جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 10 ــ

جذور الاستبداد في القرن العشرين ــ 10 ــ

 

هدف وآلية القمع في الدولة الفاشية 

كثير من الذين نجوا من التجربة القاسية في معسكرات الاعتقال في (أوسشفايتز، بوخنوالد، داخو، (اكسنهاوزن) حاولوا ان يكشفوا في مذكراتهم ذلك المرض الدفين الذي يجعل جلاديهم بهذه القسوة… بعضهم عزاها الى العنة او البارا نويا، او الشعور بالدونية او السادية. واعادها البعض الى جنون فطري او دوري يعيق حركة الضمير.

الطبيب السويدي (جوست أم. ميرلو) في كتابه (السلام الصعب)، والذي عاش في (اوسنشفاينز)، تابع جلاديه، واستفتاهم فيما بعد، فوجد ان أكثرهم كانوا يمارسون مهنا بعيدة عن الدم والموت قبل صعود النازية (طبيب، بائع كتب، طالب هندسة، مسّاح، مدرس…الخ) وكانوا يمارسون هوايات لا تمت لمهنة الموت (الرياضة، الرسم، الموسيقى، التجديف، التصوير). وكانوا في بيوتهم من الطف الآباء والأزواج ويندر ان تجد من وضع في حسابه ان يقتل انساناً ذات يوم…. باختصار كانوا مواطنين أسوياء من عامة الشعب الألماني، لا يعرفون سبباً واضحاً للتحول الذي أصاب حياتهم. وزير الشباب في حكومة هتلر (فون شيراخ) شاهد وهو في المعتقل فيلماً وثائقياً عن التعذيب النازي وعربات الغاز فأخذ يبكي في زنزانته غير مصدق ان الالمان قد فعلوا ذلك، كما ذكر (جي. ام. جلبرت في كتابه يوميات نورمبرغ) واستغرب عندما علم بعدد الألمان الذين سخّرهم هملر لخططه الدامية… قال “أما أنى كنت في كابوس، او انني أعيش الآن كابوساً”.

لكن المخطط النازي من اجل (اعداد الجماهير) كان يهدف في النهاية الى جعل كل ذلك أمراً مألوفاً وضرورياً، لتحويل كل الماني الى جلاد او مشروع جلاد تحت الطلب. ففي الخطب والاعداد العسكري 

والتربية، كان يجري تمرين متواصل لاستئصال الرأفة من الألمان باعتبارها نقطة ضعف لا تليق بهم، وربما كانت السبب وراء هزيمتهم الأولى.

وقد اعتمدت النازية في تأصيل العنف والقسوة على غطاء فلسفي وعرقي. فاستخدمت عبارة (نيتشه) عن (العنف الأبيض) لتبرير العنف لأهداف (نبيلة). ويستند (نيتشه) على ميكانيزم الغرائز الحيوانية لتبرير القسوة والعنف عند الانسان: “الحيوانات المفترسة والغابة العذراء تدلل على ان الشر يمكن ان يكون صحياً وانه يسهل التطور الجسدي. فلو كانت غريزة الافتراس مصحوبة بعذاب داخلي لاضمحلت منذ زمن بغيد. الكلب الذي يعوي متشكياً هو في الاصل حيوان مفترس أصابه الضمور… ان وجود كثرة من أناس طيبين ومستعبدين تدل على ان الطيبة مرتبطة بتلف في قوى الانسان” (نيتشه- إرادة القوة)

وعلى هدى نيتشه عمل هيتلر على احياء الغرائز الحيوانية وأسس داخل الجيش مجموعات (أبناء الذئاب) مستغلاً الأسطورة الرومانية عن الانسان الذئب، وذلك لدفع المقاتل ليتلبس روح الذئب المهاجم ويتحرر من عقدة التأنيب. ولكن هتلر لم يطلق الإرهاب لذاته ومن أجل الإرهاب على هدى (براءة) نيتشه، انما سيّس القمع ووظفه، فذكر في كتابه (كفاحي):”عندما نكافح من أجل كياننا فلا معنى للاعتبارات الانسانية. لأن خيال الانسان هو الذي صنع هذه الاعتبارات”.

وقد كانت القسوة في الأدبيات العرقية واحدة من ميزات العرق الآري ولصيقة بتاريخه. كما استندت النازية على (شوبنهاور) في تأييد وإطلاق الشر باعتباره لصيقاً بالوجود الإنساني، ويشمل كل الناس، فلماذا لا يمكن استخدامه لصالح الفوهرر؟

وفي الهرم البيروقراطي والاجتماعي الذي يحكم الدولة النازية يكون القمع وسيلة لممارسة السلطة والسيطرة على الآخرين وليس غاية لذاته. وبالقمع تهز النازية الحياة وتتحكم بها، ولا تعود السادية والمازوشية صفتين متعارضتين، انما صفتين متكاملتين في نمط الحياة النازي. فالخضوع للأعلى تقابلها رغبة التحكم في الأدنى. والذي يستقبل القمع من الأعلى يحوله على الأدنى منه، كوسيلة لضمان السيطرة. وتحاول النازية إشاعة الخوف في المجتمع بجرعات متتالية، ولذلك يصبح الخوف أداة الارتباط التي تسود المجتمع وتحركه. فالعنصر الارستقراطي الذي يمثل النخبة المفكرة في الجهاز القمعي يرى، وفق فلسفة نيتشه، ان الرقي الخلقي يكمن في التمييز والقوة والهيمنة. ولكن ممارسة السلطة على الفئات الدنيا سيصطدم بجسد فطري، فالمواطن العادي، وفق المنظور النازي، يخضع لرقة مزيفة، وتحت وطأة الامتثال للعادات والأعراف الاجتماعية تختفي نزعة المواطن للتسلط ولأن يصبحوا سادة، ويخترعون أساليب متعددة لإبداء السيطرة على الذات والتحلي باللطف والاعتزاز.

 

ولكن النازية التي تصدر القمع بجرعات مدروسة تخشى حالة العداء الكامنة لدى المواطن. وترى في الديمقراطية مقتلها. فخلال محاكمته قال الجنرال (غورنغ) للمحققين كما وردفي (يوميات نورمبرغ) “الألمان بطبيعتهم أنانيون. والديمقراطية لا تليق بهم. وانا سعيد لأني سوف لن أرى اليوم الذي سيكون الألماني فيه مطالباً بالحفاظ على عنقه”

لذلك تحاول النازية تحرير “عدائية” المواطن وتوجيهها في نفس الوقت. فمن خلال إشاعة القسوة الراديكالية الجامحة تريد النازية تحرير المواطن من الأخلاق الناعمة والقسر الاجتماعي وستكون القسوة مجرد تعويض عن التوتر الذي يفرضه على نفسه عندما يستقبل القمع من الأعلى. وفي غياب معركة واضحة ضد السلطة النازية سيصطدم تمرد البرجوازية الصغيرة بآلية القمع ويرتد الى الداخل. كما يجرد البرجوازي الصغير القمع من أسبابه ويتحول امامه الى شرّ وقدر مطلق، ولهذا يعمل على تجنب هذا الشر أو يداهنه بالاندماج فيه. هكذا يتخلى هذا الذي اتزع منه وعيه الذاتي، فيرفع السوط ويصرخ معلناً تحوله الى جلاد، ثم يشكل قاعدة الجهاز القمعي واداته التنفيذية.

  • Social Links:

Leave a Reply