية الصراع (عسكرياً أو سياسياً) وابتعاده عن مصلحة السواد الأعظم، والمحافظة على استمرار استغلال الشعوب العربية من قبل الغرب وأطماعه في المنطقة عبر أدواته العسكرية والسياسية والمدنية وعبر حلفائه من القادة.
لذلك لا بديل عن توحُّد العمَّال ووعيهم لمصالحهم ومصلحة البلاد، لكن الطريق إلى ذلك ما زال بعيداً مع عدم وضوح طبقة العمَّال عربياً كفئة محدَّدة ومعرَّفة واختلاط أدوارها، بالإضافة إلى التحكُّم الغربي بمقدَّراتنا واستمرار الانبهار العربي بتفوق الغرب واستخفافه بطرح الصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية في ظل حضور (أناقة) الديموقراطية الغربية وثوبها الحضاري.
رامي نصرالله : صحافي سوري

Social Links: